:التجديد الأخير 12:49 GMT - 2008/10/12


حال الطقس في 101 مدينة





سلبيات فرانكفورت

جابر عصفور      الحياة     2004/10/27

لم يخل تقديم الثقافة العربية في معرض فرانكفورت من سلبيات عدة لم تقض على الإيجابيات التي تحققت, وهي إيجابيات لا ينكرها إلا متحيز لا يري الأمور إلا من منظور واحد, ذاتي أو مغرض أو ضيق الأفق. لكن المؤكد أن هذه الإيجابيات السياسية والثقافية التي ذكرت نماذج دالة عليها, في المقال السابق, كان يمكن أن تتضاعف لو خلا الإعداد والتنظيم من هذه السلبيات التي عكّرت على النتائج الإيجابية, وحالت بين الذين تحمسوا للمشاركة في معرض فرانكفورت والوصول إلي ما حلموا به من حضور ثقافي قومي ناصع, وفاعل, وواعد, يتفق مع مستوي أمانينا وقدراتنا. ويبدو أن المسافة لا تزال بعيدة بين ما يمكن أن يتمنَّاه المثقفون, وما يمكن أن يحققه الإداريون من المنظمين الذين لا ينطوون على الحلم نفسه, أو الحماسة ذاتها, فيتحول أداؤهم إلي عمل لا يخلو من الشوائب أو النوائب في كل مجال ثقافي يفرضون أنفسهم عليه.

ولا يمكن عاقلاً أن يلوم الأمين العام للجامعة العربية, عمرو موسي وحده, على السلبيات التي لا يتحمل مسؤوليتها, فالرجل آمن بأهمية المشاركة العربية في معرض فرانكفورت, وتحمس لها حماسة ظهرت في كل المواقف, وتبرع لها بما يعادل ستين ألف دولار هي جائزته من إحدى الهيئات الثقافية, وتحمل في سبيل إنجاح هذه المشاركة الكثير من المنغصات والمضايقات والمواقف الصغيرة. ولم يفقد حماسته لحظة واحدة, ولا إيمانه بأهمية العمل الثقافي القومي في هذه المرحلة. ولكن المعاونين لعمرو موسي, والذين حملوا عنه عبء الإعداد والتنفيذ لم يكونوا في مستوي الحلم دائماً, ولا أهمية الحدث في كل الأوقات, فغلب عليهم الخيال التقليدي وعقلية الاتِّباع في غير حالة, وارتباك الأداء في كثير من المرات, وارتكاب الأخطاء التي أطاحت الكثير من الوعود. وقد يكون من الحق القول إن الخلل لم يكن راجعاً إليهم في كل الأحيان, فوزارات الثقافة العربية تتحمل بعض المسؤولية, لكن هذا البعض كان يمكن ألا يظهر له أثر سلبي مع حسن التنظيم ودقة الإعداد والخيال الابتكاري الذي غاب في تنظيم معظم الندوات والأمسيات والمحاضرات.

والسلبية الأولي - في تقديري - أن التخطيط لمعرض فرانكفورت اعتمد على منطق الكم لا الكيف, فتمَّ حشد أكثر من مئتي مثقف ومثقفة, مع عشرات من المعارض والعروض الفنية, وعدد كبير جداً من الندوات والمحاضرات والقراءات والأمسيات الشعرية, توزع على أماكن كثيرة جداً, منها: قاعة المؤتمرات, وقاعة الناشرين بالجناح العربي, وجناح مكتبة الإسكندرية, والركن الثقافي بالخيمة الأولي في ساحة الأغورا, ومسرح الأندلس بالخيمة الثالثة, والمتحف الألماني للفيلم, ودار الأدب, ومتحف الفنون التطبيقية, ومتحف الثقافات العالمية, ومكتبة فرانكفورت, وأخيراً, بعض الميادين. وبدا الأمر كما لو كان المخططون والمنفذون أرادوا الإبهار بكثرة العدد المبالغ فيه من المشاركين العرب, مع أن العدد في الليمون كما يقال, والكثرة الكمية الكاثرة للمشاركين لا تحقق نتائج إيجابية ثقافياً في كل الأحوال, خصوصاً عندما يكون الهدف هو التقديم الذي لا يكذب كي يتجمل, ويظهر الجوهر قبل العرض, ويعتمد على الأثر الكيفي الأعمق والأبقي لا الكمي الأسرع زوالاً.

وكانت النتيجة الطبيعية لمنطق الكم هي خلو الكثير من الندوات والأمسيات والقراءات من الحضور, والاعتماد على مجاملات الأصدقاء والصديقات - في الحشد المدعو - الذين حضر كل منهم لغيره على سبيل المؤازرة.

