مهرجان مديين العالمي في كولومبيا: شعر بكل اللغات
مديين (كولومبيا) – صلاح حسن الحياة - 06/08/07//
لا تمكن مقارنة مهرجان الشعر الكولومبي العالمي في مدينة مديين بأي مهرجان شعري في العالم لسبب بسيط هو الجمهور الذي حضر أمسيات المهرجان الذي استمر عشرة أيام كانت حافلة بالشعر، وقلب بموجبها معادلة ما كنا نتداوله في العالم العربي من إن الشعر ديوان العرب التي بدت لمن حضر المهرجان خطأ شائعاً بامتياز. فحفل اختتام المهرجان الذي حضره ثلاثة آلاف شخص بدأ في الرابعة ظهراً وانتهى في العاشرة مساء تحت وابل المطر الذي لم يمنع هذا الجمهور الغريب من متابعة ختام المهرجان حتى النهاية.
لم يكن الجمهور الكولومبي الحاشد الأمر الملتبس الوحيد في المهرجان، بل كانت هناك أحوال كثيرة ملتبسة وغير قابلة للتفسير، اقلها الكولومبيون أنفسهم بلطفهم النادر من جهة وحربهم الأهلية المستمرة منذ خمسين عاماً من جهة أخرى، الشعراء المشاركون في المهرجان، الطقس، والنساء الكولومبيات المذهلات بأنوثتهن.
الشاعر فرناندو ريندون مدير المهرجان قال إن العنف في الشارع الكولومبي مصدره الحكومة التي لا تفهم من الديموقراطية سوى فكرة الديموقراطية الغامضة، في المقابل لم نر في المدينة كلها صورة واحدة لرئيس الجمهورية وبقي الالتباس قائماً. فكرة الثورة في مفهومها الماركسي ما زالت تسيطر على أفكار الشباب الكولومبي الذي يتشبه في سلوكه ومظهره الخارجي بالثوري تشي غيفارا والرئيس الكوبي فيدل كاسترو، وقد ارتفعت أثناء المهرجان صيحات تندد بالامبريالية الأميركية التي تبتز شعوب العالم ومنها شعوب أميركا اللاتينية.
الملاحظة الجديرة بالاهتمام هي إن الجمهور معظمه من الشباب ومن الصبايا بالتحديد، بعذوبتهن النادرة وملابسهن المثيرة. ويبدو إن المناخ في هذه القارة يلعب دوراً حاسماً في ذلك، فدرجات الحرارة لا تقل عن ثماني عشرة درجة طوال أيام السنة، وهو طقس مثالي يساهم في تثبيت السلوك البشري المتقلب.
دعي إلى مهرجان مديين شعراء من القارات كلها بحيث قارب عددهم ثمانين شاعراً ينتمون إلى خمسين دولة ويتحدثون عشرات اللغات وملامحهم تفصح عن بلدانهم، عدا المضيفين الذين بدوا اقرب إلى العرب والى اللبنانيين أو السوريين بالتحديد على رغم وجود السود والخلاسيين بينهم.
تميز الشعراء الأفارقة عن اقرأنهم بملابسهم التقليدية وقراءاتهم التي رافقتها آلات موسيقية غريبة فكانوا اقرب إلى المغنين الجوالين (التروبادور) مع تكرار منتظم لبعض اللوازم الموسيقية. ومع إنهم قرأوا باللغتين الانكليزية والفرنسية إلا إن موضوعاتهم كانت متشابهة ومعظمها يدور حول الماضي السحيق قبل مجيء الرجل الأبيض إلى القارة الافريقية ومحقه للثقافة السوداء مع استثناءات قليلة كان صوت سنغور الشاعر الافريقي الشهير طاغياً عليها بوضوح. الاستثناء الوحيد كان الشاعر الجنوب افريقي المرشح إلى جائزة نوبل براتين برايتنباخ. إما الشعراء الناطقون باللغة الاسبانية فتعددت موضوعاتهم الشعرية على رغم مرجعيتهم الواحدة وبرزت أصوات مهمة منهم (الأرجنتين وكوستاريكا) دفعت الجمهور إلى مطالبتهم بقراءة المزيد من النصوص. وتميز شاعران من الهنود الحمر قرأا قصائد قصيرة هي اقرب إلى التراث الروحي الأسطوري لماضي الهنود الحمر منها إلى مفهوم الشعر المعاصر. ولم يتوقف صفير الجمهور وتصفيقه حتى عاد احدهما إلى المنصة وقرأ مزيداً من النصوص.
