ساحة التجمع المفترض لم يأتها الحشد «الموعود» فانفجر الشحن المتراكم شتائم ورصاصاً ... كراً وفراً
بيروت – مالك القعقور الحياة - 08/05/08//
هنا، في ساحة البربير، المكان الذي حدده الاتحاد العمالي مكاناً للتجمع والانطلاق لتظاهرته المركزية، عند العاشرة صباحاً، لم يكن الحشد «الموعود» على الموعد. الموجودون عند الجسر كانوا بمعظمهم جنوداً ورجال أمن وصحافيين، ومجموعة من الناس لا يتعدى عددهم المئة، بعضهم أكد صفته «العمالية» بوضعه قبعة تحمل شعار الاتحاد العمالي العام.
الصياح الوحيد الذي لم يكن مدوياً هنا تحت الجسر، كان صادراً عن امرأة متقدمة في السنّ، حُمّلت راية للاتحاد العمالي، وراحت تكيل شتائم لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة وتدعو عليه دعاء قاسياً ليس أقله الموت له ولأولاده «لأنه موتنا من الجوع». وكانت العجوز نفسها، تجود وتزيد، كلما تقدم في اتجاهها مصوّر خاف أن يعود إلى مؤسسته من دون صوت وصورة يعبّران عن الحدث، علماً أن الحدث لم يكن في تلك النقطة بل في ما أخفته النفوس في الأزقة والأبنية خلف ضفتي كورنيش المزرعة: منطقة بربور «قلعة» المعارضة ممثلة بحركة «أمل» و «حزب الله»، ومنطقة الطريق الجديدة «مربط خيل» الأكثرية ممثلة بـ «تيار المستقبل».
 |
| ... يقطعون طريق المزرعة بواسطة مستوعبات نفايات (علي سلطان) |
الحدث هنا استبق التجمع المركزي للمعارضة، بإلقاء قنبلة صوتية باكراً، ونثر منشور موقع باسم «أهالي الطريق الجديدة» في الشوارع وبكثافة تحت الجسر جاء فيه: «تحذير إلى الاتحاد العمالي العام من المرور في أحياء الطريق الجديدة وكورنيش المزرعة لأننا لا نريد أن تحرق مناطقنا ونعرض أهلنا للخطر».
هذان الخبران أذيعا باكراً، وهما جعلا بعض الذين وصلوا إلى نقطة التجمع، يعتبرونهما السبب وراء عدم اكتمال الحشد وليس إقفال كل الطرق المؤدية إلى بيروت بإطارات مشتعلة وسواتر تراب.
لكن أبا حسين لم يكف عن لوم الناس الذين لم يلبوا الدعوة إلى الاعتصام والتظاهر ولم يفعلوا مثله ويأتون سيراً على رغم كل شيء فـ «أنا جئت من الأوزاعي إصراراً مني على المشاركة وكان يجدر بكل الناس أن يلبّوا هذه الدعوة المطلبية».
لم ينتبه أبو حسين إلى أن كلامه لم يستثنِ جمهور المعارضة، بما فيه أولئك المقيمون في المنطقة وبخاصة بربور، والذين لم يلبّوا الدعوة ولم يخرجوا بلافتاتهم وشعاراتهم ليعطوا الحشد شكلاً وحجماً مقبولين. وربما كانوا، على ما أظهرت الساعات التالية من اشتباكات مسحلة، يتحضرون لـ «المعركة».
انتظر الناس هنا تحت الجسر من دون أمل ولا معرفة بما يجرى في المناطق ولا حتى بمصير التظاهرة. أمضوا الوقت يتحدثون عن أحقية التحرك العمالي وعن الغلاء وعدم تسييس التحرك المطلبي، مهاجمين السياسة الاقتصادية المتبعة لـ «افقار الشعب اللبناني». إلا أن بعضهم أصابه ملل، وراح يسأل: «إلا يوجد أحد من الاتحاد العمالي هنا؟ أين ممثلوه ولماذا لم يأتوا بعد؟». يجيب آخر: «نعم هناك الحاج علي محيي الدين».
والحاج علي كان منهمكاً بالتحدث إلى وسائل الإعلام مبرراً عدم تمكن المتظاهرين من الوصول بـ «اجراءات السلطة التي تريد افشال التحرك عبر اصرارها على تغيير خط سير التظاهرة، علماً أننا في عيد العمال قبل أيام قمنا بتحرك على الخط نفسه»، مؤكداً «عدم تسييس التحرك وأنه مطلبي ويعني كل اللبنانيين». في هذه الأثناء يبلغ الحاج بما انتهى إليه اجتماع الاتحاد من إلغاء التظاهرة فيتفرق القليلون ويبقى الجنود والصحافيون و «المتمترسون» غير المرئيين.
أثناء انتظار «المتظاهرين» تحت جسر البربير، كان يجلس على الرصيف، قرب مسجد عبدالناصر، شبان من مناصري «المستقبل» يدخن بعضهم نارجيلة. الجيش ركن ملالة حجبت رؤيتهم من الطرف المحاذي. حينما يصل إليهم الصحافيون يستدعون شاباً اسمه خالد ليتحدث باسمهم: «الوضع طبيعي ونحن عندنا محال نفتحها لنسترزق منها، نحن لا نؤيد الإضراب ولا نحمل سلاحاً ولدينا أوامر بألا نعتدي على أحد، لكن إذا اعتدي علينا وعلى أرزاقنا فلن نسكت». ثم يستدرك: «نحن في حماية الجيش». ويسأل: «إذا كانت التظاهرة تعنى بغلاء المعيشة والعمال والفقراء، فمن يدفع ثمن الإطارات لحرقها؟ ومن يدفع إيجار الشاحنات والجرافات التي أقفلت الطرق بالتراب والمكعبات الاسمنت؟ أليس الأمر منظماً ومسيساً؟ نحن نؤيد الحكومة وقراراتها ولن نسكت لمن يعتدي علينا».
ينادي أحدهم شاباً اسمه محمد ليري الصحافيين آثار الضرب الذي تعرض له ليل أول من أمس على وجهه وظهره. يقول محمد: «كنت أزور خالتي في بربور، ولدى عودتي اعتدى علي شبان من «أمل» لأنني، بحسب اعتقادهم، أتجسس عليهم». لكن شاباً آخر يقول إن «شبان طريق الجديدة ثأروا له وضربوا شاباً من حركة «أمل» وحرقوا دراجته بعدما جاء من بربور إلى هنا».
وعلى رغم اعلان الاتحاد العمالي إلغاء التظاهرة، وضرب «الجواسيس» المفترضين من الفريقين، لم يمض وقت طويل ليخرج ما خفي إلى العلن. سلاح وهواتف نقالة ودراجات نارية صغيرة، استخدمها شبان محقونون بعناية، دفعوا إلى كورنيش المزرعة ليحولوه إلى «هايد بارك» لا تكفيه الشتائم والرجم المتبادل، بل ساحة للكر والفر بالرصاص والقذائف الصاروخية... وتكبر الكرة لتنتشر إلى غير منطقة بالمشهد ذاته.
|