بعد عشرين عاماً على تسلمه وزارة الثقافة في مصر يخوض معركة الأمانة العامة لمنظمة «يونيسكو» ويدعو العرب إلى مؤازرته ... فاروق حسني: باقٍ رغم القلق ... علاقتي بالأزهر قوية وهناك فضائيات تنشر فكر الظلام
القاهرة – صفوت عمران الحياة - 26/08/07//
فاروق حسني أكثر الوزراء المصريين إثارة للجدل حتى لقّب بـ «وزير الازمات»، لكنه يرى نفسه وزير الانتصار على الأزمات. ومع أنه يمثل «لغزاً» لأصدقائه قبل أعدائه إلا أنه في حديث الى «الحياة» كان شديد الصراحة، إذ أكد أنه يضمن فوزه بمنصب مدير عام منظمة اليونيسكو إذا أيده العرب واتفقوا على شخصه. ورفض أن تكون تصريحاته عن الحجاب سبباً في عدم تأييد دول العالم الإسلامي له، مؤكداً أنّ علاقة قوية تربطه بمؤسسة الأزهر الشريف ورجاله. ورأى أن الهجوم عليه على لسان بعض الطامعين في كرسي الوزارة ناجم عن الغيرة، «لكنه طموح مشروع في أحيان». وأكد أن بقاءه مرهون بإرادة الرئيس حسني مبارك، معلناً رفضه توريث جمال مبارك الحكم في مصر، وعليه أن يخوض المنافسة من خلال الانتخابات إذا رشحه الحزب الوطني الحاكم، وأوضح أنه يعلم تماماً موقف اللوبي اليهودي من ترشّحه للمنصب الدولي في اليونسكو، لكنه ما زال يرفض التطبيع مع إسرائيل كوزير للثقافة. ولم ينفِ أنه سيختلف تعامله معها إذا فاز بالمنصب الجديد. وحذر من سيطرة المال على ذائقة الناس في مصر والعالم العربي واستخدامه في تمرير الافكار الهدامة والمسيئة.
> في البداية كيف ترى ترشيح الرئيس مبارك لك لمنصب المدير العام لمنظمة اليونيسكو وقد اعتبره البعض مفاجأة في ظل توتر علاقتك بمؤسسة الرئاسة أخيراً؟
- الحقيقة أنني استغربت مفاجأة البعض بهذا الترشيح، فالرئيس اختار وزير الثقافة في حكومته وليس أي شخص آخر لهذا المنصب. ثم انني عشت في باريس 9 سنوات ومثلها في روما وشرف كبير لي أن أمثل العالم العربي في هذا المنصب الرفيع إذا كان سيتفق على اسمي وعلى شخصي. وأعتقد بأن وجود عربي على رأس تلك المنظمة الدولية أمر بالغ الاهمية. وأنا أعتز بترشيح مبارك لي وأشعر بأنها مهمة ثقيلة، فالوصول الى المنصب عملية شاقة جدًا تحتاج الى جدية ومؤازرة. ولا أعتقد بأنني بشخصي قادر على الفوز إلا اذا تمت مساندتي وتأييدي من المسؤولين أولي الامر في مصر والعالم العربي، لا سيما أن العالم العربي صاحب علاقات بكل دول الشرق والغرب، وفي هذه الحالة ستزيد فرص فوزي كثيراً.
> بصراحة... هل ستتأثر فرص فوزكم بالمنصب الدولي بعد ما شهدت وزارة الثقافة المصرية التي تترأسها أخيراً وقائع فساد؟
- الاحداث الاخيرة بعيدة عن شخصي تماماً، وفرص الفوز لا يعلمها سوى الله. إننا أمام مسار طويل من خلال انتخابات تشارك فيها دول العالم الاعضاء في المنظمة، وأتمنى أن أفوز بالمنصب من خلال علاقات مصر المتميزة مع الدول العربية الشقيقة، وبقية دول العالم، اضافة إلى علاقاتي الشخصية بأوروبا ودول العالم العربي ما يزيد من فرص الفوز.
