«الواد والعم» رواية مفيد النويصر ... وجه الأم ضوء في السيرة المظلمة للفتى الهارب
سلمان زين الدين الحياة - 26/09/07//
يشكّل القهر السمة الغالبة على العلاقات الاجتماعية في رواية «الواد والعم» للكاتب السعودي مفيد النويصر (الدار العربية للعلوم ناشرون ومكتبة مدبولي)، ويتخذ أسماء كثيرة تختلف باختلاف طرفي العلاقة، غير أن ما يجمع بين الأطراف المختلفة التي تدخل في علاقات روائية هو أن قسماً منها يندرج في خانة «الواد» الطرف الضعيف، المقهور، المغلوب على أمره، وقسماً آخر ينتمي الى حقل «العم» الطرف القوي، القاهر، الغالب في هذه العلاقة. فالرواية هي هذه الشبكة المتنوعة من علاقات الضعف والقوة بين شخصياتها، القوي يُخضع الضعيف، وشريعة القوة وحدها السائدة، والبقاء للأقوى. أما الضعيف فيكون عليه أن يخضع أو ينتحر أو يهاجر. وبالدخول الى العنوان من النص، يقول النويصر على لسان راويه: «(الواد والعم)... اصطلاح شهير يعرفه الجميع في الحواري هنا، وربما خارجها أيضاً... ثنائية لا تخلو منها أحياؤنا، بل إن من لم يدخلوا عالمها يعدون استثناء بين الغالبية الساحقة التي ارتضت قانون (الواد والعم). ويقول: «(الواد والعم) شريعة صبيان الشوارع التي يتمتع أحد أطرافها بالقوة والسطوة...». (ص113).
هكذا، ترصد الرواية هذا النوع من العلاقات بتمظهراته الكثيرة. ومنها: القهر، القمع، الظلم، عدم الاعتراف بالآخر، التمييز العنصري... أي ترصده في تمظهراته الاجتماعية، فالقهر يولّد القهر، والمقهور قد يصبح قاهراً. وترصد الرواية هذا النوع من العلاقات في مواقع كثيرة من العالم المرجعي الذي تحيل اليه، في البيت، والمدرسة، والشارع والملعب، ومكان العمل. وترصده في تعدد طرفي العلاقة، فهي قائمة بين الرجل والمرأة، بين الأب والابن، بين الأخ الكبير وأخيه الصغير، بين رب العمل والعامل، بين المعلم والتلميذ...
وبذلك، يطرق النويصر باباً محرّماً بصراحة صادمة، ويضع اصبعه على مكمن وجع مزمن ومنتشر في الجسم الاجتماعي، في دعوة غير مباشرة الى معالجته. وهو يفعل ذلك من خلال سرد حكايات الموجوعين/ المقهورين، على تنوع في القاهر والمقهور والقهر، مما يضيق المقام عن تناوله.
حكايتان متوازيتان
غير أن حكايتين اثنتين، احداهما مسرودة، والأخرى مكتوبة، تتناوبان الحضور في النص، تتقاطعان، تتوازيان، وتتماهيان أحياناً، وتكمل احداهما الأخرى لتشكلا الحكاية الرئيسة في الرواية. وهما حكاية سامي/ الراوي، وحكاية حسام/ المروي عنه. فالنص الروائي هو هذه العلاقة الجدلية بين الحكايتين، بين السرد والرسالة، بين المسرود والمكتوب، بين سامي وحسام، بين الذكريات المكتوبة بصيغة الرسالة لحسام والوقائع المتذكرة والمعيشة لسامي. وكأن الشخصيتين شخصية واحدة أو أن احداهما مرآة الأخرى لولا اختلافات طفيفة في التفاصيل والجزئيات.
