تعاطف مع حزب «العمال الكردستاني» على أساس الأخوة الكردية ... أجواء طبيعية في كردستان لا تعكرها التهديدات التركية
أربيل - جعفر الأحمر الحياة - 08/11/07//
 |
| مقهى في اربيل. (الحياة) |
تعيش أربيل أجواء من الهدوء غير آبهة بقرع طبول الحرب التركية التي يرتفع ضجيجها يوماً ثم يخف أياماً. لا شيء يوحي بأن المنطقة مقبلة على حرب وشيكة. لا مظاهر مسلحة ولا اجراءات استثنائية. الشوارع مزدحمة بالسيارات، المدارس تفتح أبوابها كالمعتاد، والأسواق تنبض بالحركة، والمحلات والمقاهي والمطاعم والفنادق تعج بالزبائن حتى وقت متأخر من الليل.
ربما يعتقد بعضهم أن بُعد اربيل النسبي عن الحدود التركية يوحي لسكانها بنوع من الطمأنينة لا يتوفر لدى مواطنيهم في المناطق الحدودية، مثل زاخو ودهوك، على رغم ان المدينة عاصمة اقليم كردستان، ومصدر القرار. لكن جولة في المدن الحدودية، خصوصاً زاخو المحاذية تماماً للحدود التركية، تؤكد أن الأوضاع هادئة وطبيعية ولا أثر لأي اجراءات استثنائية.
ويتابع السكان في الشوارع والبيوت ما يجري، ويعبّرون عن رأيهم بالتطورات السياسية، لا بل يطلقون عبارات التحدي ضد انقرة اذا اجتاحت قواتها الاقليم الكردي. والرأي المشترك بين سكان المنطقة يتلخص بالسخط والغضب من سياسة تركيا ومواقفها التصعيدية وتهديداتها باجتياح اقليم كردستان بحجة ملاحقة مقاتلي حزب «العمال الكردستاني»، والاستعداد لمواجهة هذا الاجتياح اذا حصل، ومن جهة ثانية تفهم لقضية «حزب العمال»، والتعاطف معه على أساس الإخوة القومية الكردية.
لا يخفي آزاد كريم (45 عاماً) تعاطفه مع مقاتلي الحزب، ويقول: «إنهم يقاتلون من أجل قضية كردية عادلة في تركيا». ويتابع آزاد، وهو موظف في احدى الوزارات، ان تركيا تريد ان تنتقم من الأكراد وتحارب تجربتهم الناجحة في الحكم الذاتي وتمنع تقدمها، مكرراً الكلام الرسمي الكردي. ويضيف ان «التهديدات التركية لا تخيفنا. لقد تعودنا عليها، لا بل مررنا بظروف أصعب من الحروب والاجتياحات انتهت كلها الى الفشل».
ويجمع المسؤولون الأكراد على ان أنقرة تستخدم قضية «حزب العمال» حجة للضغط على حكومة اقليم كردستان لتحقيق أهداف عدة. ويوضحون ان تركيا توجه بتهديداتها رسائل الى الخارج والداخل في آن:
الرسالة الخارجية الأولى موجهة الى حكومة اقليم كردستان، وفحواها التحذير من مغبة الذهاب بعيداً في طموحاتها، وردعها عن مجرد التفكير بخطوة متقدمة كإعلان الاستقلال. فهذا خط أحمر تجمع عليه كل القوى التركية، السياسية والعسكرية، وترى انقرة ان هناك ضرورة لتذكير الأكراد به من حين لآخر، كما لتذكيرهم بعدم تناسي ان فترة السماح التي عاشها الاقليم (16 عاماً) إنما كانت بجواز مرور تركي.
الرسالة الداخلية موجهة الى الأقلية الكردية التي يراوح عدد أبنائها بين 15 مليوناً الى 25، كما يقول بعض الأكراد، ومفادها عدم التطلع الى النموذج الذي أقامه الأكراد في شمال العراق، والتحذير من مصير مشابه للحصار اذا حاولوا تقليد هذا النموذج.
وبغض النظر عما اذا كانت تركيا جادة في تنفيذ تهديداتها باجتياح الاقليم الكردي أم لا، يخشى الأكراد من ان تشكل هذه التهديدات، والاجتياح اذا حصل، بحجة مطاردة جماعة ارهابية، سابقة يمكن للدول المجاورة استخدامها لممارسة ضغوط مماثلة أو لابتزاز الاقليم كلما وجدت ذلك مناسباً لمصالحها، ما يضع الاقليم تحت رحمة دول الجوار التي لا تعدم حجة لاستخدامها ضده أو اختراعها كما يقول مسؤول كردي.
ومنذ نهاية حرب الخليج عام 1990 تعيش المحافظات الكردية الثلاث، اربيل والسليمانية ودهوك، التي يقطنها نحو 5 ملايين شخص، ازدهاراً اقتصادياً واستقراراً أمنياً الى حد كبير، باستثناء كركوك التي تضم خليطاً من القوميات الكردية والتركمانية والعربية.
لا يكاد الاقليم يخرج من محنة حتى يدخل أخرى. نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي أغلقت ايران حدودها معه. ولم تكد تفتحها بعد اسبوعين حتى انفجرت الأزمة مع تركيا، مهددة باغلاق الحدود ايضاً. وبعد نحو 16 سنة من الاستمتاع بنوع من الاستقلال الذاتي، ها هي انقرة تهدد المكاسب التي حققها الأكراد في هذه الفترة.
وعلى رغم ذلك، يبدي الأكراد ثقة عالية واطمئناناً كبيراً إلى عدم تنفيذ انقرة تهديداتها، أو على الأقل تنفيذ اجتياح واسع كما كانت تهدد قبل 3 أسابيع. ويقول نائب رئيس محافظة دهوك جورجيس خائي إن «للتهديات التركية تأثيراً نفسياً على الأكراد أكثر من التأثيرات المادية».
ومن هذه التأثيرات إلغاء أو تأجيل مؤتمر الفيديرالية الذي أعلنت حكومة اقليم كردستان عزمها على اقامته في اربيل بعد السجال الذي أثاره ترحيب الحكومة بقرار الكونغرس الاميركي تقسيم العراق الى 3 أقاليم، شيعي في الجنوب والوسط، وسني في الغرب وكردي في الشمال.
وعلى رغم ذلك، يعلن المسؤولون الأكراد استعدادات كبيرة لمواجهة أي تطور ميداني في الجانب التركي بإمكانات متواضعة، ويأملون بحل سلمي للأزمة يجنب الطرفين الخسائر، مع تأكيدهم استحالة حل قضية «حزب العمال» عسكرياً.
|