> هل لديك علامات استفهام حول الهجوم عليك في هذا الوقت تحديداً وبعد إعلان ترشيحك خصوصاً، من بعض التيارات السياسية داخل النظام الحاكم في مصر؟
- لا أستطيع أن أقول إن هناك أشخاصاً ضد ترشيحي، فهذا ترشيح الرئيس مبارك شخصيًا ولا بدّ من أن ينصاع النظام كله لترشيح الرئيس، فالمسألة لا تحتمل «الهزار»، ولكن لا أستبعد وجود نفوس ضعيفة كثيرة جداً، وهذه مسألة طبيعية في الحياة. هناك أشخاص قد يكونون ضد ترشيحي لهذا المنصب الدولي من باب الغيرة أو «الاستخسار»، مثلما نقول بالعامية المصرية، أو أي شيء آخر. لكن هذا لا يعني أن النظام ضدي وإلا أصبحنا في حال عبث كبير جداً.
> تردد في الفترة الاخيرة عن وجود نية لدى بعض الدول العربية مثل عمان والمغرب لترشيح أحد مسؤوليها للمنصب نفسه، فكيف سيكون موقفك؟
- لا نستطيع أن نجزم بأن الدول العربية لن تقدم مرشحين، لكن مصر رشحت نفسها وكان لها السبق. ويجب أن نتذكر أن مصر سبق أن سحبت مرشحها للمنصب نفسه خلال الانتخابات الماضية اسماعيل سراج الدين احتراماً للمرشح السعودي، فلم يخض الانتخابات باسم مصر بل خاضها باسم دولة بوركينافاسو. المسألة ليست مسألة عناد ومكابرة، إنها مسألة تفهم، وأنا متأكد من وجود تفهم لدى الدول العربية لمساندة ترشيحي لا سيما أنني أملك علاقات كبيرة جدًا في العالم العربي مع رؤساء وملوك وحكومات، وهذا ما سينعكس خلال الايام المقبلة.
> يرى البعض ان تصريحاتك في شأن الحجاب السنة الماضية ستؤثر سلباً على مساندة الدول الاسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لك؟ ما رأيك؟
- أنا رجل مسلم أساساً وهذا ليس مجرد إعلان، لكنه حقيقة، وعندما تحدثت عن الحجاب كان من خلال رأي شخصي. فأنا ضد أن نستورد زياً من الخارج، والحجاب حرية شخصية، وهذا رأيي الخاص. ليس الحجاب هو أساس الايمان، الايمان في الداخل أما الحجاب فهو شيء شكلي، وهناك حرية مطلقة للمرأة التي تريد أن تتحجب. ولا أعتقد بأن ذلك سيؤثر على موقف الدول الاسلامية من ترشيح مسلم مثلهم. وأنا أعتقد بأنني قلت رأيي بصراحة وفقًا لما أراه، الإسلام أساسًا دين الحق، ويقوم على تقبل الآخر بكل محبة، أياً كان الاختلاف.
> في ظل موقفك الرافض للتطبيع مع إسرائيل باعتبارك وزيراً للثقافة في مصر ألا تخشى من تحرك اللوبي اليهودي ضد فوزك؟
- إنني أضع في الحسبان اللوبي اليهودي، فنحن لا نحسب حسابات الفوز قبل حسابات الفشل، وليس مطلوباً أن أقول انني ذاهب لأفوز، وإلا أكون إنساناً غير مدرك لما يدور في العالم. وبالنسبة اليّ أنا رجل قومي عربي مصري وسياستي في رفض التطبيع مع إسرائيل معروفة تماماً. نحن العرب نريد السلام، ولكن نرفض أن يكون سلاماً مجحفاً، ولن يتم التطبيع الثقافي مع إسرائيل إلا بإحلال السلام وإلا سنهدر السلاح العبقري أي الثقافة. تخيّل لو قمنا بالتطبيع منذ سنوات لكان سلاح الثقافة الآن مجرد موضة ولم نكن نعرف أن نحييه مرة أخرى. هذا بالنسبة لقضيتي كإنسان مصري عربي يفكر في مستقبل وطنه، أما وجودي في المنظمة الدولية، فمسألة تختلف اختلافاً شديداً. فمثلاً أنا صريح في مواقفي وأتحدث كقومي عربي، ولا بد من أن أفكر بشكل جيداً في موقفي وأنا مسؤول عن كيان دولي. إسرائيل كدولة لها ما لأي دولة، وعليها ما على أي دولة في العالم، وهذا لا نقاش فيه ويجب ألا يكون التفكير غير ذلك.
