موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 21:04 GMT - 2008/09/06

حال الطقس في 101 مدينة






الأغاني السياسية المصورة تستعيد «كيتش» الستينات مع بعض التطوير أحياناً فيديو كليبات حماسية تصلح للإذاعات العربية أيضاً

أحمد مغربي     الحياة     - 29/08/07//

عبدالحليم حافظ
عبدالحليم حافظ
ثلاث أفكار صغيرة لكنها أساسية يمكن التوقف عندها في ما يتعلق بنمط آخذ في التنامي من الإبداع الفني العربي. تقول أولى هذه الأفكار، اذاً، إن نوعاً فنياً يمكن تسميته «الفيديو كليب السياسي» شرع في تكوين ملامحه ضمن الموجة الراهنة من أشرطة الغناء التلفزيوني العربي، مع مساهمة لبنانية بارزة في تكوينه. وترى الثانية ان الملامح المميزة للفن التلفزيوني بدأت تظهر في «فيديو كليبات» تملأها تفاصيل الحياة اليومية وخفتها، وتميل الى كسر الصرامة والهيبة التي اعتادت أن ترافق الغناء الوطني أو السياسي. فالأرجح أن أشرطة مثل «لبناني وجبيني عالي» (إيوان) و «أهلاً إزيك» (شمس) و «غنينا وقلنا معك» (بريجيت ياغي)، هي أكثر تعبيراً عن مزايا الفن المتلفز من «الحلم العربي» (المجموعة) و «أحبائي» (جوليا بطرس) و «لبنان عسكرك جايي» (لور عبس)! تنطلق من هنا الفكرة الثالثة التي مفادها ان كثيراً مما يكرّ راهناً على الشاشات العربية من الفيديو كليب السياسي هي «تكرار» بصري للغناء السياسي في ستينات القرن الماضي، أي في مرحلة الراديو والسينما. الأرجح أن التكرار لا يصنع فناً، وأن أغاني الستينات السياسية كانت فناً أصيلاً وعميقاً يجد راهناً نظيره الفني المُتلفز في أعمال ايوان وشمس وياغي أكثر مما يجدها في فيديو كليبات المجاميع والعسكر والعلم وصور الزعماء والحشود وغيرها من العدّة المألوفة لـ «السياسي» في عالم العرب!

الفن في «تخبطه» المألوف

شيئاً فشيئاً، يُرسي الفيديو كليب وصُنّاعه، وبالتخبّط المألوف في ولادة الفنون، تقاليد الصنعة التي تُميّز الأنواع المختلفة لتلك الأشرطة وتفصلها عن بعضها البعض. كما هي الحال مع النوع الذي يمكن تسميته الفيديو كليب السياسي أو الوطني أو الملتزم أو ما شئت من التسميات. لن نتوقف هنا عند مسألة التسمية، لأنها موضوع نقاش طويل. وفي المقابل، من المرجح أن لا يصعب على مُشاهِدي أشرطة الغناء المُتلفز، وهو فن بصري حديث في بلاد العرب، التعرّف على هذا النوع عند مشاهدته. لماذا القول إن كثيراً من الفن، عموماً، يُصنع بـ «تخبّط»؟ ربما لأنه يُصنع بخليط مدهش من المزاج والحرفة والموهبة والاحتياج والرغبات المتناقضة والخروج عن المألوف والأنانية والمنافسة والسعي الى الرزق وغيرها.