سامي راوي الحكاية وبطلها يروي حكايته منطلقاً من نقطة محددة في شبابه، مستعيداً محطات من طفولته وصباه، متابعاً السرد حتى لحظة خروجه من البلاد لاجئاً انسانياً. ويتبين من حكايته أنه عاش طفولة قاسية تضافرت فيها قسوة الأب وقمع الأخ الكبير فخرج من البيت رفضاً للقهر، وطلباً لحياة كريمة حاول أن يحققها عبر العمل، ومن ثم عبر السفر وطلب العلم حتى كان له ما أراد. غير أن الماضي الأليم ما برح يطارده حيثما حل وينغّص عليه حياته. وحدها الأم شكلت نقطة الضوء في ذلك الماضي المظلم، وكثيراً ما حنّ الى هذه النقطة بالذات، فعلاقته بماضيه هي علاقة ملتبسة حالت دون تصالحه مع حاضره وواقعه، وبات هذا الماضي يتجسد في كثير من محطات الحاضر. وهو بين نفور منه وحنين الى جزء محدد فيه.
وحين يحقق سامي نجاحاً في دراسته ويعود ليخبر والده بنجاحه علّه يتصالح معه يُفاجأ أن الموت سبقه اليه، فيحزن عليه رغم قسوته ويتصالح مع أبيه بعد موته الأمر الذي لم يستطع تحقيقه في حياته. ولعل وصوله متأخراً مضافاً اليه عدم تكيّفه مع واقع بلده يجعله يغادره مجدداً بداعي اللجوء الانساني الى عالم آخر ما يشكل إدانة صارخة للواقع، ورفضاً لعلاقات «الواد والعم» المنتشرة فيه. غير أنه يعكس في المقابل شخصية سلبية/هروبية تؤثر الهرب على المواجهة، وقد يبرر لها ذلك عدم تكافؤ القوى بين «الواد» و «العم».
وبالتزامن مع هذه الحكاية، تقول الرواية حكاية حسام الفتى الأسود ابن الطقطاقة وضحية الأب الهارب الذي لم يجرؤ على الاعتراف بابنه لسواد لونه ووضاعة أمه حتى بلغ به الأمر حد تغيير اسمه هرباً من تحمّل المسؤولية. وهذه الحكاية تشتمل عليها رسالة حسام الى سامي، وتحضر الحكايتان في النص بالتعاقب، فيُورد الكاتب مقاطع من حكاية الراوي وأخرى من حكاية كاتب الرسالة، فيتناوب السرد والرسالة على النص. وتدخل الحكايتان في علاقات التشابه والتقاطع والتماهي والافتراق، وقد يقوم الراوي بمحاورة الرسالة والتعليق عليها. فسامي وحسام أحدهما مرآة الآخر أو هما وجهان لعملة واحدة. غير أن حسام الذي يعاني عدم اعتراف الأب والتمييز العنصري ووضاعة مهنة الأم، ويفشل في الحصول على هوية ودراسة وعمل، ويشكل ضحية الأب والمجتمع، ويفشل في التصالح مع واقعه ومجتمعه يقرر الانتحار احتجاجاً على دور «الواد» الذي فرضه عليه «أعمام» كثيرون، وتدفعه الظروف الى أن يكون بدوره شخصية سلبية أخرى.
وعلى هامش هاتين الحكايتين، تحفل الرواية بمقارنات بين العالم المرجعي الذي تحيل اليه وبين العالم العربي حيث تحفظ كرامة الانسان حتى في حالة الخطأ فيخطئ مختاراً لا مدفوعاً الى الخطأ. ولعل قرار الراوي اللجوء الانساني الى الغرب في نهاية الرواية يشكل اعترافاً بعدم وجود علاقات انسانية في مجتمع تحكمه علاقات «الواد والعم». وهنا، تقتضي الاشارة الى أن الاعجاب بأنماط العلاقات في المجتمع الغربي لا يبرر السقوط في التعميم الذي تمارسه الرواية في رؤية مجتمعها، فلا ترى فيه سوى تنويعات على علاقات «الواد والعم»، وتقوم بمحاكمة الكل من خلال الجزء، وتصدر عن رؤية روائية مبالغ بها للواقع. ومع هذا، يُسجل للروائي جرأة في مقاربة موضوعات لا تزال في باب المحرمات ويتجنب كثيرون الاقتراب منها.
|