موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 21:41 GMT - 2008/12/01

حال الطقس في 101 مدينة












ريم كيلاني تحتفي بالـ»DNA» الفلسطيني! ... أغاني الجدّات في رحلة تنقّب في ذاكرة المخيمات والأراضي المحتلة

دمشق – وسيم ابراهيم     الحياة     - 05/02/07//

ريم كيلاني في حفلتها الموسيقية
ريم كيلاني في حفلتها الموسيقية
فلنتخيل أنّ دار أوبرا دعت نسوة طاعنات في السن لتقديم أغنيات تراثية، كيف تكون الحفلة، أو نوع الجمهور، هذا إذا حضر، طبعاً من غير باب التسلية والتهكّم؟

المهم أنّ هناك من أخذ الفكرة على محمل الجدّ، وبادره الجمهور بالمثل، خصوصاً عندما نعلم أنّ امرأة حملت مسجلاً ودارت على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي أراضيهم المحتلة، تنقيباً عن أهازيجهم الباقية.

هي رحلة طويلة قطعتها المغنية والموسيقية، ريم كيلاني، حاملة أغاني الفلسطينيين من «وعورة» طرق المخيمات إلى خشبة دور المسارح والأوبرا.

ربما بدأت رحلتها يوم شاءت الأقدار أن تولد في مدينة مانشستر البريطانية لأبوين فلسطينيين لاجئين، أو ربّما بعد ذلك بأربع سنوات، يوم وقفت على المسرح كمغنية لأول مرة. ومهما كان الأمر، أثمرت التجربة اسطوانة بعنوان «الغزلان النافرة»، وجابت أغنياتها أوروبا وأميركا إضافة إلى الشرق الأوسط.

ولا يقتصر أخذ الأمور على محمل الجد، في تجربة كيلاني، شكل الرحلة ومشقاتها. ندرك دقّة العمل على المضمون، بعد ولوجنا دار الأوبرا السورية، التي احتضنت حفلتين للمغنية وفرقتها الموسيقية أخيراً.

يقرأ الجمهور في بطاقة الحفلة أنها مخصّصة لأغنيات تراثية، ما يستدعي إلى الاستغراب نظراً إلى اصطفاف آلات موسيقية غربية على المسرح.

نسأل في أي قالب ستقدم كيلاني أغاني الجدّات؟ لا ينتظر الجواب وقتاً طويلاً. تعتلي المغنية المسرح مع عازفيها. تتجه إلى كرسي في الوسط. تركنه إلى جوارها، قبل أن تجلس مواجهةً الميكرفون.

يوحي ذلك بأنّ الحفلة ستكون على قدرٍ واف من الوقار والتقليدية، لكنّ المغنية تبدّد هذا التصور بلحظة. فالكرسيّ ليس مستقراً، بقدر ما هو محطة للاستراحة. لا تلبث أن تغادره لتقود موسيقى الجاز، المصحوبة بمقامات شرقية، إلى لحن محتدم، عندما تترك لجسدها أن يتماهى مع الإيقاع، وتُدخل تنويعات عليه بحركات إيقاعية للرِجْلين تستعير أجواء «الفلامينغو».

تواصل كيلاني غناء الأهازيج التراثية، من على كرسيها، وهي تضرب على الطبلة، لا توقف الضرب فيما هي مشغولة برقصاتها المنتشية. تستخدم شحنات الموسيقى، والإيقاع، والرقص، لتعيد بثّ الحياة في كلمات الأغنيات، فتبدو كأنها تغنّي جسداً وروحاً في آن.

يتجاوز الأمر حدود الحفلة الموسيقية. هو أشبه بعرض متعدّد الوجوه، يحاول إحياء روح التراث. فلكلّ أغنية قصة تقدمها كيلاني قبل أدائها، هي إما «فراقيات» اعتاد الأجداد إنشادها، عند وداع الأحبة والأوطان، أو «غراميات» قالها العشاق القدامى في لحظات الوجد. كما أن سرد القصة لا يستقيم لدى كيلاني إلا باستحضارها اللقاءات التي جمعتها بالنسوة الفلسطينيات، وقد عمدت إلى «تمثيل» بعض ما دار من حديث ومواقف معهن. لم يأتِ ذلك جزافاً، ولم يندرج في خانة الفكاهة. إنها إحدى الأدوات الكثيرة التي اعتمدتها كيلاني احتفالاً بالهوية الفلسطينية، أو ما سمّته بـ DNA الفلسطيني.