> هل اعتبارك أن العمل الوطني يختلف عن العمل الدولي في شأن موقفك من إسرائيل هو تراجُع من أجل كسب ود اليهود قبل الانتخابات؟
- هذا غير صحيح، فأنا لا أفعل ذلك من أجل كسب ودّ اليهود. ولكن هناك منطق للاشياء: يجب أن أنجز عملي بوعي. اليونيسكو منظمة قامت من أجل التواصل بين الشعوب وحقن الدماء وهدفها تحقيق السلام؛ لذا لا بد من أن أفهم أن موقفي كوزير ثقافة مصري يختلف عن موقفي كمسؤول عن منظمة دولية، وإلا سيكون الخلط بين الاشياء وعدم الفهم فشلاً وسيتحول هذا الفشل حقيقة.
> لماذا طلبت الاستمرار في الوزارة حتى موعد الانتخابات مع أنك صرحت أكثر من مرة أنك لا تريد الوزارة؟
- أنا لا يعنيني البتة بقائي في الوزارة أو خروجي منها، هذا إحساسي. أما في حسابات المنطق فإن بقائي وزيراً للثقافة المصرية سيساعدني كثيراً في الانتخابات فعندما تزور دولة ما خلال احتفالية ثقافية وفنية باعتبارك وزيراً حالياً فالأمر يعطي لمسة مختلفة ويكون أكثر إيجابية مما لو كنت وزيراً سابقاً. لكنّ ما قلته ليس من أجل أن أبقى في الوزارة، فهذه مسألة لا تجول في خاطري.
> اتهام أيمن عبدالمنعم بالرشوة وهو أحد أهم مساعديك في الوزارة وكنت تعتبره بمثابة ابن لك هل المقصود به إخراجك من الوزارة في ظل التعديل الوزاري المقبل أم هو محاربة لترشحك لليونيسكو؟
- بصراحة شديدة أشعر بأن «الشوشرة» الكبيرة التي صاحبت تلك الواقعة موجهة إليّ شخصياً، فأيمن عبدالمنعم بمفرده موظف عادي يخطئ ويصيب، وفي المستندات التي أمامي لا يوجد خطأ على أيمن، لكنه لو أخطأ خارج نطاق العمل فهذه مسألة أخرى لا يعلمها إلا الله، والتحقيقات ستظهرها. وهذه «الطرطشة» أصابتني، لكن تاريخي مع الوزارة ومع الناس مسألة اخرى، ومن يفكر بأن ذلك حصل من أجل اخراجي من الوزارة فأعتبره صاحب تفكير قاصر للغاية، لأن ما حدث ليس معياراً للحكم على شخصي وتاريخي.
> إذاً كيف تفسر الهجوم الشديد عليك الذي شنه عدد كبير من أعضاء لجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم الذي تنتمي اليه؟
- هذا الهجوم لم يصلني، ولم أقرأ أي هجوم عليّ من أعضاء لجنة السياسات، إلا من صحافي عضو في اللجنة أو في الحزب ويترأس تحرير صحيفة. وهذا تصرف شخصي بحت ليس له علاقة بالحزب الوطني.
> هل لهذا الهجوم علاقة باعلانك سابقاً انك ترفض توريث الحكم لجمال مبارك وهو رئيس لجنة السياسات مما دفع اعضاءها الى مهاجمتك ارضاءً له؟
- دعني اخبرك أن الرئيس مبارك ضد التوريث، وجمال نفسه ضد التوريث ايضاً، فلماذا تم تعديل الدستور من أجل انتخابات ما دام لا أحد يقبل التوريث حتى الرئيس ونجله؟ ولكن طالما هناك انتخابات فمن يكسب سنسانده، لكن للاسف، اذا نظرت الى المعارضة ستكتشف انها تريد من الملاكم القوي ان يضعف نفسه لكي يقابل الملاكم الضعيف، وهذا غير منطقي. وسبق أن طالبت الاحزاب ان تجتمع وتختار مرشحاً قوياً للوقوف امام مرشح الحزب الوطني الذي إذا رشح جمال فهذا حقه في الحياة باعتباره مواطناً مصرياً.
