حملة ثقافية عالمية من أجل فلسطين
فخري صالح الحياة - 26/05/08//
تبدو الذكرى الستون للنكبة الفلسطينية مناسبة لإعادة التفكير بالاستراتيجية الفلسطينية ـ العربية، التي أظنها فشلت في وضع فلسطين في دائرة الاهتمام العالمي. ولعل هذه الاستراتيجية في حاجة إلى ضخ دماء ثقافية متجددة حتى يصبح بالإمكان تكريس حضور القضية الفلسطينية على أجندة المثقفين والأكاديميين والسينمائيين والمسرحيين في العالم، إضافة إلى المواطن العادي الذي يتأثر غالبا بآراء الشخصيات البارزة في عالم الثقافة والفن. وان لم تصبح القضية الفلسطينية، وعمليات الطرد والتطهير العرقي التي تعرض لها الفلسطينيون منذ النكبة وحتى هذه اللحظة، حاضرة في أذهان الناس في كل من بقعة من بقاع الكرة الأرضية يصعب أن تتغير السياسة في أوروبا وأميركا تجاه فلسطين. إن ما يحدث هو العكس تماما حيث تلقى إسرائيل الدعم تلو الدعم في الأوساط السياسية الغربية، في ظل عــودة اليمين الأوروبي والأميركي بقوة إلى سدة الحكم والبلديات وقــطاعات الــحياة السياسية والاجتماعية المختلفة في تلك الدول.
ما ينبغي أن يفعله الفلسطينيون، وكذلك أشقاؤهم العرب، هو التوجه إلى القطاعات الأكثر تحررا من الضغوط السياسية والأيديولوجية، أقصد المثقفين والفنانين والجمعيات النسائية وغيرها من المؤسسات وجماعات الضغط التي تطغى على برامجها النزعات الإنسانية لا المصالح كما يحصل في عالم الأحزاب والتكتلات الأيديولوجية.
ولكن ينبغي لهذه الإستراتيجية، التي وصفتها بالثقافية، أن تتجنب منطق المقاطعة الذي رأيناه خلال انعقاد صالون باريس للكتاب، عندما تخلف العرب عن الحضور، بسبب احتفاء الفرنسيين بمرور ستين عاما على «استقلال إسرائيل»، وكذلك في مهرجان تورينو للكتاب عندما أدرنا ظهورنا للمعرض لاحتفائه بالمناسبة ذاتها. إن ما دار خلال هاتين المناسبتين ينبئ عن قصور في الرؤية، وعدم قدرة على مقارعة الأسطورة بالحجة، والحضور بالجسد والفعل الثقافي بغية القول للمشاركين في المعرضين إن ما وقع في فلسطين قبل ستين عاما، وما زال واقعا حتى الآن، يمثل اكبر جريمة احتلال وتطهير عرقي على مدار التاريخ. ولا أظن أن بالإمكان قول ذلك من خلال إدارة الظهر وإبداء الأسف أن اثنين من أكبر معارض الكتب في العالم يتبنيان قيام دولة إسرائيل فيما ينسيان الوجه الآخر للمناسبة؛ أقصد غياب فلسطين عن الخريطة.
الرد المناسب في مثل هذه الحالة هو ما حصل في مهرجان الأدب الفلسطيني في رام الله الذي تبنته مؤسسات بريطانية، ومن ضمنها المجلس الثقافي البريطاني ومؤسسة Engaged Events التي ترأسها الكاتبة المصرية بالإنكليزية أهداف سويف (الروائية البارزة التي تقوم بدور كبير من أجل القضية الفلسطينية في الأوساط الثقافية والإعلامية البريطانية)، ومؤسسة عبد المحسن قطان، وجامعتا بير زيت وبيت لحم، ودار الندوة في بيت لحم. لقد سعت هذه المؤسسات مجتمعة إلى استضافة عدد من أبرز أدباء بريطانيا وكتابها في أنشطة تجولت ما بين رام الله والقدس وبيت لحم والخليل وجنين؛ وكان من بين المشاركين أهداف سويف وإستر فرويد ورودي دويل وإيان جاك وحنان الشيخ وكلير ميسود وجمال محجوب وبانكاج ميشرا ووليام دالريمبل، وآخرون شاهدوا بأم أعينهم ما يتعرض له الفلسطينيون في ظل أكبر نظام للفصل العنصري في العالم.
على بعد كيلومترات فقط كان مهرجان القدس الأدبي، الذي يقيمه الإسرائيليون منذ سنوات طويلة، يستضيف في المناسبة نفسها، أي الذكرى الستين لقيام إسرائيل، كتابا كبارا من العالم، مثل الألباني إسماعيل كاداريه والجنوب إفريقية نادين غورديمر، التي طلبت أن تلتقي بالكتاب الفلسطينيين لكي توافق على المجيء والمشاركة.
المهم أن العقلية التي تتحكم في المواجهة العربية لإسرائيل على الساحة الدولية، لا سيما ما يخص المواجهة الثقافية، ينبغي أن تتغير، لأن الإسرائيليين وأنصارهم الكثيرين في العالم، يعرفون كيف يحركون عواطف الناس بالتركيز على ما حصل لليهود في معسكرات الاعتقال النازية أثناء الحرب العالمية. وعلينا نحن ان نري العالم ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين الآن. وهذا ما رآه الكتاب البريطانيون الذين تجولوا في مدن الضفة الغربية، وعلى الحواجز الإسرائيلية التي تقطع أواصر تلك المدن بعضها عن بعض، وعن البلدات والقرى الفلسطينية التي تحيط بها. أليس ذلك أفضل بكثير من سياسة الحرد وإدارة الظهر التي يبرع فيها العرب؟
|