وترتبط السلبية الثانية المؤثرة بغياب هدف رئيسي من أهداف التجمع في فرانكفورت, وهو الهدف المرتبط بتقديم الوجه الحقيقي للثقافة العربية إلي القراء الألمان بوجه عام, والمثقف الألماني بوجه خاص, الأمر الذي يعني الحرص على حضوره بواسطة جهاز إعلامي قوي قادر على الوصول إليه واجتذابه من ناحية, وذهنية حوارية لا تفلت دعوة المثقفين الألمان في كل مجالات الثقافة التي جسدتها تجريدة المثقفين العرب إلي فرانكفورت. وللأسف, لم يحدث ذلك, ولم يفلح القائمون على التنفيذ في اجتذاب الألمان إلي الندوات الثقافية وما صحبها من أمسيات وقراءات, ولم يحدث حوار بين ممثلي الأنواع الأدبية المختلفة في الأدب الألماني ونظرائهم من العرب, وهو الأمر الذي حدث في اللقاءات التي لم يشرف عليها - لحسن الحظ - خبراء جامعة الدول العربية, والتي شاركت شخصياً مع غيري في بعضها. والأطرف من ذلك أن تصميم الندوات لم يتضمن جلسات حوارية بين الروائيين الألمان والعرب, أو بين المسرحيين في الثقافتين, أو بين الشعراء العرب ونظائرهم, ولا تضمن مناظرات ثقافية بين شخصية عربية بارزة ثقافياً وشخصية ألمانية موازية. ولذلك بدت الأنشطة الثقافية العربية (في الندوات والقراءات) كما لو كانت - في الأغلب الأعم - مونولوجاً أحادي الاتجاه, طويل الرجع, المتكلم فيه هو المستمع, والمتلقّي هو الـمُـرْسِل. واقترن بذلك أن المتنفذين التابعين لجامعة الدول العربية لم يفرقوا - في الجلسات الحوارية القليلة جداً التي أقاموها - بين المبرزين ثقافياً بحق والمرضيّ عنهم سياسياً أو اجتماعياً, فأتوا بمن تصوروهم أعلاماً أو نجوماً ولم يكونوا كذلك من وجهة نظر المثقف الألماني الذي لا يؤثر فيه قرب هذا المتكلم أو ذلك من نظام الحكم في بلده, وإنما قدرته على تقديم فكر أصيل أو رؤية عميقة أو منظور جديد مختلف. ولنتخيل, في مقابل ذلك, ماذا كان يحدث لو حدث حوار بين غونتر غراس - مثلاً - ونظير له في الرواية العربية, أو بين كورت درافرت وعادل قراشولي اللذين سبق لهما الحوار شعرياً في ديوان مطبوع بواسطة معهد غوته. وتخيل - مثلاً - طبيعة الإضافة التي كان يمكن أن تنتج لو أشركنا المثقفين الألمان في الحوار حول موضوع لا نزال نختلف فيه, وحوله, وهو علاقة اللغة بالهوية في الكتابة وهو الأمر الذي جعل غلاة القوميين يخرجون كتابة أمثال: بن جلون وآسيا جبار وأمين معلوف وإداورد سعيد وأهداف سويف وعادل قراشولي وغيرهم من جنة الهوية القومية لأنهم يكتبون بغير اللغة العربية, وهي الشرط الأول لهوية الكتابة في نظرهم.

والمضحك - حقاً - أن اتحاد الناشرين العرب مع مسؤولي الجامعة العربية ذهبوا إلي فرانكفورت بعد أن نسوا وعودهم بترجمة خمسمئة كتاب من العربية إلي الألمانية, والحمد لله على أنهم لم يفعلوا ذلك, وإلا كانت المجاملة أفسدت المحاولة. ولكن النتيجة النهائية كانت معيبة فلا كتبَ إبداعيةً أو فكريةً ترجمناها بمناسبة المؤتمر, وتمخض اتحاد الناشرين العرب فولد وعوداً غير محققة وعجزاً في الأداء. وإلا فمن المسؤول عن الاختيار العشوائي للعشرة آلاف كتاب التي عُرِضْت لتمثيل الكتاب العربي. لقد وقفت طويلاً أتأمل العناوين, وأقرأ المجلد الضخم الذي حواها, وأعجب من سوء الاختيار في حالات كثيرة وعناوين لافتة. وتأكدت من "هرغلة" الاختيار وارتباك المنظور, وعدم وضع طبيعة القارئ الألماني أو ثقافته في الاعتبار. وكان واضحاً تعمد إبراز ما لا ينبغي إبرازه, وحجب ما لا ينبغي حجبه. وكان تكديس الكتب المعروضة في أجنحة الأقطار العربية الدليل الأول على غيبة الحس الفني وغلبة منطق الكم, الأمر الذي كان يمكن ملاحظته بالمقارنة بين الأجنحة العربية - حيث التكديس وعشوائية العرض وكثرة مطبوعات الدعاية الحكومية ومؤلفات رؤساء بعض الدول - والأجنحة الأوروبية - حيث النظام والأناقة والإحساس الجمالي الذي يمتد إلي كل شيء ويتناسب مع الاختيار المدروس للمادة المعروضة.

