جنجاويد السودان من مخلفات علاقات مريرة بين شمال افريقيا وجنوب الصحراء
جان – بول نغوبانديه، «لوموند» الفرنسية الحياة - 07/03/07//
تقود نظرة عابرة الى خريطة افريقيا الوسطى الى الإقرار بحقيقة ظاهرة: منطقة دارفور كلها وضواحيها قليلة السكان، فجمهورية افريقيا الوسطى يكاد ثلث مساحتها، البالغة 623 ألف كلم2، خالياً من السكان. وهؤلاء يقتصر عددهم على 70 ألفاً (نظير 200 ألف كلم2). وإلى اليوم، قد يجتاز راكب السيارة 100 كلم من غير ان يصادف قرية واحدة. وهي حال منطقتي سلامات وبحر الغزال في تشاد والسودان. وطوال ستة قرون كانت دارفور قلب تجارة رقيق أسود مزدهرة. وهي لم تكن مركز اسواق الرقيق ولا المصدّر الوحيد الى الشرقين، الأدنى والأوسط. ولكن اثر سوق دارفور في افريقيا الوسطى كان قوياً. فقوم البانداس منتشرون في مواطن كبيرة، منها الجنوب الغربي المليء بالغابات، بعيداً من مواطنهم الأصلية. وحفظت الأخبار والروايات اصداء حرب البانداس من بلادهم الأولى، وغزوات تجار الرقيق، وترحالهم على غير هدى. ولا تزال المغاور والكهوف التي حفرت ملاذاً من مطاردة التجار، مرئية وظاهرة الى اليوم. ولا تزال ندوب هذا الزمن في الوجدان الجمعي لم تلتئم. ولا ريب في ان انتهاكات الجنجاويد توقظ في السكان ذكريات أليمة.
والحق ان مسألة تجارة الرقيق بين وسط افريقيا والشرقين تنوخ بثقلها على علاقات سود افريقيا بالعالم العربي، ولعلها تتصدر معوقات الاندماج الافريقي. ومنظمة الوحدة الافريقية، وهي اسست بأديس ابابا في 1963، لم تلبث ان خيب الآمال الحارة التي نيطت عليها. واضطلع التباس علاقة افريقيا السوداء، جنوب الصحراء، بشمال افريقيا، ودولة عربية وبيضاء، بدور راجح في الإخفاق هذا. وفي أثناء الحرب الباردة، دعت منظمة الوحدة الافريقية الدول الأعضاء الى قطع علاقاتها بإسرائيل، غداة حرب تشرين (أوكتوبر) 1973، على رغم تعاونها المثمر، في حقول الأمن والزراعة والتأهيل، مع الدولة العبرية. والقرار هذا أملته مصر والجزائر. وهو غذى الشكوك والريبة بين شطري افريقيا. ولم تُطو الى اليوم ذيوله.
وتناولت المناقشة في السنوات المنصرمة، تجارة الرقيق الأطلسية. وأقر الأوروبيون بصفة التجارة المثلثة الجرمية، وأدخلوها بباب الجريمة في حق الإنسانية. وعلى خلاف التجارة الأطلسية، يلف الصمت التجارة الأوسطية. ويتذرع دعاة الصمت بالتضامن الافريقي. وكان الطلاب الافريقيون الذين يتجرأون، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، على الإشارة الى المسألة، يتهمون بالتواطؤ مع الصهيونية. والمقارنة مع التجارة الأطلسية جائزة، على رغم تنظيم هذه المحكم. ولكن الأولى دامت زمناً مديداً. وهي سبقت اسلمة افريقيا، ودخول الافريقيين الإسلام وتدينهم به. فلا تبعة، والحال هذه، على الإسلام. وضحايا الجنجاويد من الافريقيين بدارفور هم من المسلمين. فلا يعتد، والحال هذه، باستنكار المستنكرين في كل مرة ينبّه فيها الى دور العامل العرقي في نزاع دارفور. فالجلي ان ازدراء حياة السود الافريقيين إنما هو من مخلفات عصر الاسترقاق والاستعباد.
وهذا العصر لم ينصرم. فموريتانيا، وهي ألغت الرق في 1981، ترددت اصداء القانون وانتهاكاته في حملتها الانتخابية الأخيرة. وبلدان شمال افريقيا تستقبل المهاجرين من سكان جنوب الصحراء بما ينكأ الجروح، ويدل على دوام الصدع. ولا جدال في ان وحدة متينة وثابتة تفترض ركناً تاريخياً لحمته الصراحة والحقيقة. فلا مناص من ان تدين البلدان العربية الافريقية هذه الصفحة إدانة صارمة. ولا عذر لها إذا هي لم تتم الإدانة هذه بإدانة فعلة الجنجاويد، وفظاعاتهم، من غير مواربة ولا أعذار. ولا سبيل الى حياة مشتركة غير هذا.
(رئيس حكومة جمهورية افريقيا الوسطى سابقاً)، «لوموند» الفرنسية، 28/2/2007
|