جنبلاط ينصح نصر الله بالاحتفاظ بـ «الاعتدال السنّي» وبري يعتبر ان التواصل يعمّر والشارع يدمّر ... «ورقة تفاهم» عربية لتطبيق قرارات الجامعة والتمهيد لحوار الدوحة
وحمد بن جاسم يعد بطرح تحييد الصراع عن استخدام السلاح
بيروت , واشنطن - محمد شقير الحياة - 15/05/08//
أعضاء الوفد الوزاري العربي خلال أحد اجتماعاتهم في بيروت أمس. (ا ب)
تستعجل اللجنة الوزارية العربية في لقاءاتها الاستكشافية بالقيادات اللبنانية في الموالاة والمعارضة، تحديد موعد لاستضافة العاصمة القطرية جولة جديدة من مؤتمر الحوار الوطني الأول لحل الأزمة في لبنان، من خلال التوصل الى ورقة عمل مشتركة لتطبيق قرارات الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب، تنطلق من العودة بلبنان الى وضعه الطبيعي الذي كان عليه قبل صدور القرارين عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في شأن شبكة الاتصالات الهاتفية التي أنشأها «حزب الله» وإعفاء قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير من مهامه وإعادته الى ملاك الجيش، وردود الفعل عليهما التي اتسمت باستخدام السلاح واللجوء الى العنف، بما يهدد السلم الأهلي في لبنان.
وكانت اللجنة العربية برئاسة رئيس وزراء قطر وزير الخارجية حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وعضوية الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ووزراء خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والجزائر والأردن والمغرب واليمن وجيبوتي وعمان، وصلت ظهر أمس الى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وتوجّهت بعدما تولّت عناصر من «حزب الله» رفع السواتر الترابية من أمام اللجنة، الى مقر الرئاسة الثانية في عين التينة للقاء رئيس المجلس النيابي نبيه بري ومن ثم تباعاً الرئيس السنيورة، رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط، قائد الجيش العماد ميشال سليمان، رئيس حزب «الكتائب» أمين الجميل، ورئيس «تكتل التغيير والاصلاح» العماد ميشال عون ثم رئيس الهيئة التنفيذية لـ «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع ورئيس كتلة «المستقبل» النيابية سعد الحريري الذي كان آخر من التقتهم اللجنة قبل ان تلتقي في ساعة متقدمة ليلاً الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله.
وترافق تحرك اللجنة الوزارية العربية مع انعقاد مجلس الوزراء اللبناني في جلسة طارئة ليل أمس، برئاسة السنيورة للموافقة على الكتاب الذي رفعته قيادة الجيش اللبناني الى الحكومة وفيه طلب بالعودة عن القرارين المتعلقين بشبكة الاتصالات وإعفاء العميد شقير، واللذين كانت الحكومة وضعتهما في عهدة العماد سليمان.
وستأتي الموافقة ضمن سلة شاملة لورقة تفاهم تبنيا لقرارات المجلس الوزاري للجامعة العربية.
وجاءت جلسة مجلس الوزراء من ضمن التفاهم الذي جرى التوافق عليه بين الحكومة والأكثرية من جهة، والرئيس بري من جهة ثانية، برعاية عربية مهدت لها اللجنة العربية باتصالات أجرتها معهم قبل وصولها الى بيروت، وتولاها حمد بن جاسم وموسى، باعتبار ان العودة عن القرارين وإعلان الاستعداد للجلوس الى طاولة الحوار سيقابلان فوراً بموقف عملي من المعارضة يقضي بإنهاء كل المظاهر المسلّحة وما ترتّب عليها من عصيان مدني تمثّل في قطع الطرقات وإقفال مطار بيروت في وجه الملاحة الجوية، والتي كانت بمثابة رد فعل اعتراضي مسلّح على قراري مجلس الوزراء.
وعلمت «الحياة» ان عودة الحكومة، بدعم من الأكثرية، عن قراري شبكة الاتصالات وإعفاء العميد شقير جاءت مقرونة بضمانات حصلت عليها اللجنة العربية من بري شخصياً، باسم المعارضة، وفيها العودة بالبلد الى ما كان عليه قبل صدور القرارين وتحرّك المعارضة في الشارع، بدءاً من بيروت وامتداده الى الجبل وطرابلس وكادت الصدامات الناجمة عنه تؤدي الى وضع لبنان ككل على شفير الهاوية.
