موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 22:21 GMT - 2008/12/01

حال الطقس في 101 مدينة












وزير المثقفين العرب

عبده وازن     الحياة     - 27/08/07//

يحسد كثيرون من المثقفين العرب المثقفين المصريين على وزير «ثقافتهم» الفنان فاروق حسني. هؤلاء العرب يرون فيه صورة نموذجية عن الفنان الذي أصبح وزيراً وظل فناناً في الحين نفسه. وصفة الفنان بحسب هؤلاء لا تقتصر على نشاطه التشكيلي كرسام فقط وإنما تشمل عمله في الوزارة بروح ابداعية وهمّ فني. ولعل ذريعة هؤلاء، في حماستهم للوزير – الفنان وحسدهم نظراءهم عليه، الانجازات الثقافية المهمة التي تمكّن من ارسائها خلال الأعوام العشرين التي أمضاها في هذا المنصب. إلا أن بعض المثقفين المصريين – وربما كثيرون منهم – لا يبدون حالاً من الرضا على «وزيرهم»، بل إنهم يشنون عليه حملات قاسية في أحيان، مكيلين له التهم الكثيرة، في الصحافة وسواها.

نظرة المثقفين العرب الى فاروق حسني تختلف عن نظرة المثقفين المصريين اليه. النظرة من خارج لا تشبه النظرة من داخل. قد لا يكون المثقفون العرب معنيين كثيراً بما يحصل في الداخل من «معارك» وسجالات وصراعات تتمّ عبرها «تصفية» بعض الحسابات الثقافية، العامة والخاصة والجانبية. بل إن ما يهمّ المثقفين العرب هو ما يلمسونه ويشاهدونه من انجازات نادراً ما تتحقق في البلدان الأخرى عدا مصر. وقد نجح فاروق حسني في جعل المشهد الثقافي في الواجهة حتى بات الكلام يدور حول الثقافة المصرية مثلما يدور حول السياسة المصرية. وفي عهده «الطويل» استعادت القاهرة دورها العربي الطليعي وريادتها وانفتحت على الثقافات العربية بعد مرحلة من «الركود»، وراحت تستقطب المثقفين العرب، كتّاباً ومسرحيين وفنانين ومفكّرين... عادت القاهرة في هذه السنوات الى «المركز» بعدما أبعدتها مرحلة «التطبيع» السياسي الى الهامش وكادت تعزلها سياسياً وثقافياً.

المثقفون المصريون المعترضون على سياسة فاروق حسني لا يعترفون له بهذا الانجاز المهم، وفي رأيهم ان الانفتاح كان ليحصل في عهد فاروق حسني أو سواه. إنهم يأخذون عليه بقاءه طوال هذه الأعوام وزيراً، معتبرين أنه لولا مهادنته و «مسالمته» لما بقي كلّ هذه المدة. إنهم يرون فيه وجهاً آخر للسلطة التي يعارضونها، أو «القناع» الثقافي الذي ترتديه السلطة لتخفي وجهها الحقيقي. طبعاً يحق للمثقفين المصريين هؤلاء أن يعترضوا أو يحتجوا على فاروق حسني، فهو وزير «ثقافتهم» هم أولاً وإن كان وزير المثقفين العرب، كما يحلو للبعض أن يصفه. ولكن يحق للوزير نفسه أيضاً أن يرد عليهم وينكر ما يأخذون عليه... هذا سجال مصري داخلي وقد لا يكون المثقفون العرب أهلاً للمشاركة فيه، ليس لأنهم غرباء عنه فقط، بل لأنهم لا يملكون الحجة للتدخل في مثل هذه الشؤون، عطفاً على أنهم غير قادرين على الانحياز داخل هذا الصراع الى الوزير أو الى خصومه ما داموا لا يملكون الوثائق والذرائع. وهذا الصراع يعنف في أحيان فيتقاذف الفريقان التهم والأوصاف المقذعة، ولعلها ظاهرة لم تعرفها سوى مصر.

إلا أن فاروق حسني، مهما أخذ عليه المثقفون المصريون «المعترضون» من مآخذ ومهما سجلوا عليه من مواقف، يظل وزيراً نموذجياً في نظر المثقفين المصريين الآخرين والعرب، وانجازاته المهمة تدلّ على ديناميته وطليعيته وانفتاحه. انها انجازات لم تتوصل اليها أي دولة عربية. هذا ما يجب الاعتراف به جهاراً. يكفي أن يوكل فاروق حسني الى الناقد والمفكر جابر عصفور مهمة تأسيس «المجلس الأعلى للثقافة» الذي سرعان ما أصبح شبه «وزارة» صغيرة. وقد نجح عصفور في بنائه وترسيخه و «تفعيله» حتى بات منتدى للثقافة العربية والمثقفين العرب. واضحى المجلس في السنوات الأخيرة احدى «علامات» القاهرة وواحداً من صروحها الكبيرة، وصار يقصده المثقفون العرب ليتابعوا ندواته العربية والعالمية، ويتزودوا بما يُصدر من كتب معرّبة، منتقاة من آداب العالم وحضاراته. وأوكل فاروق حسني أيضاً الى بضعة من خيرة الأسماء المصرية مهمات أخرى مثل تأسيس المهرجانات والمعارض الفنية والمراكز الثقافية وهي لا تحصى، ومن أبرزها مهرجان القاهرة للسينما ومهرجان القاهرة للمسرح التجريبي... ناهيك بدار الأوبرا وعروضها العربية والعالمية. لا تحصى فعلاً انجازات فاروق حسني لا سيّما في حقل الترميم «الآثاري»، وقد عمل بجهد وأناة على انقاذ الآثار الفرعونية والاسلامية والقبطية التي تزخر بها مصر مواجهاً الحملات التي قامت ضده بشراسة.

عشرون عاماً مضت على تولي فاروق حسني منصبه وزيراً للثقافة. هذا رقم ليس بالسهل ويعرّض صاحبه للكثير من الاسئلة وربما الشكوك. لكن انجازات هذا الوزير – الفنان وحدها تدافع عنه. جاء فاروق حسني الى الوزارة عام 1987 مع رئيس الوزراء عاطف صدقي. ذهب عاطف وبقي فاروق. والآن أصبح أقدم وزير في الحكومة ولكن بروح شابة. ومثلما يُهاجَمُ اليوم، هوجم فاروق حسني حين تسلّم الوزارة. مثقفون مصريون كبار وعاديون لم يستوعبوا أن يحلّ فنان شاب في منصب حلّ فيه سابقاً طه حسين وفتحي رضوان وثروت عكاشة وسواهم... لكنّ فاروق حسني سرعان ما أثبت أن منصباً كهذا لا يحتاج الى أديب كبير بقدر ما يحتاج الى شخص عملي وحديث ومنفتح. وانطلق الوزير الشاب من تراث أسلافه وواصل المهمة بروح عصرية وحديثة.

وحدها نجاح العطار، وزيرة الثقافة السورية السابقة تجاوزت أعوام فاروق حسني العشرين، احتلت العطار المنصب زهاء أربعة وعشرين عاماً. هذه أيضاً أعوام طويلة. ونأمل ألا يبلغ فاروق حسني هذا الرقم، ليس لأنه لا يستحقه، بل لينجح في ترشحه الى منصب المدير العام لمنظمة اليونسكو عام 2009. وفاروق حسني يستحق فعلاً هذا المنصب، وقد يكون الوزير العربي المؤهل له، بعد أن أمضى ما أمضى في «سدة» وزارة الثقافة وأنجز ما أنجز وأثار ما أثار من سجالات ومواقف.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group