:التجديد الأخير 22:34 GMT - 2008/12/01


حال الطقس في 101 مدينة







مقاربة النص الشعري العربي القديم تحقيقاً ودراسات

عباس عبدالحليم عباس      الحياة     2004/07/10

لم تكن مشاغل احسان عباس الكثيرة وتوزع جهوده على ميادين شتى من المعرفة والبحث لتصرفه عن دراسة الشعر العربي القديم, ذلك الشعر الذي عرفه معرفة خبير من خلال تحقيقه لعدد من دواوين شعرائه ومجموعاته تحقيقاً علمياً شهد بدقته واجادته أهل هذه الصنعة والدراية بها, وكذلك من خلال دراسة النقد العربي القديم التي دارت حوله دراسة شاملة معمقة.

فأما منجز احسان عباس في دراسة الشعر العربي القديم فإنه موزع على عدد من كتبه ومقالاته ومقدمات تحقيقاته, الأمر الذي يدعو الباحث الى تتبع ذلك كله في محاولة لرسم ملامح هذا المنجز ومعرفة مداه, وبحسب الترتيب الزمني تأتي جهود احسان عباس واشتغالاته في شعرنا العربي القديم كما يلي:

1 - المسافة والزمن في شعر ذي الرمّة 1955.

2 - كتاب فن الشعر (وفيه دراسات متنوعة لنماذج شعرية قديمة) 1955.

3 - الموت في الفكر الإسلامي (مقالة, تتناول فكرة الموت في الفكر والشعر القديمين 1955).

4 - كتاب الشريف الرضى (وهو دراسة وافية لشعره) 1958.

5 - كتاب العرب في صقلية (وفيه فصل مطوّل عن حياة الشعر في صقلية) 1959م.

6 - كتاب تاريخ الأدب الأندلسي/ عصر سيادة قرطبة (وفيه دراسات متنوعة لشعراء وظواهر شعرية) 1959م.

7 - ديوان ابن حمديس (وفي مقدمته مقالة عن شعره) 1960.

8 - ديوان الرصافي البلنسي (وفي المقدمة مقالة عن شعره أيضاً) 1960.

9 - القتّال الكلابي: حياته وشعره (مقالة) 1961.

10 - شرح ديوان لبيد (وفي المقدمة مقالة عن شعره) 1961.

11 - كتاب تاريخ الأدب الأندلسي - عصر الطوائف والمرابطين (وفيه دراسة وافية لتطور الشكل والموضوع في الشعر الأندلسي) 1962.

12 - ديوان الأعمى التطيلي (وفي مقالة عن شعره) 1967.

13 - ديوان شعر الخوارج (وفيه دراسة مطوّلة لشعرهم) 1963.

14 - ديوان ابن سهل (وفيه مقالة عن شعره) 1967.

15 - ديوان كثير عزّة (وفيه مقالة عن شعره) 1971.

16 - الشعر الأندلسي والأخلاق (ضمن كتاب دراسات في الأدب الأندلسي) 1976.

17 - بين أبي العلاء والوزير المغربي (موازنة بين شاعرين) 1982.

18 - الوزير المغربي: العالم الشاعر الناثر الثائر, 1988.

وثمة نظرات أخرى له في شعرنا القديم وجدتها عبر مراجعاته لبعض الدواوين المحققة, أو في تقديمات وتعليقات موجزة حول بعض الشعراء, ممن لم يسعفه الوقت في الوقوف مطولاً عند أعمالهم, بيد أنه لم يفوّت الفرصة في الإشارة الى قضايا مهمة في شعر الشاعر مما لا يمكن دراسته دون الوقوف عندها, وهي ما سماه بعض النقاد "بالدراسات المضغوطة المترعة بالتنويرات والاضاءات".

ان قراءتنا لاشتغال احسان عباس على ما سبق تكشف عن وعي خاص منه لطبيعة شعرنا العربي القديم الموضوعية وتشكيلاته الفنية, ويمكن رصد ثلاثة أنماط من هذا الاشتغال:

- تمثل الأول في نظرات نقدية جزئية في موضوعات الشاعر أو أسلوبه الفني.

- وتمثل الثاني في تناول قضايا كبرى في الشعر.

- وأما الثالث فهو تناوله لنصوص شعرية كاملة بالنقد والتحليل وفق بعض المناهج النقدية الحديثة, وهو ما سأُرجئ الحديث عنه الى المسار الثاني من هذا البحث.