> لماذا أكدت ان عملك وزيراً للثقافة كالمشي على الأشواك؟
- الحقيقة قدمت استقالتي مرات عدة، ولست متمسكاً اطلاقاً بالوظيفة لأنني كل يوم اطلب من ربنا الستر وألاّ استيقظ على مصيبة. فالأعمال في الوزارة ضخمة وكثيرة جداً وعدد العاملين يزيد على 90 ألف موظف، ونتعامل في مبالغ طائلة تصرف على البنية التحتية للوزارة. لذا أنا دائم القلق واشعر بذلك دائماً في داخلي.
> كيف ترى إعلان فرنسا تأييد ترشيحك لمنصب اليونيسكو خلال لقاء الرئيسين مبارك وساركوزي في باريس أخيراً؟
- دعم فرنسا مهم جداً باعتبارها دولة المقر، ولكن ما زالت تلك المسائل سابقة لأوانها تماماً. فنحن في البداية نتحسس الطريق، والمعركة الحقيقية ستبدأ على الأقل بعد ثمانية او تسعة اشهر على أقصى تقدير، حينذاك تكون الاتصالات الدولية في وقتها.
> لماذا لم تشمل اللجنة التي شكلت للإعداد للحملة الانتخابية الخاصة أي عالم دين إسلامي على رغم علاقة الأزهر القوية بجميع دول العالم الإسلامي.
- لأنها لجنة فكر وتحتاج الى مفكرين في هذا المجال. ولا بد من أن نعرف أولاً طبيعة عمل منظمة اليونيسكو حتى نستعين بالأشخاص الذين يفكرون فيه ونستفيد من خبراتهم السابقة في هذا المجال. اليونيسكو منظمة علمية تراثية ثقافية تربوية، إذاً كلها مسائل علمية بحت ولا علاقة لها برجال الدين.
> لكن البعض فسر ذلك بأنه ناتج عن التوتر الذي أصاب علاقتك بالأزهر الشريف بعد تصريحاتك عن الحجاب؟
- اطلاقاً... الأزهر مؤسسة محترمة جداً، وكيان نفتخر به بعيداً عن اي شيء آخر. فهو اقدم جامعة في العالم، ولا يوجد بيني وبين رجال الأزهر اي توتر او خلاف، وعندما يحدث اختلاف في وجهات النظر يجب ألا نقف أمامها طويلاً، وعلينا تخطيها، ولا اعتقد ان رجال الأزهر يضمرون لي شيئاً فهم اكبر من ذلك وأنا اعتز بهم جميعاً.
> هل تساهم الفضائيات الدينية في انتشار الفكر الظلامي برأيك؟
- نعم من دون شك، فكلنا مع التعاليم الدينية الكريمة والصحيحة والرائعة والتاريخ الإسلامي زاخر ببطولات وأفكار وفلسفات ورؤى، ولكن عندما نجد كل من «هب ودب» يتصدى للإفتاء فلا بد من أن نقول «ستوب». فأي إمام لا بد من أن يكون معه شهادة في مجال الدعوة والإفتاء من الأزهر الشريف، فنحن نرحب بالشيوخ الأجلاء الذين نستمع اليهم ونحصل منهم على معلومات تضاف الينا. ولكن نرفض هادمي الحياة الذين يقولون ان الحياة ليس لها ثمن وفكروا في الآخرة لان الانسحاب من الحياة سيحول المجتمع خراباً. خلق الإنسان ليمجد الحياة ويعطي الإنسانية كيانها، وهذا الانسحاب سيبقينا عالة على أوروبا والغرب.