حتى الطريقة التي أصرت على تقديم العازفين بها، مستوحاة من بساطة وخفّة الحديث اليومي، المطعّم باللكنة المحلية، كما فعلت، مثلاً، مع أولي هايهيرست (عازف الالكتريك بايس)، حين قدّمته كأحد «أبناء فلاحي الشمال البريطاني»، مقلّدة لهجة أهل منطقته بفكاهة منقطعة النظير.

وإلى جانبه زوي رحمان (بيانو) وباتريك الينغورث (درامز) من بريطانيا كذلك، ومن سوريا أمير قره جولي(كمان)، باسل رجوب (ساكسوفون) وسيمون مريش (إيقاع).

تستحق مواكبة كيلاني للعازفين التنويه، إذ شكّلت، أحياناً، بقعة ضوء ثانية سُلّطت عليهم لتحفّز أداءهم، كما ساهمت في حفظ أسمائهم في الذاكرة.

وكي لا يلتبس الأمر على الجمهور، تعيد كيلاني الإجابة عن سؤال وجّه لها إن كان ما تقدّمه قائماً على الارتجال أو خاضعاً لتنسيق مسبق؟

قد لا يحتاج من لاحظها تضبط الموقّت في بداية الحفلة إلى إجابة على هذا السؤال، لكنّ كيلاني تؤكّد بحزمٍ أنّ كلّ ما دار على الخشبة أُعِدّ له مسبقًا، بما في ذلك المساحة المخصصة للارتجال، سواء عبر تفريدات العازفين (كما هي حال عازف الصولو في الجاز)، أو الأداء الإيقاعي.

يبقى أنّ إعطاء عنوان واحد للحفل أمر ملتبس. هل كانت أمسية غنائية أو تنويعاً مبتكراً لحفلة جاز؟

الأمر يتجاوز ذلك ليدخل في طقوس المسرح، مع حضور المونولوغ، حين روت كيلاني قصصها مع الأغنيات، والحوار بين المغنية والموسيقيين، والجمهور كما حين شاركتها إحدى الحاضرات في أداء إحدى أغنيات «الهناهين»، (أهازيج النسوة في الأفراح).

ما يبقى واضحاً، أنّ القالب الذي ابتكرته كيلاني، هو بمثابة احتفالية، غير مسبوقة، بالتراث الفلسطيني، بعدما حوّلته مادّة فنية فريدة، لاقت الإعجاب والاهتمام، وأمتعت الجمهور الذي شاركها الغناء. وينبغي التنويه بأنّ أغاني التراث التي قدّمت، هي تلك التي يمكن أن نسمعها صدفة من عجوز معمّرة، بما في ذلك أسلوب الغناء، أي مدّ الكلمات وقصرها على السجيّة المتوارثة.

نجحت كيلاني في محاكاة ما علق في ذاكرة الفلسطينيين من أغنيات قديمة، قدّمتها بأمانة على المسرح، وابتكرت شكلاً فنياً، تجاوز التوثيق إذ جعل التراث ينبض برونقٍ معاصرٍ، لا ينتقص منه أو يؤذيه. ومحاولاتها تضع الموسيقيين العرب أمام سؤال كبير: هل إنّ إحياء التراث، توثيقاً وإنعاشاً، لا يحصل إلا عندما يغدو مهدداً، مع ما يحمله من خطر المحو أو الإلغاء؟ أمر يحيل مباشرة إلى الإجابة التي قدمتها كيلاني، عندما سئلت كيف أنها عربية وتغني الجاز؟ إذ اكتفت بالتعليق قائلة: «لأنني عربية أغني الجاز».











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group