العراق عام من الدم والتهجير و«الجثث المجهولة الهوية» و«الحرب الأهلية»
بغداد - مشرق عباس الحياة - 28/12/06//
 |
| حتى باصات الركاب لم تسلم من عمليات الانتحاريين |
لم يكن عام 2006 افضل حالاً مما سبقه منذ ان صار العراقيون يسجلون تواريخ تبدأ مع غزو بلادهم. لكن بدايات هذا العام بمآسيه لا توحي للوهلة الاولى بنهاياتها.
كل شيء بدا نموذجياً مع خروج ملايين العراقيين للادلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية نهاية عام 2005 شارك فيها مقاطعو العملية السياسية، فيما تولدت قناعات فرضها الهدوء الذي ساد الانتخابات في اكثر مناطق العراق اضطراباً تذهب الى ان المسلحين شاركوا بحماية صناديق الاقتراع أملاً بتغيير ما.
انقلبت الامور بعد يوم واحد، واتهم بعض السنة والليبراليين قائمة «الائتلاف العراقي الموحد» الشيعية بتزوير النتائج والتلاعب بصناديق الاقتراع. لكن نسق اصطفاف طائفي كان قد تبلور بقوة ليأكل بعد اشهر قليلة الاخضر واليابس مستنداً الى تفجير مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء نهاية شباط (فبراير) ولتفتح ابواب حرب طائفية مستترة او علنية تحصد حياة آلاف العراقيين وتهجر آلافاً آخرين.
تشكلت الحكومة بعد اشهر من الجدل، وتزامن تشكيلها مع مقتل زعيم تنظيم «القاعدة» في العراق ابو مصعب الزرقاوي. لكن النار زادت استعارا ولم تنجح عشرات المؤتمرات الداعية الى المصالحة وتوحيد الصفوف ونبذ الفتن في اخمادها، ولعل صدى بعض هذه المؤتمرات لم يصل ابعد من ابواب القاعات التي عقدت فيها.
الواقع تشكل منذ الايام الاولى للاحتلال وتطلب ثلاثة اعوام للانتقال به الى مراحله النهائية.
كان المشهد قبل عام 2006 يشير الى قرب وقوع المحظور, فيما لم تنجح تجربة استقطاب السياسيين السنة الى طاولة الحوار مع الحكومة والاميركيين في التأثير على المجموعات المسلحة التي طورت امكاناتها ورفعت من وتيرة نشاطاتها: لا نفوذ للسياسيين على المسلحين، ولا نفوذ لكليهما على «القاعدة» التي ازدادت بطشاً منذ اعلان زعيمها الأول في العراق ابو مصعب الزرقاوي حرباً طائفية معلنة.
الشيعة افرزوا تطرفاً جديداً لتحقيق «توازن الرعب» مع متطرفي السنة. فتحول «جيش المهدي» التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي حارب الاميركيين في النجف عام 2004 الى مطرقة طائفية جديدة وسلاحاً لمواجهة متطرفي السنة و»القاعدة». «ابو درع» صار المعادل الموضوعي للزرقاوي. تهجير الشيعة يقابله تهجير السنة. والنار تقابلها النار.
وسرعان ما تغير خطاب السياسيين، من الحديث عن امكان السيطرة على الميليشيات «متى شاء قادتها» الى الحديث عن صعوبة السيطرة عليها، الى حد الاعتراف الضمني لمقتدى الصدر بخروج بعض أتباعه عن طاعته والتبرؤ منهم، فيما يتبرأ رئيس الحكومة من فرق القتل الجوالة التي ترتدي زي رجال الشرطة وتستقل مركباتهم وتستخدم اسلحتهم.
تبارى امراء الحرب في اظهار قسوتهم: احرقوا الاجساد بعد ثقب العيون، واستأسدوا على الاهالي العزل، فيما انشغل السياسيون باظهار فصاحتهم عن «عراق على حافة الحرب الاهلية» او «تجاوزها الى ما هو اسوأ» متجاهلين حذراً لطالما غلف عبارة «الحرب الاهلية».
في بداية 2006 كان يتحلق حول الرئيس جورج بوش «صقور» و»حمائم» وهو يتحدث عن «بشائر النصر» ويهلل لـ»انجاز المهمة» التي لم يقدر لها ان تنتهي حتى بعد ان طارت «الصقور» وجاء الديموقراطيون بقوة الى الكونغرس مدججين بنظرية «العمل على الانسحاب» بعد الاعتراف بالفشل.
اخفق الاميركيون في تحقيق النصر الموعود: اخفقوا في خطط الامن، وفي استراتيجيات التغيير. كما اخفقوا في كسب المسلحين العراقيين الى طاولة التفاوض، فأخذ بعضهم يوزع الاتهامات على دول الجوار او على العراقيين انفسهم باعتبارهم «ناكرين للجميل» و»لم يقدروا الهدية الاميركية».
رفع الجميع تباعاً «خمار الحياء» عند الحديث عن السنة والشيعة والاكراد، وجرى تبادل للاتهامات عن الاهداف والمطامع والنيات والتبعية والتقسيم والنفط والحرب المذهبية. لكن الاميركيين، الذين تمسكوا حتى نهاية العام، بنصيحة الاستعمار الاولى «فرق تسد» لم يتمكنوا من تسويق انفسهم وسطاء بين المتصارعين المحليين، فتوالت العمليات ضدهم وتساقط الجنود تباعاً، وارتفعت الكلفة لتمس حاجز الترليون دولار. واضمحلت هيبة الولايات المتحدة وتساقطت السمعة على مساحة الكوكب.
تمسكت «المقاومة» العراقية بالاعتراف بها وجدولة الانسحاب الاميركي كشرطين اساسيين لالقاء السلاح والشروع في المفاوضات.
الحكومة العراقية تمسكت بخطابها حول اجتثاث البعث والارهاب والصداميين والتكفيريين والتجربة الديموقراطية ونقل الملف الامني الى السلطات العراقية.
وتمسكت «القاعدة» من جهتها بحلمها الكوني لتعلن «دولة» مفترضة في الاراضي المتبقية من استقطاع الجنوب الشيعي والشمال الكردي، وتنظم احتفالات مسلحة لانضمام هذه المدينة او تلك بعد تطهيرها من ... الشيعة.
الميليشيات لها دويلاتها ايضاً، تتصارع في الجنوب على تقاسم عائدات تهريب النفط والنفوذ، وتعلن سقوط هذا الحي او ذاك بعد تطهيره من ...السنة. وحين تعجز عن الوصول تستخدم آليات وأسلحة الشرطة المتاحة لها.
بات أمس العراقيين افضل حالاً من يومهم على علاّت الاثنين. يلوذون مكرهين بحملة السلاح لحمايتهم من حملة سلاح آخرين. يدفنون موتاهم بصمت، ويرحلون عن ديارهم بصمت، ويطرقون ابواب سفارات ما عادت تستقبلهم. يعرضون اثاث بيوتهم وذكرياتهم للبيع في المزاد، ويتحدثون عن بلاد تضيع تحت حراب المحتل وقسوة الاخوة ولسان حالهم يقول «هذه ليست بضاعتنا، وانما صنعت في اميركا».
|