www.daralhayat.com     2008/09/08     03:48 GMT

ابحث عن

بحث متقدم

?????? ?? ???PDF
TheDaleel.com

مقاتل من الصحراء
موسوعه
"مقاتل من الصحراء"





برنامج "مدرسة الحياة"

old.alhayat.com

 

لا الحجاب ولا السفور من صميم نهضة الأمة...

محمد جابر الانصاري     الحياة     2004/01/7

هذا السجال الصاخب بشأن الحجاب الذي ينشغل به العرب والمسلمون في هذه الآونة, بينما اراضيهم محتلة وحقوقهم مضيعة وبقاؤهم مهدد ومكانتهم في العالم تحضراً واستقلالاً اكثر من مقلقة, هل من شأنه ان يقربهم من روح الاسلام وجوهره كرسالة تحرر وسمو واصلاح, او ان يخرجهم من بوتقة الضعف الاستراتيجي والحضاري الذي يعانونه حيال قوى العصر وحركة العالم؟

للنفاذ الى تغيير واقع الأمة, علينا ان نتبين ان مسألة الحجاب والسفور في اشكالها المظهرية والخارجية ليست هي المحك ولا في قمة الاولويات بالنسبة لمحنتنا الراهنة لا من وجهة نظر الاسلام في جوهره, ولا من زاوية التقدم في حقيقته. لعب الحجاب ويلعب دور "الرمز السياسي" للمعارضة والاحتجاج ــ كما حدث ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر ونظام الشاه في ايران ــ لكنه خارج نطاق الاحتجاج الرمزي لن يؤدي دور الفاعل النهضوي في أي مجتمع اسلامي. (اما فقهياً فهو مسألة تتعلق جوهراً بمفهوم الاحتشام لا بتفاصيل محددة للزي, ولهذا سيبقى من المسائل الخلافية غير القطعية من حيث شكله المحدد).

ومن المستغرب, بل المستهجن, ان نكرر ان الاسلام أعلى من شأن المرأة وصان حقوقها ــ وهذا حق ــ بينما المرأة المسلمة في واقعها تعاني الامرين امام المحاكم الشرعية في مشكلات الطلاق وتعسر النفقة وتشرد الابناء. اليس هذا مما ينطبق عليه قوله تعالى: "كبر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون", ما تفسير هذا التناقض الفضائحي في حياة المسلمين؟ ولماذا نفزع لحجاب المرأة ولا نفزع لمعاناتها القاسية وهي واقعة خلف اشنع الحجب انسانياً وقانونياً ونفسياً؟

اما من حيث استقراء الواقع في قضية الحجاب والسفور: فبإمكان المرأة المسلمة ان تضع الحجاب ــ او بالاحرى الخمار ــ وتخوض معركة التقدم والديموقراطية والانتاج, كما تفعل في ماليزيا المسلمة بنظامها الدستوري وبرلمانها الاتحادي وتعدد احزابها وتعايش أعراقها... وحفاظها في الوقت ذاته على جوهر رسالتها الاسلامية...

كما يمكن ان نرى نساء مسلمات يخلعن الحجاب, بل لا يراعين الحشمة ويظهرن في مشاهد اباحية, في مراقص بعض عواصمنا بينما واقع التخلف والضعف والذل يطبق على هذه العواصم ودولها وشعوبها, حيث هذا "التحرر" الجسدي الاستعراضي للمرأة أبعد ما يكون عن تحرير الروح والأرض والارادة والعقل من قيود الاستبداد الداخلي أو الخارجي.

وبالمثل فإن ابقاء النساء المسلمات محجبات, بل منقبات بالكامل, في مجتمعات اسلامية اخرى, كما فعل نظام "طالبان" في افغانستان بالإكراه لا يعني اطلاقاً ان رسالة الاسلام في التحرير والتحضر قد تحققت, او ان الأمة اقتربت شبراً من مقومات القوة في هذا العصر, فالعبرة بجوهر المشروع النهضوي للتغيير لا بمقاييس الحجاب النسوي في حد ذاته.

بينما في مجتمع مسلم آخر, نعايشه, كالبحرين ــ مثلاً ــ نجد ان المرأة البحرينية المسلمة ــ حسب توجهات الاصلاح في العهد الجديد بإتاحة حرية الاختيار للمواطن في مختلف القضايا ــ تستطيع ان تضع الحجاب, او اللباس البحريني التقليدي, او ان تظهر محتشمة بأزياء عصرية, وهي تقود سيارتها, سافرة كانت او منقبة حسب قناعتها وهي في طريقها الى عملها في المجتمع او الى مدرسة اولادها حيث توصلهم من دون الحاجة إلى سائقين أجانب يزيدون من حجم العمالة الوافدة وبالتالي من الخلل في التركيبة السكانية التي لا يعلم إلا الله متى ستنفجر كالقنبلة الموقوتة في المجتمعات الى تعاني منها... وهي حرية اختيار نجد مجتمعات اسلامية عدة تعمل على انمائها في ظل تعايش الاختلاف الذي لا بد منه للمسلمين في هذا العصر.

