جمعتهم انتصارات أوسكار السنة الماضية ويتواجهون في أوسكارات السنة المقبلة ... الاخوان كوين يسخران من «السي اي ايه» وكورماك ماكارتي يصور عالم الكارثة
إبراهيم العريس الحياة - 03/10/08//
قبل فترة قريبة كانوا معاً. جمعهم فيلم واحد... وأثمر تعاونهم عن جوائز أوسكار عدة جعلت من ذلك الفيلم واحداً من أهم الأفلام الأميركية التي حققت خلال السنتين الماضيتين. هم الكاتب كورماك ماكارتي، والسينمائيان ايتان وجويل كوين. أما الفيلم فهو «ليس هذا وطناً للعجائز». والحقيقة أن ما من أحد قبل ظهور هذا الفيلم كان يتوقع أن يحصل ذات يوم نوع من التعاون بين قلم ماكارتي وسينما الأخوين كوين. ففي السنوات الأخيرة بدا على الأخوين اللذين يحضران بقوة في السينما الأميركية المميزة منذ سنوات طويلة، إنهما يتجهان في مواضيعهما وأساليبهما السينمائية وجهات من الصعب أن تلتقي، ليس فقط مع أدب ماكارتي، بل كذلك مع سينما بداياتهما التي طبعتها أفلام مثل «معبر ميلر» و «فارغو». ولكن فجأة ومن دون مقدمات اشتغل الأخوان كوين على واحد من نصوص ماكارتي المشهورة بعالمها العنيف والكئيب في آن معا. ونجحت المعادلة، بل أعادت الى الأذهان عالم كوين القديم، من دون أن تخلو من تلك الإشارات التي طبعت سينما الأخوين في أفلام لاحقة لهما مثل «قتلة السيدة» و «الحلاق» وغيرها. وأتت أوسكارات الدورة الماضية لتتوج ذلك كله. ولكن، في الوقت الذي ساد التوقع بأن ذلك التعاون الأول بين ماكارتي وكوين، سيثمر مزيداً من التعاون، أتى الواقع ليقول غير ذلك، أتى ليضع كلاً من الطرفين في سكة مختلفة عن سكة الآخر. بل حتى ليضعهما على تجابه، أو ما يشبهه هذه السنة. إذ، ومن دون أية تنازلات، ها هو كل طرف منهما يعود الى عالمه السابق مباشرة، ليعلن منذ الآن أن العملين السينمائيين الناتجين عن هذا الافتراق، قد يكونان متنافسين في احتفالات الأوسكار أوائل السنة المقبلة. ومعنى هذا أن كلاً من ماكارتي والأخوين كوين، بدا أو يبدو متميزاً في عمله الجديد، وكأن الأوسكارات المشتركة أعطت الطرفين دافعاً قوياً، ليس للائتلاف من جديد، بل للغوص في إنتاج يحاول أن يتجاوز به سابقهما المشترك. طبعاً لا يمكن لهذا الكلام أن يوحي بأن ماكارتي سينمائي، أو بأن النص الذي انطلق منه إيتان وجويل كوين لتحقيق فيلمهما الجديد، يصلح لأن يكون رواية مطبوعة تصل في مستواها الى مستوى أدب ماكارتي، الذي يعتبر اليوم واحداً من كبار الكتّاب الأميركيين، وآخر البراهين على هذا، فوز روايته «الطريق» بجائزة بوليتزر الأدبية الأميركية الرفيعة قبل سنتين. لكن الكلام يعني أن الجهد السينمائي الخالص للأخوين، أتى في عالم الفن السابع، موازياً لجهد ماكارتي الأدبي. أما الفيلمان اللذان نتحدث عنهما هنا فهما «الطريق» المقتبس عن رواية ماكارتي الأخيرة، و «أحرق بعد القراءة» المحقق عن نص كتبه الأخوان كوين للسينما مباشرة. وهذان الفيلمان إذ يعرضان، تجارياً، في هذه الفترة بالذات، يأتيان معاً ليذكرانا بالتعاون الذي كان بين ماكارتي والأخوين كوين في رائعتهم المشتركة «ليس هذا وطناً للعجائز».