في كثير من الأحوال، يُصنع الفن في المعنى الأصيل للكلمة الذي يُشير الى الابتكار والخيال الجامح، حتى من دون أن يعرف صُنّاعه أنهم يبتكرون فناً لم يكن موجوداً قبلهم. وتُذكر هذه المسافة بين الأعمال ومآلاتها بقول فيلسوف الماني في القرن التاسع عشر إن البشر يصنعون تاريخهم بأيديهم ولكنهم لا يصنعونه على هواهم! فمن كان يدري مثلاً أن أغنية مصنوعة على مقام طَرِب (مقام عجم) مثل «بلادي بلادي»، ستُصبح بداية لإنشاد من نوع لم يُعرف قبلاً، فيُسمى غناء وطنياً أو ثورياً أو سياسياً؟ وهل كان يمكن حينها للمُلحن الشاب سيد درويش، بعد أن صنع شيئاً ما يصلح لحفل يُشبه المناسبة الرسمية أن يدرك أن ما ابتكره بوحي من محبته للزعيم مصطفى كمال سيُصبح نشيداً تنتفض له الأبدان، بل رمزاً لبلد وأمة ومساراً لفن هائل؟ راهناً، يبدو وكأن الفيديو كليب السياسي بصدد التبلور. وفي هذا السياق، يظهر الأمر وكأن لبنان ينهض بالنصيب الأكبر من رسم الملامح المميزة ذلك النوع من الفيديو كليب.

قد يسهل القول ان هذا لا يبدو بعيداً من وقوف هذا البلد على خط الزلازل، في الجغرافيا والسياسة معاً، فهل يُفسّر ذلك فعلياً ما نُشاهده على الشاشات؟ ربما رأى آخرون أن لبنان يساهم في فن الفيديو كليب، عموماً، بنصيب وافر، وأن ذلك «يمتد» الى الأشرطة السياسية. مُجدّداً، يبدو هذا الكلام منطقياً، لكن هل هو حقيقي بمعنى التطابق مع ما يجرى فعلياً؟ هل العلاقة مع الفن هي بمثل ميكانيكية «الامتداد» ومباشرته؟ في رأينا، ان القول بـ «امتداد» الأثر اللبناني في الفيديو كليب، بدءاً مما تحققه نادين لبكي وجاد شويري وصولاً الى ما يصنعه ايوان وبريجيت ياغي، ومنهما الى مجمل الأشرطة التي يمكن ادراجها في خانة الغناء السياسي المُتلفز، هو أمر يثير الاهتمام، لكنه لا يزال في حاجة الى الكثير من التروي أيضاً. وفي المقابل، فإن ما يصنع في لبنان راهناً، بالنسبة لأشرطة الغناء السياسي ربما أثّر في مسار ظهور الفيديو كليب السياسي عموماً.

ويُشبه ذلك القول إن مصر تولّت، في أزمنة أزهى خيالاً، صنع الأغنية السياسية، بداية من «بلادي بلادي» للملحن المبدع سيد درويش، ومروراً بـ «وطني حبيبي الوطن الأكبر» للموسيقار محمد عبدالوهاب وعبوراً بـ «عَدّا النهار» لعبدالرحمن الأبنودي وصوت عبدالحليم حافظ، ومثلهما أغانٍ سياسية من أشعار أحمد فؤاد نجم وغناء الشيخ إمام، وما اليها.

وفي لبنان، تلت عملية اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري مجموعة من الفيديو كليبات ربما كان أشهرها «لا ما خلصت الحكاية» الذي تُركز مشاهده على عملية الاغتيال والتظاهرات المليونية التي تلتها للمطالبة بالحرية والاستقلال والسيادة. وعلى غرارها جاءت أعمال مثل «غنينا وقلنا معك» (بريجيت ياغي) و «بتبقى معنا» (ميكاييلا). لقد ركّزت بصريات معظم تلك الأغاني على مشاهد جريمة اغتيال الحريري وشخصه ومساره السياسي وأعماله وانجازاته وعلاقته بمدينة بيروت وما اليها. لا جديد فنياً عند الخيال العربي عن السياسي والوطني في تلك الأعمال. ومع هذا تفرّد عمل مثل «غنينا وقلنا معك» (اللحن للموسيقي الدؤوب أحمد قعبور) بتركيزه على الفريق الذي صنع مجموعة من أشرطة قصيرة ظهرت في الزمن السياسي للحريري تحت عناوين مثل: «عن إذنك نص دقيقة» و «لعيونك» و «معك» وغيرها. ولا تظهر فيه لا الجموع ولا التلويح بالأعلام ولا الأشياء «العظيمة» التي يدأب الخطاب الثقافي العربي على ربطها بالوطن والسياسة.