> بعد أزمة الحجاب طالبت بإنشاء اللجنة القومية لمكافحة الفكر الظلامي، أين أصبحت؟
- للأسف فُهمت دعوتي في شكل خاطئ، خصوصاً أنني دعوت الى إنشاء تلك اللجنة باسم لجنة «الثقافة الدينية» في المجلس الأعلى للثقافة، بحيث تضم مفكرين ومثقفين وعلماء دين مسلمين ومسيحيين من اجل توفير اتفاق كبير أمام رجال الدين مع المثقفين، وحتى يصبح كل طرف على دراية بالمعنى الحقيقي للثقافة الدينية؛ وفي هدف ترسيخ التقارب بينهما بدلاً من التناحر. وكانت تلك اللجنة لتساعد رجال الدين على تفسير فكر المثقفين في شكل صحيح لبقية المؤسسات في المجتمع، لكنهم قالوا ان ذلك تراجع عن موقفي من أزمة الحجاب ففضلت عدم إنشاء اللجنة.
> لكنّ البعض فهم من دعوتك الى إنشاء تلك اللجنة محاربة الإخوان المسلمين على خلفية موقفهم من تصريحاتك حول الحجاب؟
- هذه اللجنة كان هدفها تصحيح الأوضاع تماماً في شكل علمي مجرد، وتحقيق تواصل في الفكر بين مختلف الفئات، من أجل مواجهة اتساع الهوة بين المثقفين وعلماء الدين وهو مستمر كل يوم وكي نقضي على العداء القائم بينهم. فالمثقفون والمفكرون يتهمون كل يوم بالكفر وهذا توصيف خطير ومرفوض. لذا كانت تلك اللجنة ستجعل علماء الدين يدركون أن فكر المثقفين ليس فكراً كافراً وإنما فكر متقدم يخدم المجتمع. وتصورت أنهم بذلك سيساعدون على إيصاله الى الناس.
> على رغم توتر علاقتك مع «الإخوان» أنت تعترف بقوتهم، لماذا؟
- «الإخوان» يملكون قوة تنظيمية كبيرة جداً، لكن للأسف هذه القوة التنظيمية لا تقابلها قوى أخرى، والدليل ما حصل أثناء أزمة الحجاب. لذا نحن في حاجة الى قوة تنظيمية تتبع النظام وترى برامج «الإخوان» اليومية لوضع برامج تحدّ من تأثيرها، باعتبار النظام قوياً ويخدم الشعب. وأنا هنا أود أن اسأل سؤالاً: لماذا لا يشاهد المجتمع نفسه ما تقدم الدولة من إمكانات مهولة تصرف عليها بلايين البلايين من الجنيهات من طرق ومبانٍ وبنى تحتية وتعليم ومنح وكل ما يتصل بحياة الإنسان العادي؟ هكذا نفاجأ بأن المواطن يذهب مع شخص لمجرد أنه يأتي ليخبط على باب بيته ويعطيه «كيلو» سمنة و «كيلو» أرز. وهؤلاء الأشخاص الذين ينساقون وراء «الإخوان» يتعاملون مع المجتمع من خلال مفهوم ضيق جداً، لذا لا بد من وجود من يقوم بتوعيتهم. فمنظمة «الإخوان المسلمين» تخدم نفسها فقط بينما الدولة تخدم المجتمع كاملاً وعلى الدولة أن تدرك ذلك تماماً.
> في رأيك هل يعاني النظام الحاكم أزمة انفصال بينه وبين الشارع المصري؟
- أرى أن الحزب الوطني يعيد تجديد نفسه الآن. وقد بدأ من خلال انتخابات الحزب من القاعدة الى القمة، وهذا مطلوب حتى يصبح لديه تواصل مع كل الناس الموجودين في الشارع، بدءاً من البقال والحلاق والصيدلي وانتهاء بكل فئات المجتمع، لأنهم جميعاً يعبرون عن نبض الشارع بصدق، وهذا في ذاته شيء إيجابي يحسب للنظام، وعلينا الاستفادة منه الى أقصى درجة من أجل خدمة المجتمع.
> كيف ترى سيل الفتاوى التي صدرت أخيراً والتي أساءت الى الإسلام في الخارج؟
- للأسف، كانت لجنة الثقافة الدينية هي من سيتصدى لكل هذا، فالتعدد في الإفتاء ناتج من عدم وجود متخصصين، واصبح كل من يوفر لنفسه الظهور من خلال قناة معه يجلب الإفتاء، مع أن الإفتاء علم وليس مجرد محاولات اجتهادية، ولا بد للذي يتصدى للإفتاء من أن يكون درس طوال عمره في الأزهر وعرف كل العلوم الدينية وألم بها.