لذلك فإن عودة الوضع الى حاله الطبيعية متوقعة بين ساعة وأخرى، وفور الإعلان عن الاستعداد للحوار وعودة الحكومة عن قراريها، على رغم ان «تيار المستقبل» بادر بعد ظهر أمس الى إعادة فتح حركة المرور بين بيروت ودمشق من نقطة المصنع الحدودية بين لبنان وسورية تأكيداً لحسن النيات ودعماً للانفراج الذي بدأ يعود تدريجاً الى البلد.
لكن العودة الى الوضع الطبيعي ما قبل 5-5-2008 لا تشمل الاعتصام الذي تنفذه المعارضة في الوسط التجاري لبيروت، بذريعة انه مرتبط باتفاق الحل الشامل، أي انتخاب الرئيس وتشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع قانون انتخاب جديد، على رغم ان بري كان لمّح لدى استقباله اللجنة العربية الى ان لديه خطوات إيجابية جديدة، من دون ان يكشف تفاصيلها، فيما يعتبر البعض في المعارضة ان ما يقصده يتعلق بإمكان التوصّل الى تفاهم في شأن النسب في توزيع الوزراء على الأكثرية والمعارضة ورئيس الجمهورية الجديد، في الحكومة العتيدة.
وبالعودة الى لقاءات اللجنة العربية، لا بد من الإشارة الى ان رئيسها حمد بن جاسم لم يتحدث حتى المساء الى وسائل الإعلام اللبنانية والعربية والأجنبية، وفضّل عدم الرد على أسئلة الصحافيين واعداً إياهم بأن اللجنة ستعد في نهاية لقاءاتها ورقة عمل تجمع بين الحصيلة النهائية لاجتماعاتها «الماراثونية» وربما المكوكية اذا اقتضت الحاجة، وبين ترجمة قرارات وزراء الخارجية الى خطوات ملموسة استعداداً لتوجّه الأطراف الى الدوحة لاستئناف جولات الحوار، في ضوء الاستعداد لاستجابة دعوة قطر والتي ستكون برعاية عربية، وصولاً الى التوافق على البندين العالقين من الحوار، وهما الحكومة الجديدة وقانون الانتخاب، للإسراع في انتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية.
وانطلقت اللجنة العربية في لقاءاتها من قناعة بأن استئناف الحوار لن يتحقّق بالسرعة المطلوبة ما لم يصر الى تنفيس الاحتقان من ناحية، والى تهدئة النفوس والخواطر من ناحية ثانية، فمن دونهما لا يمكن إعادة الاعتبار للتواصل الداخلي، وبالتالي لا بد من العودة بالبلد الى الاستقرار إفساحاً في المجال أمام التحاور بعيداً من الضغوط وفي منأى عن استثمار الوضع على الأرض والاستقواء به لتوظيفه في المعادلة السياسية التي يفترض ان تبقى كما كانت عليه، أي منذ إطلاق المبادرة العربية لإنقاذ لبنان.
ولقيت اللجنة العربية كل تجاوب من القيادات التي التقتها، بتأكيد دعمها قرارات وزراء الخارجية العرب، وتمسّكها بالمبادرة العربية.
ونقلت مصادر مواكبة للقاءات اللجنة عن بري قوله: «لا جديد في موقفنا وهو معروف، وما حصل على الأرض تسبّب فيه القراران الصادران عن الحكومة، وما هو إلا ردّ فعل» و «إعلان العودة عن القرارين والاستعداد للحوار سيقابله من جانبنا إنهاء العصيان المدني».
وشدّد بري ان لا تعديل في جدول أعمال الحوار، ويتعلق بحكومة وحدة وطنية والاتفاق على ماهية الدائرة الانتخابية، أي القضاء، من دون الدخول في التفاصيل، وأن هذا يكفي للذهاب الى البرلمان لانتخاب العماد سليمان، مشيراً الى ان لا رابح ولا خاسر ازاء كل ما جرى لأن الأخ لا ينتصر على أخيه، واللجوء الى الشارع يدمّر، بينما الجلوس الى طاولة الحوار يعمّر». وسأل بري، كما تقول المصادر، عن اتهام المعارضة بتنظيم انقلاب سياسي وعسكري، وقال: «أي انقلاب يتحدثون عنه طالما ان لا اهداف سياسية له وأن الحوار سيتم على الحكومة الجديدة وقانون الانتخاب من دون زيادة او نقصان».