وفي سياق العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف العام 2006، ظهرت فيديو كليبات تُمجد المقاومة والجيش والصمود، وتعرض الخراب الذي أحدثه العدوان. وتُذكر تلك الأشرطة، وبمعنى التكرار، بالأفلام القصيرة التي رافقت أغاني الستينات، والتي يظهر فيها الخيال البصري التقليدي لمعنى السياسي في الخطاب العربي، وخصوصاً الأفلام التي عرضت مشاهد العدوان الثلاثي مع أغنية «الله أكبر» و «دع قناتي» وغيرها. يومها كما نتذكر رافق أغنية عبدالحليم حافظ عن العدوان الثلاثي فيلم يستهل بصور عن النيل وترعه يظهر فيه الرئيس جمال عبدالناصر مفاوضاً البنك الدولي ثم واقفاً في ميدان المنشية بالاسكندرية ليعلن تأميم قناة السويس ثم صور حرب العام 1956 والمدن المقاتلة على قناة السويس ثم الانتصار وغيرها.

يحتوي هذا الفيلم، الذي اعتاد كثير من صالات السينما عرضه قبل الأفلام في الستينات ثم انتقل الى التلفزيون لاحقاً، على معظم المكونات البصرية التي رسمها خيال أغاني الستينات، ويُشبهه الفيلم الذي رافق أغنية «طوف وشوف» للسيدة أم كلثوم. وتكتمل مشهدية الخيال البصري للسياسي في أغاني الستينات مع أعمال مثل أغنية «الوطن الأكبر»، حيث الغناء لمجموعة من المطربين فرادى ومجتمعين (عبدالحليم وصباح وشادية ونجاة الصغيرة وفايدة كامل)، مع أداء الكورس وعروض بالمشية العسكرية وزيها للمجاميع. وكذلك كُرس الفيلم الذي رافق أغنية «بالأحضان» لعبد الحليم لمشاهد فرق مُشاة الصاعقة المصرية العائدة من حرب اليمن.

تكرار...

إن كثيراً من الفيديو كليبات السياسية الراهنة لا يفعل أكثر من تكرار تلك المكوّنات الآتية من زمن الستينات، وهذا هو معنى الكيتش فعلياً. والأرجح أن وصف الكيتش البصري يصلح لفيديو كليبات مثل «اخترناه» (لطيفة وشيرين وجدي وآخرون) و «ما شربتش من نيلها» (شيرين عبدالوهاب) و «يبقى أنت أكيد في مصر» (بشرى ومحمود العسيلي وفريق «واما») و «في حب مصر والتاريخ» (محمد منير) و «ما منرضى الذل» (أمير يزبك) وغيرها. ويظهر التكرار الكيتشي الطابع أيضاً في سلسلة من فيديو كليبات عن الجيش اللبناني مثل «لبنان» (رياض العمر) و «طل الجيش اللبناني» (علاء زلزلي) و «من حقي أوقف أدافع» (وليد توفيق) وغيرها. وفي المقابل، فإن شريطي «لبناني وجبيني عالي» و «أهلاً إزيك» لم يلجآ الى عدّة الكيتش الستينية تلك، بل صنعا بصريات للسياسة من وحي الحياة اليومية بقراها ومدنها وسهراتها وعارضات أزيائها ومطرباتها ومصممي أثوابها، في شريط إيوان. أما «أهلاً إزيك»، فهي نص تصله السياسة عبر الصور التي ترافق كلاماً مملوءاً بالخفة والسخرية، وهما في القلب من سحر التلفزة وفنونها.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group