ألف هائم بصوت «سفيرتنا إلى النجوم» في الصالة الصغيرة في دبي ... فيروز تزرع الحنين في مدينة «المشتاقين»
دبي - إبراهيم توتونجي الحياة - 01/04/06//
السيدة على المسرح، قريبة جداً. جمهور الألف عاشق، الألف مشتاق، الألف مغترب، الألف «مستوحد» مع صوت يأتيه من أعماق ذاكرته ومن صور مرايا قديمة على تدويراتها المعتقة، محفورة بصمات للحنين. الألف «محظوظ» لأنه استطاع أن يكون موجوداً في تلك الأمسية، في تلك الصالة الصغيرة حد الحميمية والدافئة حد الاشتعال... كان على كل ذلك القرب، قادراً أن يتذكر وينتبه، أن جزءاً من خد فيروز لا يزال يغور خفراً حين تضحك، أن لفتة من عينيها لا تزال، بعد السنين والنجومية، السماء والنجوم، بوسعها أن «تتوه» فرحاً وسط صيحات الجمهور المتأثرة ونداءاته المؤثرة. على هذا القرب منها، سيكون لديك متسع من الحشرية لكي تتأمل ظهر كفها القابضة على مفتاح البيت السحري الساحر، الذي إن واربته قليلاً، تهب الفراشات ويعبق عطر اللوز ويتطاير رذاذ النبع ويهدر صوت الطواحين، وتهطل المدن والقرى على أبنائها، تاركيها فتغرقهم، كما يغرق شتاء غير متوقع متجولاً هائماً على غير هدى. السيدة هي نفسها، لم تغير «عوايدها»، تغني، تتأمل، تقود ثورة النوستالجيا بإشارة من يدها ترفعها فيقوم الناس من مقاعدهم منتفضين. تراضيهم، تجلسهم مرة أخرى بوعد استكمال الغناء، وقبل أن تودعهم مرة أخرى، يعرفون أنها أغنيتهم الأخيرة، يحدسون بما لا يرغبون بها، يعاودون الوقوف والنداءات: «فيروز... فيروز»، ثم الرفض: «لا... ما تروحي... ما تروحي»، يستدعونها أكثر من مرة، كما يتوسل العشاق حبيباتهم والهائمين سفنهم، لتستدعي هي، في كل مرة تعاود فيها الرجوع على الخشبة، من قلوبهم أعمق الخفقات ومن أكفهم أحر التصفيق ومن عيونهم أعز الدمعات.
الجمهور اللبناني والعربي الذي كان في «مسرح الجامعة الأميركية» في دبي، ليلة أول من أمس، كان حاضراً لكي يغرف من زوادة الحنين التي حملتها فيروز معها، ووقفت توزعها بحنو هائل وشموخ مهيب على كل «المحتاجين»: «كان عنا طاحون»، و «حنا السكران» و «اعطني الناي» و «يا أنا»، ثم «علموني» و «غيروا أهل الهوى» و «يا قمر أنا وياك» و «شتي يا دنيي» و «عم يلعبوا الولاد». كل ذلك في الفصل الأول الذي تخلله أداء الكورال لـ «سيف المراجل» و «شو بتقولي يا نسوم» و «شو هالأيام» و «أهلا يا شيخ المشايخ»...
حنين دافق لملمته من حكايا الأبواب التي لم تعد تتعرف الى أصحابها والناس الذين «تغربوا وما تغربوا وتذكروا وما تذكروا» والأولاد الذين «كل عيد بيروحوا لبعيد». لوهلة، لن تعود دبي، تلك المدينة التي «لملمت» هي الأخرى أحلام مدن عربية أخرى، ودعت السيدة إليها إثباتاً لما تحقق وتوكيداً على انتصارها في احتضان حلم النجاح والحداثة والتطور... لن تبقى مدينة للعابرين فقط، فصوت السيدة كان قادراً، بوجوده معهم والى جانبهم، أن يرسم لخطاهم آثاراً ولاشتيقاهم مخادع آمنة.
الاستراحة استمرت عشرين دقيقة، وكانت مناسبة للجمهور لتجاذب أطراف الذكريات والحكايات، وعثمان البحريني لكي يريح حنجرته التي تعبت من كثرة نداءات «فيروز آي لاف يو»، التي لم يتوقف عن طلاقها منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، هي الفترة التي أمضاها يلاحق السيدة من مدينة إلى أخرى، ومسرح إلى آخر. يتجمع مع أكثر من عشرة آخرين من أصدقائه «مجانين الست» في الخارج، ويتناقشون، كخبراء محنكين، في كل شيء، بدءاً من الصوت والأداء والفرقة الموسيقية واختيار الأغاني، ومقارنة الحفلة بحفلات أخرى قد ترجع إلى نهاية السبعينات، وسرد دقيق ومذهل لما غنت وارتدت في كل حفلة، وصولاً إلى مشاكلهم «العائلية» مع أمهاتهم اللواتي يغرن من ولعهن بالسيدة. «مجانين الست» انتظروها لدى الخروج، ومن تسنى له مصافحتها باليد، «طار» فرحاً، وقرر أن يده لن تصافح «أياً كان» بعد اليوم!
الفصل الثاني بدأ بمعزوفة من «فيلم أميركي طويل»، ثم بدلت السيدة فستانها البرتقالي الأول بآخر مرصع بلون العاج، ملوكي الطالع، وبدأت مع «فايق يا هوى»، ثم غنت مع الكورال «لوين رايحين»، لتتركه بمفرده لـ «خايف كون عشقتك وحبيتك» و «ارتاح يا شيخ المينا». لتعاود الدخول مع «سنرجع يوماً»، فتغرق الصالة في آهات التأثر والحنين والتحسر والأمل، ثم «يا ريت»، وبعدها مفاجأة حقيقة لجمهور السيدة الشاب الذي كان عليه أن يتلفت ويسأل «جيرانه» من جمهور الجيل الأول أو الثاني عن أغنية «حمرا سطيحاتك حمرا»، وربما أيضاً قصيدة «بعدنا»، قبل أن يستعيد «الكرة إلى ملعبه» ويعبر عن تمرد مخفي ومسكوت عنه ورغبة حقيقة بأن تغني فيروز أكثر «لزياد»، فكانت «اشتقتلك» وحدها، كافية لأن تشعل الصالة تصفيقاً وحماسة وفرحاً تسربت إلى قلب فيروز نفسها وضحكتها، فبدت سعيدة بأدائها تلك الأغنية. «أمي نامت عبكير» من بياع الخواتم أنبأت بانتهاء الحفلة، إلا ن صراخ الجمهور المتكرر، أرجع فيروز إلى المسرح ثلاث مرات مع مطالع من «أغنية الوداع»، التي لها وقع مؤثر لا يوصف في نفوس عشاق السيدة، ثم «حنا السكران» مرة أخرى و «زوروني».
في عيون بعض الخارجين من الصالة، كانت آثار لدموع من «احكيلي» لم تجف بعد، وبريق من فرح وحماسة «اشتقتلك» يضيء. بدت دبي لمقيميها أجمل في تلك الليلة، وللعابرين منها محطة مؤثرة. وكانت في فضاءات الصحراء القريبة، أصداء تتردد، تذهب وترجع، وتوحي بأن هناك فرصة إضافية لاحتمال الحنين، كما انتظار الزيارة المقبلة لفيروز.
|