نجوم وأجهزة استخبارات
ونبدأ بفيلم الأخوين كوين، الذي أثار، منذ عرضه الأول في نطاق الدورة الأخيرة لمهرجان البندقية عاصفة من الإعجاب، حتى وإن لم تكن المقارنة بينه وبين سابقه، من إنتاج الأخوين، لمصلحته. على الأقل كانت لمصلحته المقارنة بينه وبين أفلام لكوين سابقة على «ليس هذا وطناً للعجائز»، مثل «قسوة لا تحتمل» و «أين أنت يا أخي». واللافت أن الأفلام الثلاثة معاً، أتت من تمثيل جورج كلوني، أحياناً في بطولة مطلقة له، وأحياناً شراكة مع نجوم آخرين. وهذه الحال الأخيرة هي حال «احرق بعد القراءة» حيث يجد كلوني نفسه في رفقة براد بيت وفرانسيس ماكدورماند، وجون مالكوفيتش وتيلدا سوينتون، في عمل متشعب الأبعاد، طريف ولئيم، في الآن معاً. أما لؤمه فيأتي من موضوعه: ذلك أنه إضافة جديدة الى تلك السلسلة الطويلة العريضة من أفلام همها الأول السخرية من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إي). وللوصول الى هذا ركب جويل وايتان كوين، حبكة يختلط فيها الشخصي بالعام، والاجتماعي العاطفي بالسياسي. ذلك أنها تدور من حول عميل في الوكالة، يجد نفسه خارج اللعبة بسبب إدمانه المشروب، وتقرر زوجته طلاقه، فيقرر أن يكتب مذكراته حول عمله مع الوكالة، من ناحية، وحياته الزوجية من ناحية أخرى. وهو إذ يكتب هذا كله على حاسوبه تتمكن زوجته بمساعدة عشيقها العامل في الخزانة الأميركية، من سرقة النص ومعه بعض الملفات الشخصية والعملية التي كانت في حاسوب الزوج. وهذه الاسطوانة سرعان ما تقع بين يدي موظفين في ناد للرياضة التجميلية، يكتشف أن بين الأوراق والملفات، ما هو عائد الى الحكومة ويتضمن أسراراً استخباراتية. وهنا يتفق مع صديقته وزميلته في العمل على ابتزاز صاحب الأوراق بغية الحصول على بعض المال. هكذا، إذاً، على طريقتهما المضادة، في أفلامهما الخفيفة، ولكن أيضاً في بعض أعمالهما الأقل خفة (مثل «ليس هذا وطناً للعجائز») يشعّب الاخوان كوين موضوعهما ويحولان بطولة الفيلم الى بطولة جماعية... حيث أن الشخصيات التي تحدثنا عنها أعلاه، تظهر كلها تحت أقنعة النجوم الكبار الذين جمعهم جويل وايتان كوين في هذا الفيلم، الذي - على رغم خطورة موضوعه المنطلق من فكرة سرية الأوراق الاستخباراتية والشعار الدائم لدى أجهزة الاستخبارات القائل، كما يشير العنوان، الى ضرورة إحراق الأوراق السرية بعد قراءتها -، يصل الى هذا الموضوع في طابع كوميدي ساخر، كان هو عنصر الجذب الرئيس في فيلم يطاول «الوكالة»، كما لم يفعل في تاريخ هوليوود سوى عدد ضئيل من أفلام طاولتها بالسخرية.