> يرى البعض أن موقفك من الجماعات السلفية وتصريحاتك عن الحجاب ليست الا محاولة لكسب ود الغرب؟
- هذا كلام غير صحيح، فأنا لم أذكر موقفي من الحجاب في مؤتمر صحافي عقدته لأجل ذلك، لكنّ رأيي كان خاصاً جداً وخرج الى الصحافة من دون قصد، فلا ينبغي تحميل الأشياء اكثر مما تعني، ويجب عدم إجهاد أنفسنا في إيجاد تفسيرات خاطئة للأشياء.
> هل ترى أن فوضى رأس المال أصبحت تؤثر في أذواق الناس ما بين إباحية وتطرف؟
- بالتأكيد، المال يحمل ألواناً يصبغها على المجتمع، ومن يملك المال يملك لون المجتمع، هذا الكلام ليس مجرد اجتهادات، لكن المراقب لما يحدث سيجد ان فوضى رأس المال أصبحت تؤثر في أذواق الناس، ليس في مصر فقط ولكن في العالم كله. ولكن عندما يلون رأس المال المجتمع فإن التلوين يكون سلبياً. والمفترض على المجتمع ان تلونه ثقافته ومعرفته وتربيته وليس المال. وبنظرة سريعة لما يجرى في مصر لا استبعد وجود عناصر خارجية تملك المال والعمل من أجل تغيير الفكر المصري واحلال الفكر الرجعي السطحي. المال يلعب لعبة كبيرة جداً فهو اساس تمويل الجماعات السلفية التي تفتح كل يوم قناة تلفزيونية، وأساس الجماعات الإرهابية التي تشتري السلاح بمبالغ ضخمة.
> ماذا عن دورك كوزير للثقافة في مواجهة ذلك؟
- نحن نعمل بأقصى طاقة ممكنة لدينا، لكنّ وزارة الثقافة لا تملك قناة تلفزيونية في ظل العدد الضخم من القنوات التي تبث الخزعبلات ويشاهدها ملايين البشر الجالسين في منازلهم، وبالتالي يتكاسلون ولا يذهبون الى المسرح أو السينما او الندوات تبعاً لتأثير هذا الغزو الفكري. لذا فوزارة الثقافة لا تستطيع بمفردها الوقوف في وجه هذا الكم من القنوات التي تجعل الناس يذهبون الى 100 ألف زاوية وجامع لاستكمال ما شاهدوه في التلفزيون. هذه القنوات لم تقل لهم اقرأوا كتاباً أو اعرفوا ما يدور في مجتمعكم انها تطالبهم فقط بالانسحاب من الحياة. والغريب ان أصحاب تلك القنوات هم أنفسهم أصحاب قنوات الهتك والإثارة الرخيصة ولذلك أعاود التأكيد أن المال يفعل كل شيء، فالمال هو الملك الذي يأمر ويمنح ويمنع الآن.
> وماذا عن مشروع القناة الفضائية التابعة لوزارة الثقافة والذي قدم قبل فترة؟
- الحقيقة انني وجدت أن لديّ عبئاً كبيراً، والقناة التلفزيونية تحتاج الى طاقة كبيرة، لذا صرفت النظر عن المشروع، خصوصاً انني لا أحب الفشل ولا أعرفه وشعرت بأنني اذا لم استطع إنجاح الفكرة كما أريد فلن أقدم عليها.
> مشروع القاهرة التاريخية أصبح أشبه بالصداع في رأس وزير الثقافة بعد أزمة أيمن عبدالمنعم. ماذا عن أهمية المشروع ومطابقته للمواصفات العالمية؟
- انتهى 90 في المئة من المشروع كترميمات، وبدأنا ترتيب الأوضاع في الشوارع والأزقة القديمة بحيث تصبح ممشى رائعاً جداً لأبناء الوطن الذين يودون ان يستمتعوا بحقب تاريخية مهمة، تحتوي على كل التاريخ الإسلامي. وهذا الأمر يشكل متعة كبيرة عبر مشاهدة المساجد أو الجوامع أو الأسبلة أو الكتاتيب او الخنقاوات والبيوت والقصور والوكالات، لا سيما انها معاقل عظيمة جداً رممت حتى تظهر القاهرة الإسلامية الرائعة، وهي ليست فقط مباني بل أصبحت عملاً ثقافياً مستمراً، وهذه الأبنية استخدمت كي تكون معاقل ثقافية وفنية وفكرية منتشرة في أنحاء القاهرة الإسلامية. وكل الأعمال مطابقة للمواصفات العالمية اذ أشرفت واطلعت على سير العمل والترميمات والدراسات لجنة مشكلة من 60 عضواً تحت إشراف اليونيسكو.