على رغم أن تحقيق الشعر لا يفترض بالمحقق أن يقدم دراسة في الشعر, الا أن احسان عباس قلّما ترك شاعراً من دون أن يمحص شعره, أو يدلل على فهمه لجماليات ابداعه, وسأكتفي من شغله في هذا السياق بشعر ابن حمديس, الذي يرى احسان انه (يمثل ثمرة الشاعرية المغربية في عصور السيادة السياسية بالمغرب, وقد تأثر بالبيئات الثلاث وحكى أثرها في شعره بناءً وموضوعاً, فقصائده ترق حتى تشبه الطبيعة الصقلية والأندلسية الجميلة في رقتها وعذوبتها, وتستطيل حتى تحاكي مباني قرطبة والناصرية شموخاً وصناعة).

ولكي يسهّل احسان عباس المهمة على دارسي ابن حمديس وشعره درسه دراسة شاملة أوصلته الى تصنيف خاص لهذا الشعر بحسب جودته الفنية, فرأى أنه ينقسم الى الأقسام التالية:

1 - قصائد الصقليات... وتشترك هذه المجموعة كلها في طبيعة الحزن وفي مقدار صالح من الصدق العاطفي... وأعلاها درجة تلك القصائد التي تتجلى فيها قوة الحنين والتفجّع على ضياع الوطن. وهذا هو أكبر موضوع شعري عالجه شعراء صقلية والقيروان والأندلس, ويتفوق عليهم ابن حمديس جميعاً بأن إحساسه بالوطن قوي الجذور راسخ لا يموت.

2 - القصائد الطوال التي تمثل التلقائية في الإنشاء للتعبير عن حالات النفس من دون حافز خارجي.

3 - شعر الوصف... وإذا كانت القاعدة في المجموعتين السابقتين هي قوة العاطفة, فإن القاعدة هنا هي اتقان الصورة أو درجة الصنعة الفنية... وايجاد الصورة وعذوبة الموسيقى.

يقول احسان عباس: "انني يوم بدأت أجمع شعر الخوارج كنت مأخوذاً بمعنى التطابق بين الفن والعقيدة أو ما يسميه النقاد المحدثون "الالتزام" وقد وضحت هذا التطابق في ما كتبته من قبل. وكل ما أريد أن أقوله هنا على نحو حاسم ان شعر الخوارج يصور الطرفين المتباعدين من (القوة الشامخة) و(الضعف المتضايق), حين يلتزم الشاعر بقضية, أو كما يقولون هذه الأيام بـ"ايديولوجية". وقد كان شعر الخوارج نتاج "ايديولوجية" معينة, ولهذا كان لا بد له من أن يدرس في ظلها". ولعل هذا الطرح النقدي مع ضرورة ادراك اطاره الزمني (1982 تاريخ كتابة مقدمة الطبعة الرابعة) ينبه الى وعي عميق بالمنهج, وايمان قوي بواقع الأمور بالانشغال بالموضة النقدية والتقليعات المنهجية, إذ حين لا يمكن عزل النص عن سياقه يصبح من المفروض أن نعود الى هذا السياق والاستضاءة به, فالشعر هو الذي يفرض ما ينبغي وما لا ينبغي حين التعامل معه, "وكل قصيدة تفرض على الناقد طريقة خاصة في النظر, وانه ليس هناك منهج واحد يصلح أن يطبق على كل قصيدة", ومن هنا راح احسان يقول: عن الشعر الخارجي "ثم كان موضوع هذا الشعر هو الإنسان - الإنسان الخارجي على وجه التحديد, والمحرك الداخلي فيه هو روح التقوى المتطرفة, فهو لذلك أدب قوي يزيد من قوته شدة التلازم بين المذهب الأدبي والحياة العملية, ويقترن فيه الصدقان: الصدق الفني والصدق الاجتماعي".

إذاً يكشف لنا حسان, من خلال دراسته متابعة للشعر الخارجي أولى القضايا النقدية التي يمكن تتبعها في هذا الشعر, وهي قضية الالتزام أو ما يسمى (الشعر والايديولوجيا) ومدى تأثير ذلك على النواحي الجمالية فيه. والقضية الثانية التي تكشفها دراسته لهذا الشعر هي قضية (الموت) بصفتها قيمة جوهرية في فنهم الشـــعري عموماً, إذ "ترك موضوع الموت فيه لوناً حزيناً ونغمة حزينة ولكنه لم يسلمه الى يأس مطلق, لأن هذا الموت نفسه كان عند أصحاب ذلك الشــعر نوعاً من الأمـل, إذ لم يعد الموت إلا دخول الجنة أو لقاء الإخوان".

هذا من الجانب الموضوعي, أما الجانب الفني وهو الأكثر أهمــية لدى النــاقد, أي ناقد, فقـــد تولى احسان عباس أمره من خلال محاولته لكــشف أنواع الوحدات التي تقوم عليها نمـــاذج الشعر الخارجي, حيـــث بيّــن احسان كيف "سيطرت على هذا الشعر وحدات ثلاث, هي وحدة الغايات, ووحدة الخصائص, ووحدة التيارات النفسية.

* أستاذ النقد في الجامعة الأردنية.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group