العراك على ركن السيارات يؤدي الى القتل ... والشرطة في كل مكان ... دبي: المدينة تضيق على سكانها فيصبحون أكثر عنفاً
دبي- ابراهيم توتونجي الحياة - 30/03/07//
 |
| شرطي مرور وسط زحمة خانقة |
يركن شرطي المرور دراجته النارية في الظلام. ينتظر «صيداً» في أحد مواقف السيارات الملحقة بمبنى سكني، في منطقة «لامسي بلازا» المزدحمة بالمتسوقين الهنود في دبي. السيارات تفد متهادية كما لو أنها تفترض «حسن نية» مسبقاً. مدخل الموقف مثبتة عنده لافتة مثلثة. هذه تعني: ممنوع الدخول. الشرطي يطلب من السيارات المخالفة الاصطفاف إلى اليمين، ومن سائقيها الرخص والملكية. يقولها بحزم: «كم سنة لك في دبي، ألا تعرف معنى إشارات السير؟». ترد مواطنة إماراتية: «قلبك طيب يا أخي، اللافتة ثبتوها منذ أيام فقط، ولم نعتد بعد». في مكان آخر، «يختبئ» الشرطي عند تقاطع الطريق المؤدي إلى «جسر المكتوم» مع عطفة «ديوان الحاكم». يسمونه «تقاطع الرعب»، فهو من النقاط الأشد ازدحاماً طوال اليوم، وهناك حالات من «الانهيارات النفسية» التي يتعرض لها السائقون فيه، معروفة ومنتشرة في الشارع والصحف. يتثاءب. يركز مرة أخرى. يسجل على دفتر صغير أرقام سيارات. سائق السيارة يحاذيه. يفتح النافذة راغباً في محاورته. قد يبادر: «السلام عليكم». الشرطي صارم. لا ينظر إلى السائق حتى، بل إلى «نمرة» السيارة. يسجلها. وينظر إلى التي خلفها، كأنه يقول: «نكست» (الذي بعده!). بعض السيارات عند هذا التقاطع، يدهس الخط الأصفر. هذا يودي إلى حجز السيارة. وفي مرات إلى تحقيق. وحين يتزايد عدد «النقاط السود» نتيجة ارتكاب الأخطاء المرورية، لن يكون مرغوباً «في المتهور» في دبي.
يوماً بعد آخر، تتعامل المدينة مع «المتهورين» بمزيد من القسوة. يقول الإعلام الرسمي فيها أنهم «قاتلون محتملون». تنشر صور سياراتهم في الصحف. يبدون، إذا ما استثنينا الأقلام التي «تنكش» في مسائل حقوق العمالة في بعض الصحف الغربية، على رأس لائحة «المتهمين» بتشويه صورة المدينة التي تحب أن تبقى مثالية. المتهورون يخرجون دبي من ثوبها «الفاضل». يتسببون بالقتل، فيرمون على «الرداء الأبيض» نقاطاً حمراً. دبي، بعدتها وعديدها، في النور والظلمة، تحاربهم.
هناك حالة وفاة كل 30 ساعة، في شوارع الإمارة التي يعيش فيها أكثر من مليون وربع مليون مواطن ووافد. وبحسب أرقام دائرة الإحصاء التابعة لبلدية دبي، فإن شخصاً على الأقل يتعرض للإصابة بسبب حوادث المرور كل 3 ساعات. السنة الماضية، قارب عدد المتوفين 250. هذه أرقام رسمية، تحتمل «تقليصاً» جائزا، كما هي عادة الأرقام «المؤذية»، مثل درجات الحرارة. هناك أزمة. الهنود متهمون وضحايا. العربي أو الأجنبي يشيع أن الهندي لا يفقه «القيادة» حتى لو حمل رخصة. علينا أن نحسب حساب «العنصرية» في إشاعات كهذه. الباكستانيون والهنود يشكلون غالبية الضحايا. يسرحون في الشارع بلا انتباه. يغافلون إشارات السير، فيغافلهم الموت. بعض الاقتراحات يقول بعدم جواز منح من يقل راتبه عن «ستة آلاف دولار رخصة قيادة». مزيد من العنصرية التي تقابلها الجهات الرسمية بسخرية: «هذا يعني استثناء أكثر من 60 في المئة من سكان دبي. غالبيتهم من الهنود والآسيويين من ذوي الرواتب المتواضعة أو البخسة. هذه اقتراحات فارغة»، يقول مسؤول في المرور. جســــور المشاة قد تكون حلاً أكثر حضارية. 7 جسور جديدة تبنى، كمعدل وسطي، كل شهر. هناك 47 جسراً ستكون جاهزة حين «يأتي المترو.. ربما يخفف الازدحام عن الطرقات فتصير أكثر أمناً». وربما أقل توتراً. فالطرقات في دبي مشحونة بالحذر. السيارات محركات لطاقات سلبية. البشر يضجرون خلف مقاود سياراتهم. يطلقون الأبواق بعنف وانتقام حين يلوح لون الإشارة الأخضر. يشتمون. يتذمرون من مرور سيارة الإسعاف وإضطرارهم لفتح الطريق. يتقاتلون في تدوير المحركات وايقافها. مشادة بين رجلين بسبب موقف سيارة قد تتحول إلى جريمة. هذه حادثة نقلتها الصحف قبل يومين. المدينة تضيق على ساكنيها، تجعلهم يصرفون ساعاتهم على زفتها. فيصبحون أكثر عنفاً. في منطقة سوق نايف المزدحمة، لا يكترث أحد العاملين في موقف خاص لتأجير السيارات إلى «التهديد باللجوء للشرطة». «ينصب» على الزبون، في تسعيرة الوقوف، مستغلاً إشغال كل المواقف التي تؤمنها البلدية: «ظللت أطوف ساعة حول السوق لأهتدي إلى موقف عام ولم أجد. رضخت للعامل الباكستاني. قهرني بشروطه». قليل من العنصرية أيضاً وان كان صاحبها يؤمن أنها «مبررة». لقد تعرض للنصب، وقال للعامل: «لو لم تكن أمي معي لكنت... قتلتك». الأم، الزائرة، يكاد قلبها يقف. «ما أحلى بلدنا، بوسعك أن توقف السيارة أينما شئت»، تواسي ابنها.
«تكريم سائق لم يرتكب مخالفة منذ عام 1953»، يقول عنوان خبر صحافي. في التفاصيل أن دبي احتفت بسبعة سائقين مثاليين، طوال أكثر من نصف قرن. يحيل الخبر إلى سؤال واحد: كيف ستبدو شوارع المدينة بعد نصف سنة لا نصف قرن؟ هل سيتبدى المشهد بعنف أكثر و «مثالية» اقل؟
|