:التجديد الأخير 20:19 GMT - 2008/10/07


حال الطقس في 101 مدينة





في محيط مستشفى الجامعة الأميركية الحزن يتحوّل غضباً: «لن ننتخب أحداً... من يطبب الأبناء ويعلمهم بعد أبو بهاء؟»

بيروت - ناجية الحصري     الحياة     2005/02/15

يهتفون حزناً على «الرئيس الشهيد» في باحة مستشفى الجامعة الاميركية. (الحياة)
يهتفون حزناً على «الرئيس الشهيد» في باحة مستشفى الجامعة الاميركية. (الحياة)
هنا في محيط مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت تأكد للناس الذين راحوا يتوافدون بكثافة ويتجمعون في باحتها، ان رئيس حكومتهم السابق رفيق الحريري قضى في الانفجار الذي وصلت تداعياته الى المكان محطمة زجاج أبنية كثيرة.

هنا في باحة المستشفى كان القلق يتحوّل انهياراً فغضباً. يأتي أهالي الضحايا للسؤال عن زوج أو ابن أو قريب من مرافقي الرئيس الحريري أو من العاملين في الأبنية المحيطة في مكان الانفجار، لكن كان من الصعب الحصول على جواب شاف، فثمة طوق فرضه حراس المستشفى على مدخل قسم الطوارئ فيه لتسهيل عبور سيارات الاسعاف التابعة للصليب الأحمر التي لم يتوقف نقلها للجرحى حتى بعد مرور ساعة على حصول الانفجار.

لم يكن نبأ اغتيال الحريري وصل الى الناس، ثمة اشاعات عن استهداف موكبه، لكن المتجمعين هنا كانوا يمنون النفس بما حصل للوزير مروان حمادة الذي نجا من انفجار مماثل قبل أشهر قليلة، فربما ينجو الحريري ايضاً، لكن النبأ اليقين بدأ يتسرب من أروقة المستشفى بأن ثمة من تعرّف الى جثمانه وهو مرافقه الخاص عدنان البابا من بقايا ربطة عنقه وخاتم الزواج والكلسات في قدميه، وذلك لكثرة التشوهات التي أصابته.

أصوات النحيب كانت ترتفع بين أفراد عائلات المرافقين تقطعها الهتافات التي راحت ترددها حناجر رجال جاؤوا من الطريق الجديدة ونساء حضرن من منازلهن على عجل في البسطة وكورنيش المزرعة ورأس بيروت "لا إله الا الله والحريري حبيب الله". ثم سيل من الشتائم بحق من تسبب في مقتل الحريري، ووعيد بـ"اننا والله لن نسكت". وترد مجموعة اخرى "بالروح بالدم نفديك يا رفيق".

المشهد يتكرر كلما انضمت مجموعات جديدة الى المجتمعين في الباحة، عناق وبكاء ونحيب، وأصوات نساء تصرخ "سكروا البلد، راح الرئيس"، وأخرى ترد "رفيق الحريري لم يمت انه حي في قلوبنا"، ورجال يشتمون "دولة الزعران، هكذا بدها، يا...".

يتجمع العاملون والمرضى أمام نوافذ المستشفى في الطبقات التي تطل على الباحة، البعض دمعت عيونه، وقيل ان ممرضين انهاروا داخل قسم الطوارئ، وعلى الأرض الخارجية الغضب يتصاعد: "ما بدهن الفقير يعيش في هذا البلد، وينوا أبو الفقراء"... وكيل من الشتائم الى وزير الداخلية سليمان فرنجية.

وتتخذ الهتافات منحى آخر مع استيعاب الصدمة الأولى، فثمة من يصرخ "قتلوا الزعيم ولن ننتخب أحداً"، "نحن أبناء بيروت، نحن العرب وهم الاسرائيليون"، "أتوا باسرائيل الى بيوتنا وقالوا لنا اسكتوا". وتتحوّل الهتافات الى نقاشات عما يمكن فعله، وتصرخ امرأة "أين صوره، اجلبوها، الحريري ليس طائفياً هم الطائفيون". ويصرخ رجل "لن نرد على المفتي، ان السلطة هي التي قتلت الحريري، انهم يفتشون عمن وزع الزيت، بدنا نحمل البارودة ضد كل واحد طائفي".

ويبلغ الانفعال ذروته حينما وقف مراسل تلفزيون "المنار" (التابع لـ"حزب الله") ليبث رسالة قال فيها "ان الرئيس الحريري قتل"، اذ يصرخ من خلفه رجل مقاطعاً "انه استشهد". ويحصل جدل يتحوّل الى ضرب للمراسل وتتردد أصداء الجدل في أرجاء الباحة فيصرخ الجميع "لا إله إلا الله والحريري شهيد الله". ويطال الضرب ايضاً مصور "المؤسسة اللبنانية للارسال" (ال بي سي) بحجة انها محطة "كتائبية" وأحد مالكيها الوزير فرنجية. وكاد مراسل "التفلزيون الجديد" ان يتعرض الى الضرب ايضاً حتى بعدما سحب "لوغو" المحطة عن الميكروفون.

ويذهب الانفعال في اتجاه آخر وترتفع أسئلة من نوع "من قتل الشيخ صبحي الصالح والمفتي حسن خالد والرئيس رشيد كرامي"، ويدعو احدهم الى تكتل سني على غرار تكتلات مذهبية اخرى "مين لنا؟ لم يعد لنا احد. من يطببنا بعد اليوم ويدخل أولادنا الى المدارس؟ راح الغالي, راح أبو بهاء".

كان الغضب من دون حدود، حتى حينما حضر عناصر "الفهود السود" من قوى الأمن الداخلي، فانهم اكتفوا بضرب طوق حول مدخل قسم الطوارئ ولم يقتربوا من الجموع حتى تلك التي كانت تشتم الدولة.

وفي صالون المستشفى كانت شقيقة الرئيس الحريري النائبة بهية تنتحب والى جانبها تجمع نواب كتلة الحريري بوجوه شاحبة، وتفادوا التصريحات وترددت شخصيات سياسية الى المكان وبينها النائب نسيب لحود ورئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون الذي قال لـ"الحياة" انها "محاولة اغتيال للحياة السياسية، الوضع صعب، هناك خلط كبير للأوراق".

الجامعة الأميركية قررت اقفال أبوابها اليوم كون الرئيس الحريري عضواً في مجلس أمنائها. ونعاه رئيسها جون واتربوري واصفاً إياه بـ"صديق كبير للجامعة، انتزعه منا اعتداء عنيف ووحشي، وحتى الأحياء، هم ايضاً ضحايا لهذا العمل الوحشي". ودعا أسرة الجامعة "الى الاحتفاظ بهدوئها وكرامتها وتصميمها، كما فعل الرئيس الحريري طوال حياته". الجموع التي بقيت حتى العصر امام مستشفى الجامعة غادرته في تظاهرة جابت شوارع رأس بيروت التي اقفلت متاجرها. وارتفعت أشرطة سود على سيارات كانت تجوبها على عجل.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group