ومن المضحكات الدالة أن اتحاد الناشرين العرب (وحتى الأليكسو العربية أو المشرف التنفيذي) لم يفكر في عمل بيبليوغرافيا بالكتب المترجمة من العربية إلي الألمانية. وهو عمل أولي كان يمكن أن يعين المنظمين على تحديد المشاركين على أساس أكثر موضوعية من التخبط الذي حدث. وقد انتبه إلي الأمر شتيفان فايدنر فقدّم هذه البيبليوغرافيا التي أشرت إليها في مقال سابق. وكان ذلك قبل أن يصدر المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة - من دون تكليف من أحد - الببليوغرافيا التي وزعناها في المعرض بقدر الاستطاعة. ولو اهتم المسؤولون بمثل هذه البيبليوغرافيا لاكتشفوا الجنود المجهولين الذين أسهموا في تعريف القراء الألمان بالأدب العربي وقاموا بتكريم أمثال دوريس كيليا وهارتموت فاندريش وشتيفان فايدنر وريجينا قراشولي وسليمان توفيق وهيلغا فالتر ومونيكا هوفمان وغيرهم, وأكرموا ذكري ناجي نجيب, وأدوا واجب الشكر للمثقفين العرب الذين استقر بهم المقام في المانيا, وأثروا أدبها بإبداعاتهم بلغتها, كما نقلوا إليها نتاج أقرانهم من الذين بقوا في العالم العربي المملوء أخطاء.

وللأسف, لم يحدث شيء من ذلك. شكا لي هارتموت من الطريقة التي تم بها الاحتفاء به, ناهيك عن فضيحة محاولة من لا يعرف منع عبده عبود من الكلام عن إنجازاته. واشتركت دوريس كيلياس معنا في ندوة عن "الأنا والآخر في الرواية". وفوجئ الحضور عندما عددت لهم ترجماتها (أكثر من 18 رواية لنجيب محفوظ وحده, وروايتين لكل من جمال الغيطاني وإبراهيم أصلان وميرال الطحاوي وإملي نصرالله, وواحدة لكل من يوسف القعيد وبهاء طاهر ومحمد شكري, ناهيك عن بقية الترجمات) واحمر وجه الأستاذة الفاضلة من الامتنان للتصفيق الذي كان احتفاء بها منا نحن الذين نعرف قدرها, بعيداً من المتنفذين الذين ملأوا أجهزة الإعلام العربية بالكلام لا الأفعال.

وللأسف, خلط هؤلاء المتنفذون بين السياسي بمعناه الضيق والثقافي بمعناه الأعمق, وشاركتهم في اقتراف ذلك وزارات الثقافة التي لا تعرف احترام الاختلاف أو تفضيل القيمة الثقافية على أي اعتبار مغاير. وقد عرفت بحكم مشاركتي - مرة - في لجنة اختيار الأسماء المرشحة الحساسيات الطائفية التي تدخلت لاستبدال هذا الكاتب بذاك, والحساسيات السياسية التي استبعدت هذه الكاتبة أو هذا الكاتب وجاءت بغيرهما. أضف إلي ذلك لعبة التوازنات التي لا بد من أن تراعي تقارب الأنصبة العددية في المشاركة, بين الأقطار العربية بعيداً من أي فهم أصيل للتمثيل الثقافي الذي لا بد من أن يستغني بالبعض عن الكل. وقد برز السياسي في أقبح وجوهه في أجنحة بعض الأقطار العربية التي أساءت بقصد أو بغير قصد, وبعض التصريحات غير المسؤولة من بعض المسؤولين, وبعض المحاضرات المعادية لمعني الحوار الثقافي في بعض أجنحة دور النشر العربية. وكان تصاعد السياسي الهزلي واضحاً في هرولة المتنفذين وراء المسؤولين الكبار, والاحتفاء المبالغ بهم, في مقابل المعاملة غير اللائقة - في حالات كثيرة - للمثقفين الذين كانوا - وحدهم - صناع الإنجازات الإيجابية في معرض فرانكفورت, وخير رسل للثقافة العربية إلي العالم الغربي في ألمانيا.

