التبانة - بعل محسن: توتر يخمد... ويتجدد
طرابلس (شمال لبنان) – باسم البكور الحياة - 15/05/08//
 |
| دورية للجيش في باب التبانة (الحياة) |
على رغم مرور ثلاثة أيام على وقف إطلاق النار على «جبهة» باب التبانة – بعل محسن في مدينة طرابلس (شمال لبنان)، فإن عصام لم يفتح محله التجاري المقابل للجامعة اللبنانية في منطقة القبة الشعبية ذات الغالبية السنية.
عصام شاب علوي ورث الدكان عن والده الذي افتتحه مطلع السبعينات من القرن الماضي. وعلى رغم عدم انتمائه الى أي حزب أو تيار سياسي موالٍ أو معارض، فإن انتماءه المذهبي – بحكم الولادة لا الاختيار – كافٍ لإغلاق باب رزقه الوحيد أسبوعاً كاملاً، منذ اندلاع المواجهات بين حيّي التبانة (ذي الغالبية السنية) وبعل محسن (معقل العلويين في طرابلس) المتجاورين، علماً ان محله التجاري المتواضع لا يقع في أي من الحيّين الأخيرين. «لكن الحسابات الطائفية والمذهبية تغلب في كثير من الأحيان الاعتبارات المناطقية»، يقول عصام متحسّراً، في إشارة غير مباشرة الى ان وجوده (كعلوي) في محيط سني قد يعرضه للغرق مرغماً في مثل هذه الظروف المتوترة. لكنه يستدرك: «الزعران قلة لدى كلا الطرفين، لكن تأثيرهم يتضاعف مرات... عندما تدب الفوضى وتستيقظ الفتنة النائمة».
والفتنة السنية – العلوية النائمة التي يتحدث عنها عصام استيقظت فعلاً في طرابلس، بعدما أيقظتها الفتنة في بيروت الأسبوع الماضي. فكانت النتيجة قتلى وجرحى خلال ساعات، فضلاً عن احتراق الكثير من البيوت والمحال التجارية والسيارات في كل من التبانة و «البعل».
عاش مواطنو الحيين المتجاورين أيام رعب حقيقية فتحت في ذاكرتهم ونفوسهم جرحاً قديماً (1975 –1985)، ظنوا طويلاً انه اندمل والتأم. الجرح القديم فُتح مجدداً، ونزف ضحايا ودماراً من كلا الطرفين. وكان الطرابلسيون في زمن الوجود السوري في لبنان، يعتبرون ان أبناء الطائفة العلوية في بعل محسن لهم الحظوة على سواهم عند السوريين. فيما كان علويو المدينة يعتبرون انهم كانوا من أكثر المتضررين من الوجود السوري، من دون أن ينكروا ان بعضهم كان خلال الحقبة السورية يستقوي بأجهزة الأمن السورية على أخوانه الطرابلسيين. هذه العلاقة الملتبسة ظلت عبئاً يلاحق أبناء الطائفة طوال الحقبة السورية في لبنان. الأمر الذي انعكس علاقات مغلَّفة بالريبة والحذر بينهم وبين بعض أبناء الطائفة السنية في عاصمة الشمال، خصوصاً في منطقة التبانة التي لها مع بعل محسن خصوصية في العلاقة المأزومة بلغت ذروتها بين عامي 1982 و1985، وما بينهما من دم ودمار.
كان الصراع بين الحيَّين المتجاورين الأعلى كثافة سكانية في طرابلس، نشأ عام 1980 على خلفية الصراع آنذاك بين «قوات الردع» السورية وحركة «فتح» الفلسطينية. إذ كانت الأخيرة (ولاحقاً «حركة التوحيد» الإسلامية بزعامة الشيخ سعيد شعبان) تدعم باب التبانة، فيما الدعم السوري كان لبعل محسن. وظلت النفوس محقونة بالعصبيات طوال فترة السلم الأهلي، في ظل غبن اجتماعي – اقتصادي – إنمائي عانى منه أبناء الحيّين الفقيرين، الذين فتحوا النار على بعضهم بعضاً أخيراً.
«لا نريد فتح جرح قديم»، يقول رفعت عيد، مسؤول العلاقات السياسية في «الحزب العربي الديموقراطي» الذي يرأسه والده النائب السابق (عن الطائفة العلوية في لبنان) علي عيد، معتبراً ان «هناك فصائل مأجورة لعبت دورها في تأجيج نار الفتنة بين أبناء المنطقة الواحدة».
يعد العلويون في بعل محسن نحو 50 ألف شخص، ويقول عيد (31 سنة) حازماً: «نحن مستعدون للتضحية بـ 25 ألف علوي... ليعيش الباقون بكرامة، إذا ما اعتدي علينا»، مؤكداً ان «ليس من مصلحة الأقلية العلوية ان تفتعل مشكلة أو معركة دموية مع الأكثرية السنية في طرابلس، هذه المدينة التي احتضنت الطرفين معاً طوال عقود في وئام وسلام».
ولا يختلف رأي المنسق العام لـ «تيار المستقبل» في الشمال عبدالغني كبارة عن رأي عيد لجهة ضرورة وأد الفتنة المذهبية في مهدها، مشيراً الى وجود «طرف ثالث» لإشعال «خطوط التماس» القديمة في طرابلس، ربما للفت الأنظار عن الفتنة المشتعلة في بيروت.
ويؤكد كبارة أن «أحداث بيروت الأخيرة جعلت الشارع الطرابلسي يغلي بسبب محاولة طــــرف لبناني إذلال العاصمة ومركز القرار فيها. فكـــان رد فعل الطرابلسيين قوياً، وحاولنا جاهـــديــــن تهدئة النفوس حقناً للدماء»، معتبراً ان «لو تحرّك الجيش الوطني بفاعلية وحزم في الوقت المناسب... لما حدث ما حدث».
ويلفت كبارة الى ان تعليمات رئيس «تيار المستقبل» النائب سعد الحريري كانت واضحة، «وهي أنه لا يريد ضربة كف في طرابلس»، ولكن الغضب الشعبي في المدينة جراء ما حدث في بيروت كان أقوى من أن نضبطه»، مؤكداً ان «الملامة الكبيرة الموجهة إلينا من جانب كثيرين، هي أننا لم نسلّح الناس بالبنادق والمدافع... كما يفعل سوانا».
وبحسب كبارة، فإن الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد، «كان لها أثر إيجابي علينا، لأن كثيرين من جمهور 8 آذار (المعارضة) في طرابلس انضم إلى جماهير 14 آذار (الموالاة)، ورب ضارة نافعة».
|