وبالنسبة الى لقاء اللجنة العربية جنبلاط، علمت «الحياة» ان حمد بن جاسم أكد له ان الحوار سيلتئم في الدوحة برعاية عربية لمناقشة تشكيل الحكومة الجديدة وقانون الانتخاب تمهيداً للتفاهم على آلية لانتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية.
وقالت المصادر ان جنبلاط حمّل اللجنة العربية رسالة الى السيد نصر الله وفيها «ضرورة الاحتفاظ بالاعتدال داخل الطائفة السنية لما فيه مصلحة للبنان، وله ولحزب الله، وأن سعد الحريري وهو الرمز الأول للاعتدال وأن البديل منه التطرف والتشدد».
وتضمنت رسالة جنبلاط الى نصر الله إشارة واضحة لجهة ضرورة التنبه الى بيروت، والى أن قهرها بهذا الشكل ليس لمصلحة احد، وأن ما حصل فيها مهين، وكنا في غنى عما حصل في العاصمة والجبل، وأين المصلحة من التقاتل الذي هدد صيغة العيش المشترك بين الطوائف اللبنانية».
وسأل جنبلاط، بحسب المصادر، «هل يستحق كل ما حصل احتجاجاً على قرارين صادرين عن الحكومة، وأين المصلحة في استخدام القوة. نحن لا نريد تهديد أمن المقاومة وسلامتها، وكنا في غنى عنه. الجبل وبيروت كانا في أصل المقاومة وانطلاقتها الى الجنوب لأنهما شكلا لها المعبر لتحرير الارض، لكن من حقنا ان نسأل أين تقف حدود الدولة مقابل الدويلات الناشئة وأين علاقة المقاومة بالدولة».
وعلمت «الحياة» ان حمد بن جاسم أكد لجنبلاط أنه سيطرح على طاولة الحوار في الدوحة عدم استعمال القوة المسلحة في الصراع الداخلي، وان المقاومة ستحتفظ بسلاحها الذي سيكون موضع حوار داخلي.
وكان الجميل رحب بعد استقباله اعضاء اللجنة العربية بكل الاقتراحات، بما فيها البنود المعروفة. وقال: «أظهرنا كل تجاوب مع المبادرة العربية وتفسير الأمين العام». وزاد: «طرح الشيخ حمد وأعضاء الوفد، ان يُستكمل الحوار بعد انتهاء أول جولة من المشاورات واستخلاص الأفكار الرئيسة لكل ما طرح على الطاولة، وكذلك طرح فكرة عقد اجتماع أو لقاء أو مؤتمر في الدوحة لاستكمال البحث ومحاولة الخروج بحلول نهائية للأزمة». وأضاف: «نرحب بهذا الاقتراح، وبعد التشاور مع كل الفرقاء وفي ضوء ورقة العمل التي ستوضع قريباً، تحدد الخطوات اللاحقة لحل الأزمة». واستدرك: «لدينا حالياً أولوية هي كيفية تطمين الشعب اللبناني بعد الكوارث التي حصلت اخيراً وامتداد سلاح حزب الله الى الداخل وتوجيهه الى الداخل، وهو خطير جداً وأثار قلقاً عميقاً في نفوس اللبنانيين».
أما عون فأشار بعد لقاء اللجنة الى ان «الحديث كان صريحاً عن مكونات الأزمة اللبنانية»، وأضاف: «نود تسهيل مهمة اللجنة ونأمل من الأطراف الأخرى بأن تفعل ذلك». وشدد على ان «الظروف صعبة وقد تتحول الى ظروف أصعب إذا لم يدركوا ان التنازلات يجب ان تقدّم لنصل الى حل يتناسب والمصلحة الوطنية ويحترم حقوق الجميع». واعتبر ان «التصرف السابق للحكومة يجب ان يتوقف والانطلاق بنظرة جديدة، وأن يؤدي كل دوره وفقاً للميثاق والدستور اللبناني، وهذه الطريقة هي الأمثل لنصل الى نتيجة حاسمة». وحذّر من «تدخلات خارجية تحول دون التوصل الى اتفاق».
