تجربة رائدة تدعمها الأمم المتحدة ... المسرح التفاعلي في خدمة الريف السوري
سورية - محمد العطار الحسيني الحياة - 15/02/07//
 |
| مشهد مسرحي |
طالما طمح أرباب الثقافة الشعبية إلى إيجاد وسائل فنية تساعد على اختراق حاجز الفقر والأمية، خصوصاً في المناطق النائية، البعيدة عن المراكز الحضرية.
ولعلّ أهم هدف توسّله هؤلاء في نشاطاتهم هو نشر الوعي المحفّز على النهوض في المناطق المنعدمة، حيث تغيب الخطط والبرامج التنموية الحكومية، مع ازدياد الوعي بأهمية دور الثقافة كرديف أساسي لأيّ مشروع اقتصاديّ هدفه التصدي لمعضلات أساسية على غرار الأمية والهجرة المتزايدة من الريف...
تكمن أهمية مشروع المسرح التفاعلي في ريف سورية في الناحية الريادية منه، فهو أول مشروع، هدفه نشر الوعي التنموي، يتوصل الى نتائج مهمة على صعيد المسرح الشعبي. وتندرج التجربة في إطار برنامج «المسرح التفاعلي والتنمية»، المموّل من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA، ضمن برنامج التعاون القطري السادس بين صندوق الأمم المتحدة للسكان والجمهورية العربية السورية (برنامج التحفيز السكاني)، علماً أنّ البرنامج نُفّذ بإشراف الصندوق السوري لتنمية الريف (فردوس).
يتمحور هدف الاتفاق الأساس حول تأهيل كوادر قادرة على ممارسة نشاطات ثقافية تنموية عبر تنظيم ورش عمل تأهيلية وإعداد نصوص مسرحية وبرامج ثقافية مخصصة لأهل الريف. وتتولّى الدكتورة ماري الياس، وهي أستاذة محاضرة في المعهد العالي للفنون المسرحية وأستاذة اللغة الفرنسية في جامعة دمشق إدارة المشروع.
قامت مجموعة العمل الأولى بجولات في الريف السوري، هدفها تأسيس نواة عمل أولية ورصد ردود فعل الجمهور. وانبثقت عن المجموعة الأم، بعد الدورة التدريبية الأولى، مجموعتان: الأولى موجهة إلى شريحة عُمرية محددة، أما الثانية فانضم اليها ممثلون من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية شكّلوا فرقة مسرحية هي «فرقة مسرح الأستوديو»، سبق وقدموا أعمالاً مسرحية عدة مع مؤسّس الفرقة المخرج عمر أبو سعدة. بالتنسيق مع الصندوق السوري لتنمية الريف (فردوس)، توجّهت الفرقة إلى قرى في الريف السوري مشمولة في البرامج التنموية للصندوق، وحرصت على عدم إهمال القرى البعيدة والأكثر فقراً. وكان على الفرقة تذليل كثير من الصعوبات لإنجاح التجربة، أبرزها اختـراق عزلة بعض المجتمعات الريفية وتحفّظها، لإنشاء حالة تفاعلية تمهيداً لتناول المشاكل الأكثر حيوية التي يعانيها الأهالي، وتحفيز الوعي بهذه المشاكل كخطوة أولى نحو حلها.
أولى مهمات الفرقة كانت رصد ردود الفعل الصادقة من الأهالي. ففي مجتمع يندر فيه الحوار، وتسوده قوانين اجتماعية أخلاقية صارمة، يميل الناس إلى إظهار ردود فعل مواربة ومنمقة غالباً ما تكون بعيدة كلّ البعد عن ملامسة الهواجس الحقيقية. لا تسهّل الحالة الاجتماعية والاقتصادية المتردية - من انتشارٍ مستشرٍ للجهل وتغييب قسريّ أحياناً للنساء والشباب عن المشاركة الفعالة في المشروع - عمل الفرقة، لا سيما أن أهالي الريف يربطون في كثير من الأحيان قدومها الى مناطقهم بحلّ المشاكل الاقتصادية المعقدة فيعقدون آمالاً على الفرقة هي غير تلك التي يتوخاها المشروع.
وكان على المجموعة، لمواجهة التحديات هذه، تطوير آليات معينة تكسبها الديناميكية اللازمة للتعامل مع الاحتمالات كافةً، حتى مع أكثرها إرباكاً. وتمّ في هذا السياق اعتماد مبدأ «الجوكر»، أي أن يقوم فرد من الفرقة (المؤلفة من ستةّ ممثلين ومخرج وكاتب) بأداء دور «الجوكر» أو قائد العملية التفاعلية في كلّ قرية. وفي وسع «الجوكر»، وفق التقنية المعتمدة، التحكم بعملية التفاعل مع الأهالي عبر إدارة مشاركة هؤلاء في تقديم الاقتراحات بتجسيدها على أرض الواقع وإشراكهم المستمر في عملية التمثيل مع الممثلين المحترفين.
وكان على الفرقة، في كثير من الأحيان، الاعلان عن حضورها الى القرية المعنية ودعوة الأهالي الى التجمع في الساحة العامة او في اي مكان مناسب.
وتمحورت معظم المشاهد المسرحية للفرقة حول القضايا والمعضلات التي يعاني منها الريف السوري عموماً كمشكلة البطالة وصعوبـــة تأمين لقمــة العيش، وهجرة الاراضي الزراعية، وغياب البرامج التنموية الفعالة وضعف الخدمات الحكومية ووضع المرأة ومشاكلها.
ولعل أهم سمة لهذه الأعمال المسرحية هو طابعها التحريضي، كونها قائمة أساساً على اقتراحات الأهالي كوسيلة لتنشيط المشاركين ودفعهم إلى التفاعل مع العمل. والمدهش في الامر انتقال الناس من حيز المشاهدة إلى التمثيل، ما خلّصهم من وطأة المكبوت، وساهم في التخفيف من وقع المشاكل الاجتماعية وحفّز المشاهدين على ضرورة البحث عن سبل لحلّها.
ولمشاطرة الخبرة المستمدة من المشروع وضعت الدكتورة الياس دليلاً شاملاً يشمل مراحل التأسيس ومنهج العمل والتقنيات المستخدمة.
المشروع ليس مجرّد نشاط بسيط، إذ تكمن أهميته في بعده الإنساني، فقد تغلغل عبر جولاته الفنية في نسيج المجتمع البسيط بقدراته المادية والمتعطش الى المعرفة في عملية تعلّمٍ متبادل حميم.
كذلك لمس القيمون على المشروع شغف أهالي الريف البسطاء وتقديرهم لأيّ مجهود صادق يُبذل لنشر الوعي والمعرفة في ديارهم، ولعلّ أبرز ما حققه المشروع هو غرس بذور الوعي وتمكين نساء القرى وحضهن على إدراك أهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي وطيّ صفحة الاضطهاد والتمييز الطبقيّ الى الأبد.
|