عالم ما بعد الكارثة
هذا الجانب الهزلي الساخر واللئيم، والذي كان الأخوان كوين قد أدخلا ما يماثله في كتابتهما سيناريو «ليس هذا وطناً للعجائز»، مقحماً أصلاً على عوالم كورماك ماكارتي، المكفهرة (وتحديداً من خلال رسمهما المدهش في ذلك الفيلم لشخصية القاتل العنيف، التي لعبها خوان بارديم وأعطته أوسكار أفضل ممثل ثانوي)، هذا الجانب ليس ثمة معادل له في فيلم «الطريق» الذي حققه جون هلكوت، عن رواية ماكارتي. فالمناخ هنا، في هذا الفيلم، مناخ كارثي، مناخ نهاية العالم، وعلى رغم أن الحكاية تدور على الطريق خلال رحلة خلاص يحاول أب نجا من الكارثة، أن ينقذ فيها ابنه الفتي من مصير مظلم كتب للناس أجمعين، فإن عالم الرواية - وبالتالي عالم الفيلم بالتأكيد - يبدو عالماً مغلقاً، يقوم على الرحلة وعلى الذكريات. ذلك أننا هنا في الفيلم الذي يلعب فيغو مورتنسن، الدور الأساس فيه، أمام ذلك الأب الذي يعيش الكارثة الجماعية التي حرمته من زوجته (تشارليز ثيرون)، نرافق الأب والابن في الرحلة التي «تعيش» خلالها الأم والزوجة التي فقدت، ولكن من خلال ذكريات الابن والزوج عنها. والحقيقة ان موضوع هذا الفيلم نفسه، ما كان ليسمح لمخرجه وكاتب السيناريو (جو بنهال) بإدخال أي عنصر مخفف، حتى ولو كانا أرادا ذلك تيمناً بما فعل الأخوان كوين، مع الفيلم السابق المأخوذ عن ماكارتي. وكتوضيح لهذا يروي هذا الأخير أنه كان قد قرر كتابة هذه الرواية قبل سنوات، حين كان في زيارة لمدينة «ال باسو» في تكساس عام 2003، مع ابنه. وفجأة راح يتصور ماذا ستكون عليه هذه المدينة، وغيرها في المستقبل أمام هول كارثة قد تحصل فيها فتدمر الحياة ومقومات الحياة. و «الحقيقة ان كل ما فكرت فيه في تلك اللحظة، يقول ماكارتي، كان ابني الفتي، ماذا سيكون مصيره، أي مستقبل ينتظره». وهكذا ولدت الرواية التي سرعان ما تلقفها القراء والنقاد بإقبال وثناء شديدين، على رغم أن موضوعها في حد ذاته ليس جديداً. والواقع أن كثراً من النقاد أشاروا، لدى الحدث عن هذا الفيلم الذي ستبدأ عروضه، الأميركية ثم العالمية خلال الأسابيع المقبلة، الى أن المهم هنا - في الرواية كما في الفيلم - ليس الموضوع، وإنما الصورة والتفاصيل. ولعل هذا ما يضع هذا الفيلم، في خانة واحدة، مع فيلمين آخرين يعنيان بكارثة جماعية ما، عرضا خلال هذا العام، إنما من دون أن يحقق أي منهما النجاح والثناء اللذين يتوقعهما كثر، منذ الآن لـ «الطريق»، وهما «الحدث» لنايث شيامالان، و «العمى» للمكسيكي مرييس، المأخوذ عن رواية صاحب نوبل للآداب خوسيه ساراماغو، الذي، منذ الصخب الذي رافق عرضه في افتتاح الدورة الأخيرة لمهرجان «كان»، سقط في ما يشبه النسيان. ولافت هنا أن هذه الأفلام تتشابه في كوارثيتها، لكنها تفترق تماماً في تقبل النقاد والجمهور لها. غير أن هذا ليس أمراً سنتوقف عنده هنا... ما يهمنا هنا، هو تلك الانطلاقة التي تضع رابحي أوسكار 2007/ 2008، على تجابه محتمل خلال التنافس في الأوسكارات المقبلة. والتي تضعهم أيضاً في تنافس في الصالات، حتى وإن كانت أسابيع تفرق مواعيد عروض واحدهما عن مواعيد عروض الآخر، كما يفرق بينهما واقع أن «احرق بعد القراءة» عرض وأشبع نقداً وردود فعل، فيما لا يزال «الطريق» في عالم الغيب، إلا بالنسبة الى حفنة من المعنيين المقربين، على عكس روايته المعروفة والمقدّرة بقوة. أما ما يبقى قوله، حول هذين الفيلمين، فهو أن ما يجمع بينهما هو كونهما معاً يعلنان، ومن جديد، انتصار السينما الجدية التي بات في إمكانها ان تكون شعبية وتلقى إقبالاً، في عالم يقال فيه أكثر وأكثر أن الأعمال الجدية والمشغولة بحرفية مؤكدة، لا مكان لها في السوق ولدى الجمهور العريض. إذ عكس هذا ما يؤكده، من ناحية النجاح المدهش لبعض أفضل أفلام الموسم الماضي، والنجاح الذي كان، وسيكون، من نصيب «احرق بعد القراءة»، ناهيك بما هو متوقع لـ «الطريق». وفحوى هذا الكلام هو أن من يحبون السينما التي تريد، بعد، أن تقول شيئاً، يمكنهم أن يطمئنوا: فهذه السينما في خير و... بالدليل الملموس.
|