النفط في أسبوع - معركة البصرة وأبعادها النفطية
وليد خدوري الحياة - 30/03/08//
لم تواجه صناعة النفط العربية صعوبات وتحديات مماثلة لتلك التي واجهتها صناعة النفط العراقية في ربع القرن الماضي، خصوصاً خلال فترة الاحتلال في السنوات الخمس الأخيرة. وتدور حالياً معركة لحسم السيطرة السياسية على البصرة، البوابة البحرية الوحيدة للعراق وثاني أكبر مدنه، ومصدر نحو 90 في المئة من احتياطاته النفطية التي تبلغ حالياً نحو مليوني برميل يومياً، إضافة إلى ثلاثة حقول عملاقة بطاقة إنتاجية تزيد عن مليوني برميل يومياً إضافية اكتُشفت ولم تطور بعد، هي حقل مجنون وحقل غرب القرنة وحقل نهر بن عمر. وتشكل هذه المعركة فاصلاً مهماً في تاريخ البصرة الحديث، وتاريخ صناعة النفط العراقية ومستقبلها.
لقد نالت البصرة نصيبها من الدمار، مقارنة ببقية المدن العراقية، أثناء الحرب مع إيران طوال عقد الثمانينات من القرن العشرين، إضافة إلى الوهن الذي أصاب محافظات الجنوب وبقية المناطق العراقية في التسعينات نتيجة للحصار الدولي ضد العراق. ومن الطبيعي، مع قربها من ساحات المعارك الضارية، ان عملية تطوير الصناعة النفطية في المحافظة توقفت خلال ذلك العقد، ناهيك عن الإصابات المدمرة التي حلت بالكثير من المنشآت النفطية. وما الدمار الذي لحق بميناء الخور العميق، إلا مثال على حجم الخسائر التي لحقت بالمنشآت النفطية في تلك المنطقة الإستراتيجية.
ومنذ وقوع العراق تحت الاحتلال في آذار (مارس) 2003، أصاب المنشآت النفطية في البصرة ما أصاب بقية المصانع في العراق، خصوصاً عمليات النهب والسرقة والتهريب والتخريب. فقد سُرقت مصانع بأكملها، قطعة قطعة، خصوصاً مصنع تنقية مياه كرمة علي الذي كانت تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 130 ألف برميل يومياً، وبسبب نهبه وسرقته توقف حقن المياه في كثير من الحقول الجنوبية لفترة طويلة، وانخفض الإنتاج النفطي العراقي بسبب ضعف الضغط نتيجة لذلك. وبسبب الفوضى الميليشيوية التي سيطرت على شوارع البصرة وأحيائها في السنوات الخمس الأخيرة، ونفوذ الاستخبارات الإيرانية، هاجر كثير من المهندسين والخبراء العراقيين النفطيين إلى الخارج، حفاظاً على حياتهم وحياة عائلاتهم، بعد اغتيال نحو مئة مهندس وخبير نفطي عراقي منذ وقوع العراق تحت الاحتلال، وكذلك اختطاف العشرات الذين لا يزال مصير بعضهم مجهولاً.
أما معركة البصرة اليوم، فهي من نوع آخر. هي في واجهتها سياسية، وفي أساسها نفطية. فالقوى السياسية التي تستطيع ان تتحكم بالبصرة والمناطق المحيطة بها، تستطيع ان تتحكم بمقدرات العراق واقتصاده. وواضح من تطورات الأسبوع الماضي ان لتوقف الإنتاج والتصدير من البصرة انعكاسات عالمية. فارتفاع سعر برميل النفط من 90 دولاراً إلى نحو 109 دولارات خلال يوم واحد لم يكن بسبب انفجار خط أنابيب واحد تبلغ طاقته نحو 800 ألف برميل يومياً، فالأسواق العالمية قلقة من استمرار القتال لأيام وتوسع رقعتها، كما ان الخوف هو من احتمال حدوث انفجارات أخرى قد توقف تصدير النفط كلياً (1.50 مليون برميل يومياً من الجنوب). وتستمد معركة البصرة خطورتها خصوصاً من الدور البارز الذي تبوأه رئيس الوزراء نوري المالكي في هذه المعركة التي يقودها بنفسه من البصرة نفسها مع مجموعة من وزرائه ضد «جيش المهدي» والعصابات المسلحة التي عبثت بأمن أهل البصــرة ورزقهم ومنعـــتهم من العيــش بكرامة، فعدم تمكنه من حسم المعركة بسرعة ولمصلحة الدولة سيؤثر سلباً في إمكان استمراره في قيادة دفة الدولة، ناهيك عن الأخطار التي ستلحق بالعراق نتيجة الفوضى التي ستلحق به.
