معرض في القاهرة بعد معرض ألماني ... الرسام المصري محمد عبلة يرثي «العائلة» المهددة بالزوال
القاهرة - فاطمة ناعوت الحياة - 20/11/06//
 |
| لوحة للرسام المصري محمد عبلة من معرضه |
إذا كان عادل السيوي حاول الفرار من الواقع الفنيّ المصري الراهن بكل تعاسته وفقره إلى حيث ثراء أو رقيّ الماضي الجميل بسمو فنانيه الحقيقيين ورموزه السامقة في معرضه الأخير «نجوم عمري» الذي أقامه قبل شهور، فإن الفنان المصري أيضاً محمد عبلة قد اعتمرته النوستالجيا ذاتُها في معرضه الحالي «العائلة» المقام في «قاعة الزمالك للفن». يقول المؤرخ الفني الألماني أوتي البسهاوزن في مقدمة كتاب «محمد عبلة... رحلة مع الحياة والفن»، الصادر في ألمانيا هذه السنة في ثلاث لغات في مجلد واحد هي الألمانية والإنكليزية والعربية تزامناً مع معرضه ما قبل الأخير في قاعة هوهمان في مدينة هانوفر الألمانية، «إن أعمال محمد عبلة الأخيرة تأتي كتعبير قويّ عن الحنين إلى «قيم جميلة بدأت تندثر».
ومحمد عبلة، المولود عام 1953 في محافظة المنصورة المصرية، هو صاحب «تمثال سيزيف» الذي يتوسط أحد ميادين مدينة فالسروده الألمانية وجاء يمثل تماماً تركيبة صانعه الإنسانية والفنية، تلك التركيبة التي تجمع بين السخط على ما آل إليه العالم من عنف وتعاسة وتشظ وفُرقة والتفاؤل السيزيفيّ السرمديّ الآملِ بغدٍ أفضلَ، قد لا يجيء. إنها العائلة المصرية القديمة التي تشكل ملامح الطبقة البرجوازية الوسطى وما تحتها. تلك التي بدأت تذوب وتنسحق بين رحى طبقتين ولمصلحة تضخمهما. تمثل إحداهما الطبقة الرأسمالية الطفيلية التي صعدت في سبعينات القرن الفائت لتسود ميادين الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وتمثل الأخرى طبقة المعدومين فقراً وجهلاً، وباتت تمثل الشريحة الكبرى بين طبقات مصر. ولن نخوض كثيراً في أسباب ذوبان تلك الطبقة الطليعية التي كان يخرج من عباءتها الثوريون والكتّاب والطليعيون من أبناء مصر، لكن المؤكد أن فترة الحكم الساداتي ساهمت في شكل أساسي في انهدام الهرم المجتمعي الهيراركي في مصر.
في معرض «العائلة» الذي يقدم فيه عبلة أكثر من ستين لوحة في مختلف الأحجام والأنماط الفنية لا مناص لك من أن تشعر بدفء حميم منذ ولوجك قاعة المعرض. دفء منشأه حالُ نوستالجيا عارمة تتلبسك منذ اللحظة الأولى لأنك حتماً ستجد أباك أو أمك أو خالتك أو ابن شقيقك ضمن هذه الوجوه. بل ستجد نفسَك رأساً أمام نفسِك في طفولتها. حولك الآن العيون المصرية الطيبة المُحبّة بكل ما تحمل من إرث تاريخيّ عريق وقهر سياسي متراكم وذكاء وتوقد وأمل في الغد. ترابُطُ واندماجٌ وتآزر غابت كلها عن الأسرة المصرية الراهنة التي تشظت وتفتت. وهي رسالة يوجهها عبلة الى أبناء هذا الزمان. حولك الآن كلُّ أنماط الأسر كمّاً وكيفاً ما دامت تندرج تحت الطبقة الوسطى وما تحتها قليلاً. إحداها أسرة كبيرة العدد مترامية الأطراف تجمع الزوجة والزوج والأولاد والجدين والجدتين والخالات والعمات أو بعضهم. وأخرى فقدت أحد أقطابها فتجد الأب يحمل رضيعاً فوق ذراعيه بينما طفل في الثالثة يتعلق بطرف ثوبه. ونحدس أن الأم قد غيّبها الموتُ عن المشهد، فارتسمت ظلال الحزن والفقد في عيون الصغار. أو نجد أمّاً مع أطفالها وقد غاب الأب عن اللوحة لنقرأ في عينيها الحال كاملةً. فلو أن عينيها تكسوهما سُحبُ الحيرةِ والألم مع شيء من التحدي والإصرار على السعي، فالأب ترك لها الحِمل ولملم أغراضه ليترك الحياة بحلوها ومُرِّها. ولو أن العينين تمرحان بفيوض الأمل والرغد فلربما الأب هو من يقف خلف الكاميرا ليلتقط هذا المشهد الفرِح لأسرته الصغيرة. العيون تتكلم أكثر مما تتكلم الشفاه، وتحمل التاريخَ والمستقبل كاملاً أكثر مما تحكي الروايات والحواديت.
تجمع اللوحات بين تقنيات عدة من بينها الزيت على «التوال» أو الأكريليك على القماش المطبوع والكثير منها جاء رسماً بالألوان فوق صورة فوتوغرافية ضخمة تمثل مشهداً من أحد أحياء القاهرة. ومنها اللوحة التي صنعتها شطحةٌ فنية مجنونة من شطحات عبلة حين رسم أسرة كبيرة العدد على شاطئ حيث الابنة والابن في لباس البحر وتظهر في الركن السفلي عوامةُ السباحة وشمسية ملونة ضخمة مما نراه على بلاجات المصايف بينما الخلفية شارع قاهري يطل على كورنيش النيل وسيارات ومارّة ومئذنة ونخيل! هكذا يجمع عبلة ما لا يجتمع بصريّاً ومنطقيّاً في كثير من اللوحات. لكن السائد في كل تلك العائلات بعضُ سمات تميز العائلة المصرية الوسطى لا سيما في النصف الأول من القرن الماضي حيث كل الرجال بشوارب، بعضهم وضع الجبّةَ والقفطان أو الجلباب القروي، وبعضهم ظهر في بذلة إفرنجية وطربوش شأن موظفي ما قبل الثورة. تجاور القسُّ مع الشيخ الأزهري في إحدى اللوحات وهي رسالة أخرى بليغة يوجهها عبلة الى مصر الراهنة. أما النساء فطيبات الملامح يملن الى الامتلاء. منهن من يظهر شعرُها المعقوص بضفيرة ومنهن من يختفي شعرها وراء منديل شعبي الطراز، وهن من يمثلن الطبقة الوسطى في درجتها البسيطة، فيما الملامح المصرية من حيث اللون القمحيّ للبشرة والعيون السود والشعر الأسود لم يفلت منها وجه.
يقول محمد عبلة عن «العائلة»: «في غالب الأحيان يبدأ الفنان عمله بأفكار شخصية جداً. لكنه حين يغوص في داخله يأخذه الفن إلى عالمه حيث تتسع الرؤى وتتداخل معطيات كثيرة في تكوين اللوحة. حاولت في معرضي أن أعيد علاقتي بالواقع وبالواقعية ذاتها من خلال الصورة الفوتوغرافية. وأن تكون خلفية اللوحة جزءاً رئيساً في بناء العمل. العائلة هي عائلتي، طفولتي وطفولتنا، الأمل في انتقال القيم إلى الأجيال المقبلة على رغم كل الحنين إلى الماضي الواضح في هذه الأعمال، إلا أنها في صميم البحث عن لغة للمستقبل».
|