الوضع الأمني
على صعيد الوضع الأمني، واصلت وحدات الجيش اللبناني في بيروت والجبل، تسيير دوريات مؤللة لضبط الأمن وإعادة الاستقرار تدريجاً. وشهدت العاصمة حركة عادية وفتحت المحال التجارية، واستأنفت المصارف أعمالها في صورة طبيعية، ولم يسجل أي إشكال سوى تعرض موظفي الوزارات والإدارات الرسمية الى مضايقات من مجموعات بعضها يحمل السلاح في شكل غير ظاهر، لمنعهم من الالتحاق بوظائفهم. وهذا ما أشارت اليه وزارة المال في بيان أصدرته، الى ان المضايقات استهدفت موظفيها العاملين في مكاتب الوزارة، في شارعي رياض الصلح وبشارة الخوري.
وكانت قيادة الجيش – مديرية التوجيه، أصدرت بياناً لفت الى استمرار بعض المواقع الإلكترونية في نقل معلومات وتصريحات محللين سياسيين، تنم عن عدم ثقة بدور المؤسسة العسكرية، وذلك من خلال الايعاز الى عدد من الضباط بتقديم استقالتهم. وشدّدت قيادة الجيش على تماسك المؤسسة العسكرية ووحدتها. وجاء في البيان انها تنفي «جملة وتفصيلاً المزاعم المتعلقة باستقالة بعض الضباط، وتهيب بوسائل الإعلام كافة، عدم التطرّق الى أمور تتعلق بالشأن الداخلي للجيش، وعدم نشر مثل هذه الأخبار من دون العودة الى مصادرها المأذونة». ودعت القيادة «جميع المتعاطين بالشأن السياسي والإعلامي» الى «التحلّي بالمسؤولية الوطنية العالية في هذه المرحلة الخطيرة، وعدم التشكيك بوحدة الجيش المصمم على متابعة دوره الوطني الجامع». كما لفتت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي – شعبة العلاقات العامة – الى ان المدير العام اللواء أشرف ريفي أصدر أمراً فورياً الى غرف العمليات في قوى الأمن في كل المناطق اللبنانية، بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة الشكاوى التي تتلقّاها بكل جدية.
دمشق وواشنطن
على صعيد المواقف العربية والدولية من الأزمة اللبنانية، أكدت دمشق أمس دعم جهود اللجنة العربية «تنفيذ المبادرة العربية كسلة متكاملة».
وفي واشنطن، صوتت لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأميركي بغالبية ساحقة على مشروع قرار يدين أعمال العنف الأخيرة في لبنان، ويدعو الى تطبيق «اجراءات صارمة» على حركة النقل من ايران لمنعها من امداد «حزب الله» بالأسلحة، ويحض الاتحاد الأوروبي على اعتبار الحزب منظمة ارهابية.
ويؤكد القرار دعم واشنطن للحكومة اللبنانية ويعتبر أن الأحداث الأخيرة و»احتلال حزب الله غير الشرعي للممتلكات العامة « وقع «على الأغلب بعد مباركة من سورية وايران». ويدين القرار الذي قدمه النائب الجمهوري اللبناني الأصل داريل عيسا والنائب غاري أكرمان، طهران ودمشق لتسليح «حزب الله» ويدعو الادارة الأميركية الى اتخاذ الخطوت «المناسبة» لدعم الحكومة اللبنانية.
واعلنت الخارجية الاميركية ان مجلس الامن سيجتمع بعد ظهر امس (بتوقيت نيويورك) للبحث في الوضع اللبناني. واعلن الناطق باسم الوزارة توم كايسي ان المشاورات المجلس «ستستكمل على الارجح في الايام المقبلة»، من دون ان يوضح ما اذا كانت الولايات المتحدة تنوي طرح مشروع قرار على المجلس. وقال: «في هذه المرحلة لا ندري بعد جيدا طبيعة التحرك الذي يمكن ان تفضي اليه هذه المحادثات، لكننا نعتقد بان من المهم ان يعبر المجلس بقوة عن موقفه من هذه المسألة. هذه قضية تقلق عددا كبيرا من الدول الاعضاء في المجلس».