شعراء أوروبا كانوا أكثر تأملاً وأكثر الأصوات خفوتاً بموضوعاتهم الدفينة التي احتلت الطبيعة حيزاً كبيراً منها. وبدا الحس الإنساني المكبوت واضحاً في النصوص، وهي اتخذت من الذات منطلقاً للحوار مع الأشياء التي بدأت تتراجع وتغيب عن حياة الإنسان الذي بدأ بدوره ينعزل ويتراجع في حياة تزداد عتمة. الشاعر الايطالي ميلو دو انجيليز قرأ نصوصاً قصيرة وغامضة قليلاً طغى عليها الجانب الفلسفي ربما بسبب عمله كأستاذ للأدب الحديث. أما الشاعرة البلجيكية ميريام فان هيه التي قرأت نصوصاً باللغة الهولندية فغاب الانسان عن نصوصها واحتلت الحيوانات الأليفة لغتها وعالمها كله ولم تخلُ قصيدة واحدة من قصائدها من ذكر حيوان ما حتى أصبحت الحيوانات ثيمة مركزية في عملها الشعري. أما الشاعر الهولندي الضرير شيبا هايتخا فقرأ نصوصاً رؤيوية جاءت كمعادل موضوعي لفقدانه البصر، يختلط فيها الحسي بالمتخيل والواقع بالحلم مع تصور كابوسي للعالم.
شعراء عرب وشاعر اسرائيلي
خمسة من الشعراء العرب شاركوا في الدورة السابعة عشرة لهذا المهرجان ساهم بعض منهم بإثارة الكثير من الجدل داخل أروقته وضخموا الصورة النمطية عن العرب لدى الآخر ومنهم الشاعر ورجل الأعمال السعودي عبدالله باشراحيل الذي استأجر جناحاً خاصاً في الفندق الذي أقام فيه الشعراء ووزع أعطيات على الجميع. لكن تصريحاته الشعرية ومواقفه النقدية كانت الأكثر إثارة على الإطلاق. فالشاعر أدونيس مثلاً لم يصبح شاعراً إلا بعد إن نال شهادة منه، ومحمود درويش ليس بشاعر ولا حتى محمد الماغوط. وكان حضر المهرجان على نفقته الخاصة وتحدث بعض الحاضرين عن دعمه المادي للمهرجان من دون أن يؤكد ذلك أحد. أما الشاعر اللبناني محمد العبدالله، أكثر الشعراء هدوءاً فقد بدا ثملاً طوال أيام المهرجان من دون أن يزعج أحداً، وقرأ عدداً قليلاً من النصوص، لكنه كان يتوارى بعد أن يُتم قراءته مباشرة، فبدا وكأنه غير موجود. الشاعر المصري احمد الشهاوي كان معروفاً لدى المهرجان وهو يحضر للمرة الثانية على التوالي. وكما هو معروف عنه قرأ نصوصاً قصيرة تجمع بين العشق والتصوف بلغة بسيطة لا تخلو من العمق. المرأة العربية الشاعرة كانت حاضرة في مهرجان مديين ممثلة بالشاعرة السورية لينا الطيبي التي بدت أيقونة أكثر منها شاعرة، إذ كان الشعراء الشبان يتحلقون من حولها ويعربون لها عن جمالها وجمال شعرها المشحون بالحزن والألم والعزلة. أما الشاعر الخامس فهو من العراق وهو كاتب هذه السطور.
الشاعر الإسرائيلي اهرون شبتاي الناشط في مجال التقريب بين الفلسطينيين والإسرائيليين كان ضيف المهرجان. وهو كان تعرض لمحاولة اغتيال في مدينة نيويورك على يد الموساد لكنه نجا منها وغادر إلى أمستردام. قرأ أهرون نصوصاً لاذعة وساخرة للغاية من حكومة اولمرت التي تريد السلام وترسل بمبعوثيها على هيئة دبابات وصواريخ. وأشار في إحدى قصائده إلى «الدعارة» الإسرائيلية التي ارتكبت مجزرة قانا في الصيف الماضي أثناء الحرب على لبنان وقتلت الاطفال والعزّل وهدمت منازلهم. نصوصه تميزت بالمباشرة والسخرية اللتين لا تخلوان من الكلمات النابية الفاحشة في وصف حكومة اولمرت وزمرته.
برايتنباخ أحد أفضل الشعراء المشاركين في المهرجان إن لم يكن أفضلهم على الإطلاق. فهو شاعر وكاتب وفنان تشكيلي يجيد الفرنسية والانكليزية والاسبانية والهولندية، إضافة إلى لغته الأم الجنوب افريقية. حكم عليه بالسجن تسع سنوات لمجابهته حكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ونظراً الى الضغط الشديد من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية أفرج عنه فسافر إلى فرنسا وأقام هناك مع زوجته الفيتنامية. نشر أكثر من عشرين مجموعة شعرية بلغات عدة وصدرت له روايات وكتابات نثرية وتجاوزت مؤلفاته الأربعين.
|