موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 20:41 GMT - 2008/05/17

حال الطقس في 101 مدينة







«كرنفال باروك» في دمشق عرض متنوع يستحضر فنون اوروبا في العصور الوسطى ... فرقة فرنسية تقدم درساً للعاملين على التراث

دمشق - وسيم ابراهيم     الحياة     - 12/05/08//

من الغريب ان تتمكن فرقة تمزج في عرضها التمثيل والأداء والموسيقى، من احياء مناخ فني يعود الى اكثر من اربعة قرون مضت، وتقديمه في عرض طازج وحيوي، من دون ان تسقط عنه أياً من عناصر الشكل او المضمون. تأتي بأزياء مستوحاة من تلك الازمنة، وبآلات موسيقية سادت فيها، وتقدم مسرحاً يحاكي شخصيات ذلك الزمان.

ما تقدمه فرقة «بويم هارمونيكا» الفرنسية ، ليس محطة عابرة في تجربتها، بل منحى تنتهجه منذ اسسها فانسان ديمستر عام 1998. كرست نفسها كفرقة متخصصة في أرشفة أعمال العصر الباروكي في اوروبا، واللافت ان تجربتها لقيت، ولا تزال، نجاحاً وتشجيعاً كبيرين من النقاد ومحبي الموسيقى.

وينظر الى استقدام هذه الفرقة، وتقديمها احد عروضها على مسرح دار الاوبرا في دمشق أخيراً على انه مجازفة في اختبار تفاعل الجمهور السوري مع نتاج من فنون العصر الباروكي.

يتناول العرض حالات متداخلة، تقدّم بسلاسة واتقان. يستحضر اجواء الكرنفال الاحتفالي في روما. في قصور النبلاء تقام المآدب الباذخة ترافقها الموسيقى، وفي الشوارع احتفالات ولاعبو خفة وبهلوانيون، ويتحول المسرح الى مساحة للقاء تلك الحالات.

يتخذ سبعة عازفين على آلات وترية وايقاعية ونفخية، بعضها لم يعد مستخدماً، ركناً لهم في جانب الخشبة. يقدمون مقطوعات شعبية ترافق اداء الممثلين، وليعزفوا، فيما يشبه موسيقى الحجرة، الاغنيات التي كان صداها يتردد في القصور، ويؤديها اربعة مغنين (مغنيي تينور، مغني باص ومغنية سوبرانو) يرتدون ازياء ذلك العصر. اصوات جميلة تحضر في فواصل تمتص صخب الكرنفال، على الخشبة وفي الصالة، بلغة ايطالية لا يفهمها غالبية الحضور، وبإحساس مرهف.

اللعب على الخشبة كانت الخفة سمته الاساسية. اضحكت المفارقات والمواقف الفكاهية الجمهور بدون ان تنزلق الى الابتذال. مشاهد مشغولة بعناية لتولد المتعة. المتعة تأتي من الخدع البصرية، ومن اللهو الذي ينخرط فيه المؤدون. هناك استعراض لكنه لا يشط عن سياق عمل المجموعة، بل يدعمه ويعطيه دفعاً ودفقاً. وعلى رغم كثرة الممثلين وألعابهم على الخشبة، التي استعملوا نصفها للعرض، الا ان توزعهم لم يولد شعوراً بالازدحام. كانوا يدخلون ويخرجون ويجتمعون بخفة، جاعلين الكواليس مكاناً مكشوفاً، وحلاً للتواري اشبه بقبعة التخفي.

هي فقط مشاهد اقتطفت وولفت لتستحضر طقس الكرنفال، ولتتحول الخشبة احتفالاً بتلك الفنون. سبعة مؤدين على الخشبة، لاعبو خفة وممثلو ايماء ولاعبون على الحبال، زرعوا الخشبة بمغامراتهم الشيقة.

على الحبل تدلى رجلان فخطفا الانفاس مع كل حركة منهما توحي بالسقوط، وهي حركات مرسومة وليست مبنية على المغامرة او التحدي. ليس هناك من ديكور ثابت في العرض، بل هو مبني على الارتجال.

الممثلون يشكلون المسرح حسب ما يقتضيه المشهد. تصبح البراميل واسطة للدحرجة مرة، وتقف لتوضع عليها الواح الخشب وتصير مسرحاً آخر، او العاباً للتوازن. كل ذلك مستقى بأمانة واخلاص من فنون الباروك. فمسرح الكوميديا ديلارتي، القائم على الارتجال والذي كان كل من ممثليه يؤدي شخصية واحدة طوال حياته، ولا يرثها غيره الا اذا مات، يحضر بعناصره المتعددة: الشخصيات الساخرة، الاقنعة والالعاب البهلوانية والملابس المهلهلة والايماء.

صفق الجمهور طويلاً لفرقة «بويم هارمونيكا»، فهي لم تقدم التراث الفني في صيغة لا حياة فيها، ولم تهتك معناه لصالح الاستخدام والتوظيف، ولم تاخذه على محمل التهكم والسذاجة. فهمته ضمن الظروف التي انشأته، ولذا ادركت اهميته وقدمته في شكل يحتفي بقيمته ويعززها.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group