ومن اللافت ان معركة البصرة تدور في وقت استعاد النفط أولويته في الأجندة العراقية، إذ تعقد في العاصمة الأردنية عمان، مفاوضات بين وزارة النفط العراقية وشركات النفط العالمية الكبرى لتحسين الإنتاج من حقول عملاقة، أهمها في البصرة والمناطق المحيطة بها. ومن الطبيعي ان يضعف موقف الحكومة العراقية في المفاوضات مع الشركات، حتى لو انتصرت الحكومة عسكرياً في معركة البصرة، لأن الشركات سترفع في وجهها ورقة فقدان الأمن في الجنوب، وستطلب ثمناً لذلك من خلال تحسين شروطها، علماً ان هذه الاتفاقات تمتد لسنوات عدة. وأحالت الحكومة مسودة قانون النفط إلى البرلمان في دورته الحالية لمناقشته والتصويت عليه، على رغم وجود شك كبير في ان يحصل القانون على الأصوات اللازمة بسبب الخلافات حوله. وتبرز كذلك ضغوط أميركية علنية وخفية في محاولة لتمرير قانون النفط ورسم صورة قاتمة عن تأميم صناعة النفط العراقية في العهد السابق، إضافة إلى الضغوط لكي تمنح الحكومة عقود التطوير للحقول العملاقة للشركات الأميركية. وهناك مشكلة أخرى يحاول ان يثيرها البعض، على رغم النفي المتكرر لوزير النفط حسين الشهرستاني لهذا الأمر، تتمثل في الحقول المشتركة إلى تمتد جيولوجياً عبر الحدود، خصوصاً مع إيران، والاتهامات بأن إيران تسحب النفط بطريقة غير مشروعة من هذه الحقول، أي أنها تتعدى على الموارد العراقية في عملها هذا. وأخيراً، تبقى صناعة النفط العراقية أسيرة البنود الدستورية الغامضة المتعلقة بالثروة الهيدروكربونية (المواد 111 - 115) التي فُرضت على اللجنة البرلمانية الدستورية بعد منعها من تغيير حرف واحد فيها خوفاً من تفكك الائتلاف الحكومي آنذاك. وتبقى كذلك الأزمة مفتوحة ومتصاعدة بين حكومة إقليم كردستان ووزارة النفط العراقية حول صلاحيات كل منهما في التفاوض والتعاقد مع الشركات العالمية.
ان لمعركة البصرة، طبعاً، أبعاداً سياسية متعددة، إضافة إلى الأبعاد النفطية، مثل الصراع بين الأحزاب الشيعية في الجنوب («المجلس الأعلى» و «تيار الصدر» و «حزب الفضيلة» و «حزب الدعوة» بفروعه المتعددة) والمليشيات المسلحة والمتنفذة في عمليات سرقة النفط وتهريبه، وما إذا كانت محافظة البصرة ستنضم إلى الاقتراح الذي يدعمه المجلس الأعلى بقيادة السيد عبدالعزيز الحكيم بتشكيل إقليم للجنوب يضم محافظة البصرة (ترفض هذا الاقتراح بشدة معظم الأحزاب الشيعية الأخرى) إلى بقية محافظات الجنوب حتى الوسط. كذلك يشكل الصراع مواجهة مهمة بين الولايات المتحدة وإيران التي عملت منذ فترة على توسيع نفوذها هناك من خلال أجهزة استخباراتها المتعددة. وتشكل هذه المعركة جزءاً من الصراع بين واشنطن وطهران في الشرق الأوسط، مثل ذلك في لبنان وغزة.
ويدعي «التيار الصدري» ان توقيت معركة البصرة الآن يعود إلى قراره في المشاركة في انتخابات المحافظات المقبلة، ومنع مرشحيها من الفوز بها. ويذكر ان «التيار الصدري» كان قاطع هذه الانتخابات سابقاً، ما أدى إلى فوز ممثلي «المجلس الأعلى» و «حزب الفضيلة».
كاتب متخصص في شؤون الطاقة
|