> توجه عدد من الدول العربية الى إنشاء متاحف وإقامة مهرجانات هل سيقلل من دور مصر الثقافي؟
- على العكس، أي نشاط ثقافي في أي دولة عربية هو دعم للموقف العربي ككل، ونحن الذين نشجع ونساعد أيضاً. فمن حيث المبدأ لا تمكن مقارنة تاريخ أي دولة عربية بتاريخ مصر الحضاري والثقافي، وانما أي دولة عربية تقيم اي مشروع ثقافي لا بد من ان نشجعها، فنحن لا نريد أن نكسب المصريين فقط وانما نريد كسب كل أبناء العالم العربي. وعندما تنتعش الثقافة في اي دولة عربية تستفيد مصر. إذاً لا بد من تشجيع هذا ودفعه لأنه يحرّض على الإبداع، وهذا التنافس يخلق نوعاً من الحماسة والطموحات الجميلة ونحن نريد ذلك.
> كيف ترى الى المهرجانات السينمائية العربية خصوصاً مهرجان دبي الذي يتعارض مع مهرجان القاهرة الذي تقيمه وزارة الثقافة؟
- نحن نرحب بأي مهرجان عربي، لذا عندما حدث تضارب في المواعيد أصدرت تعليماتي لضرورة التنسيق مع المهرجانات العربية، وهذا ما حدث بالفعل خصوصاً ان مهرجان القاهرة مهرجان دولي يتبع الاتحاد العالمي للمهرجانات.
> هل دخول رعاة لدعم المهرجان أفاده أم انك اخترت رجل الأعمال نجيب ساويرس لمجرد كونه صديقك؟
- وجود رعاة للمهرجان اصبح مسألة مطلوبة ومتبعة في كل مهرجانات العالم. فالراعي يأتي بشركات متخصصة ما يساهم في الارتقاء بالمستوى التنظيمي للمهرجان، وهو ما شاهدناه في الدورة الماضية. واستغلال صداقتي لنجيب ساويرس لا يوجد ما يمنعه ما دام مفيداً للمهرجان، خصوصاً انه يعطي ولا يأخذ، وأنا الذي شجعته أيضاً على العمل في السينما اذ انتج أفلاماً وانشأ صالات عرض، وهذا كله مفيد للجميع.
> ماذا عن استرداد الآثار المصرية المسروقة في مختلف أنحاء العالم خصوصاً بعدما فشلتم في الحصول على موافقة المانيا على عرض رأس نفرتيتي في مصر؟
- استعادة كل الآثار المصرية مسألة خارج حدود المنطق، فهناك معاهدات دولية وقعت عليها مصر العام 1972، فما خرج من مصر قبل 1972 لا حقّ لنا في المطالبة به، وما خرج بعد 1972 في طريقة غير شرعية من حقنا استرداده، وما خرج في شكل شرعي حتى العام 1983 لا نستطيع استرداده. حتى هذا التاريخ كان يوجد في المتحف المصري قاعة مزادات تبيع الآثار المكررة، اما السرقات غير الشرعية قبل العام 1983 فكانت البعثات التي تقيم حفائر تحصل على نصف ما تكتشفه، ثم جاء قانون الآثار 117 للعام 1987 لينص على حصول البعثات على 10 في المئة فقط. وجاء فاروق حسني وزيراً للثقافة في العام 1987 وقال: «لا تحصل البعثات على شيء، من يريد ان يعمل في الحفائر لا يأخذ شيئاً من آثارنا، يأخذ شهادات علمية فقط»، إذاً ونحن نتحدث عن رأس نفرتيتي أو تمثال الكاتب المصري أو حجر رشيد او حميتون أو باني الهرم نتحدث عن تصرف حضاري بادرت به الدول. فنحن نبني اكبر متاحف العالم وعندما يعيدون تلك القطع يعيدونها الى ارضها فهذا تصرف عظيم جداً. لكن مدير متحف برلين قال: «يا سلام... لا يمكن لأنني عندما أعطيهم رأس نفرتيتي سأغلق المتحف».