ولعل درس السلبيات التي حدثت في التمثيل الثقافي في معرض فرانكفورت تنبّه المخلصين من المسؤولين الكبار, وعلى رأسهم عمرو موسي, إلي خطأهم في اختيار من عاونوهم. ففرار معظم المشرفين على قاعات المحاضرات من ممثلي الأقطار العربية المختلفة كان لافتاً, والفوضي التي انتهي إليها الكثير من الندوات والأمسيات والقراءات كانت مضحكة مبكية, فلا ترجمة في حالات كثيرة لأن المسؤولين التنفيذيين قصروا أو تكاسلوا في المتابعة, والترجمة رديئة في حالات موازية بسبب سوء اختيار متعهدي الترجمة, وغياب الترجمة بوجه عام كان في كثير من الحالات التي شهدت بعضها بنفسي, ذلك على رغم وجود ترجمة, أحياناً, لكنها لم تصل إلي المترجم أو ضاعت. والحكايات عن ذلك كثيرة, تبعث على الضحك المؤسي. والإعلان عن ندوات تم إلغاؤها ظاهرة متكررة في بلد عُرف بالانضباط, بل الصرامة في الانضباط. والأخطاء الفادحة في أسماء المشاركين من المثقفين تضحك الثكلي كما يقول العرب القدماء. يكفي أن أذكر أن الفهرس الأبجدي للضيوف أخرجني من جامعة القاهرة وجعلني أستاذاً في الجامعة الأميركية, وجعل من أحمد حجازي كاتباً لعدد من مجموعات القصة القصيرة, ومن زميلتي هدي وصفي زوجة الأديب الحائز جائزة نوبل للآداب نجيب محفوظ, ومن أدونيس على أحمد أسبير بدل على أحمد سعيد اسبر, ومن رضوي عاشور متخصصة في الأدب الآسيوي, وأهم أعمال بهاء طاهر "الحب في المهجر" بدل "الحب في المنفي". وهذه عينة - فحسب - من فضائح التعريف بالمشاركين.

وثالثة الأثافي - كما يقول أسلافنا - هي الغياب الفاعل لجهاز إعلامي فاعل, فلا نحن كان لدينا علم مسبق بكثير من التفاصيل, الأمر الذي جعلنا نهيم على وجوهنا بعد حفل الافتتاح الناجح, فلا نعرف كيفية الوصول إلي مقر المشاركة العربية, ولا كان هناك من يقدم لنا نماذج مما تكتبه الصحافة الألمانية أو الإعلام الألماني عن حضورنا في المعرض وتأثيره. وقد صحبت سمير فريد - بصفته صحافياً - إلي مركز إعلام المعرض, فأخبرنا المسؤولون الألمان أن الجامعة العربية أو اتحاد الناشرين العرب كان يجب أن يشترك أحدهما أو كلاهما في خدمة خاصة يتولي المركز الألماني توفيرها لمن يريد في مقابل اشتراك, فتتوافر كل المعلومات المطلوبة والمقالات والتعلىقات والأحاديث والمقابلات التلفزيونية... إلخ بسهولة, وفي شكل يومي. وبحثنا عن مسؤول إعلامي واحد حولنا فلم نجد أحداً, ولم نسمع عن مركز إعلامي يعطينا ما نريد أن نعرف, أو يدبّر لنا أعضاؤه لقاءات مع أقراننا من المثقفين الألمان, أو حتى مع المبدعين والمبدعات العرب الذين يعيشون في الخارج. وكانت النتيجة أنني لم أسمع عن بعض العروض الفنية إلا بعد انتهائها, ولم أتمكن من مقابلة من أود مقابلته من الكتاب العرب المقيمين في ألمانيا ويكتبون بلغتها, كما يفعل غيرهم من الذين يعيشون في أقطار أوروبية أخري. واقتصرت معرفتنا بما تنشره بعض الجرائد الألمانية على ما نقله لنا بعض الأصدقاء الذين يعرفون الألمانية, والذين أبلغونا أن الفضل في إيجاب بعض الصورة التي نقلتها الصحافة الألمانية لا يرجع إلي متنفذي الجامعة العربية من بيروقراطيي العمل الثقافي بل إلي جدية هذه الصحافة وحرصها على المتابعة. وكانت هذه الجدية مثالاً آخر لنا في معرفة مأساة غيبة جهاز عربي فاعل إعلامياً يشملنا ويشمل الألمان الذين كانوا أكثر اهتماماً وكفاية في ما قصرنا فيه.

وختاماً, فأنا لا أهدف إلي إحصاء الأخطاء أو السلبيات في هذا المقال, وإنما أريد التنبيه إلي ما ينبغي تداركه في المستقبل, وعلى امتداد العام المقبل في فرانكفورت, والأعوام المقبلة في غير فرانكفورت, فلا نجاح ثقافياً مع سياسة الكم وغلبة العشوائية والمجاملة ومراعاة السياسة على حساب الثقافة ووضع الشخص غير المناسب في المكان اللامناسب.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group