> ما بين فترة وأخرى نسمع عن وجود ضغوط إسرائيلية أو أميركية لمنع عرض فيلم او مسرحية مصرية وآخرها مسرحية «القضية 2007» ليسري الجندي حيث إن العرض أوقف في الصيف الماضي على رغم نجاحها جماهيرياً. كيف ترى ذلك؟
- لا أحد يتدخل في نشاط وزارة الثقافة، وأقولها بكل صراحة لأنني لا قبل التدخل بالمرة. ومسرحية «القضية 2007» عرضت اكثر من التوقيت المسموح لها أي مدة اربع ليال أخرى، وكانت هناك عروض مرتبطة بجدول زمني. وعرضت المسرحية أخيراً في «المهرجان القومي للمسرح» ما ينفي كل تلك الأقاويل والحديث عن وجود مؤامرات هذا كلام لا يجرى الا في مصر، لذا من المفترض ان نتعامل مع الأمور بنضج ونشعر بأن قراراتنا أصبحت في أيدينا.
> الى أين وصل المشروع القومي للترجمة خصوصاً ان البعض يعيب عليه عدم وجود حركة ترجمة عكسية، من اللغة العربية الى اللغات الأجنبية؟
- هناك، ترجمات الى اللغات الأجنبية، ولكن أريد ان أقول إننا نريد أن نثقف الشعب ونجعله على علم بما يدور في العالم من فكر وسياسة وثقافة، حتى لا ينفصل فكرياً عن العالم ترجمت كتب من 27 لغة أجنبية، والمشروع في ازدياد والترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية أمر مطلوب، ونفعله ولكن في شكل بطيء، لان هذه ليست مسؤولية وزارة الثقافة وانما مسؤولية دور النشر التي تتعاقد مع الناشر لترجمة كتب تستطيع بيعها لكن لا نترجم من أجل الدعاية ثم نضع تلك الكتب في صناديق أو نوزعها مجاناً.
> كيف تفسر تراجع دور دار الأوبرا المصرية في السنوات الأخيرة حتى ان المايسترو سليم سحاب أنشأ مؤسسة تضم مطربي الأوبرا نفسهم ما يعني تفريغها من أبنائها؟
- هذه المقارنة غير منطقية، فالأوبرا مؤسسة تقدم فنانين في شكل او آخر للمجتمع وباستمرار، ولن يتمكن أي شخص مهما بلغ حجمه من تحجيم دور دار الأوبرا فالناس تذهب اليها لأنها تمثل قيمة كبيرة جداً، وسليم سحاب لديه فرقة مثل اي فرقة، هناك مثلاً فرقة عبدالحليم نويرة وصلاح غباشي. ودار الأوبرا يعمل فيها آلاف من المبدعين ولا أحد يستطيع منافسة الأوبرا ليس في مصر فقط بل في العالم العربي كله.
> أعلنت عن انشاء دار أوبرا جديدة في الأقاليم ماذا عن هذا المشروع؟
- بالفعل انتهينا من أوبرا دمنهور في محافظة البحيرة، وننتظر تحديد موعد افتتاح الرئيس لها، وهي دار أوبرا كبيرة وقديمة جداً أعدنا ترميمها وتوظيفها لكونها موجودة في البحيرة معقل الجماعات السلفية والمتطرفين والهدف إيجاد ضوء كبير يستقطب الناس ويرقى بروحهم. وهكذا عوض أن يجذب المتطرفون الناس لاتهام الآخرين بالكفر يمكننا ان نساعدهم على توظيف طاقتهم في شكل إيجابي وفي صورة ابداعية. وهنا يمكن اكتشاف عازفين وأصوات وممثلين.
> هل هذا يعني ان اوبرا دمنهور مشروع سياسي؟
- أي مشروع ثقافي هو مشروع سياسي لترقية الشعب.
|