اذن فليست المسألة مسألة حجاب او سفور ــ وهو ما ناقشته المجتمعات العربية ومفكروها منذ بداية النهضة ــ فهذه مظاهر واشكال خارجية للفضيلة... الفضيلة الحقة التي يمكن ان توجد وراءها... او لا توجد... فبعض النساء في المجتمعات الاسلامية يذهبن اليوم في ظل الحجاب الى امكنة ليست فوق مستوى الشبهات, فهل سد حجاب هذا البعض منهن الذرائع المراد سدها؟ ام انه فتحها على مصراعيها؟ بينما سفور المرأة مع التزامها بالحشمة يبرز شخصيتها, ويضعها في دائرة المسؤولية, كإنسان يمكن التحقق من ملامحه وهويته. ويبقى الحكم في النهاية للقناعة الضميرية للانسان, رجلاً أو امرأة, سواء من منطق التكليف الالهي او المسؤولية البشرية, اما الباقي فمظاهر واشكال.

"ليس البر ان تُولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله..." الآية الكريمة (سورة البقرة 177). هذا الموقف القرآني في النفاذ الى الجوهر ــ جوهر الايمان والفضيلة والتحرر من عبء المظاهر والاشكال والجهات ــ بين مشرق او مغرب ــ سبقى في صميم الرسالة الاسلامية وجوهرها ما بقيت روح الاسلام الحقيقية عبر الازمان.

وهو موقف يهمش دعاوى المتمسكين بأي مظهر او شكل خارجي ليس همه النفاذ الى الجــوهـــر والروح, ولولا هذا الموقف لما قامت للاسلام حضارة انســانية جامعة ممتدة من الصين الى اوروبا ــ تتجاوز الوان الوجوه واصول الاعراق والاقوام الى صميم الجوهر الانساني الذي جمع العربي والاعجمي, والاسود والاصفر, وأوجد الإخاء الشامل بين مراتب البشر كافة: "يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله أتقاكم" (سورة الحجرات 13).

ولو ان رسالة الاسلام قامت على المظهر او الشكل وحده, ولم تنفذ الى صميم الروح والجوهر قبل كل شيء, لما تجاوزت حدود جزيرة العرب؟... وقديماً تساءل ابو الطيب: "اغاية الدين ان تحفوا شواربكم؟"...

ثمة حرص قرآني أو نبوي متواتر على ضرورة تجاوز المظهر الى الجوهر حتى في العبادات كما في الاخلاق والسلوك: "رب صائم ليس له من صيامه الا الجوع, ورب قائم ليس له من قيامه الا السهر" ــ رواه ابن ماجة.

وفي زمننا الصعب هذا, علينا كمسلمين ان نوازن بين جدل الحلال والحرام, وجدل التقدم والتخلف. وقد قلنا مراراً وما زلنا نقول: "ان التخلف الحضاري في هذا العصر هو "الحرام" بعينه, بل اشد انواع الحرام لانه يتهدد الوجود الاسلامي في الصميم. وعندما ينعتق المسلمون من خطره الماحق, يمكنهم ان ينظموا مختلف اوجه حياتهم حسب قناعاتهم الاسلامية, اما اذا ضاع وجودهم كمسلمين, فما جدوى مختلف المظاهر؟

تنشغل مجتمعات اسلامية في جدل الاختلاط بين الطلاب والطالبات من عدمه في جامعاتها. وتضيع في هذا الجدل حقيقة المستوى العلمي والتعليمي الذي انشئت من اجله الجامعة. لا احد يتساءل اين وصل المستوى العلمي للجامعة بل يتصايح الجميع: اختلاط... او لا اختلاط... بعد ان نحقق الاختلاط او الفصل في جامعة هزيلة لتفريخ حملة الشهادات "وننتصر" في مناظرتنا, فأي قوة تؤمل للاسلام مع هذا الانحطاط العلمي والتدني الجامعي... اختلط اهله او لم يختلطوا؟!

وثمة مجادلات عديدة من هذا النوع نتجادل فيها على طريقة فقهاء بيزنطة, بينما قبضة الحصار تشتد من حولنا. سئل الامام احمد بن حنبل: ايهما يفضل في موقع القيادة: القائد التقي الضعيف ام القائد الفاجر القوي, فأجاب بتفضيل الثاني لان التقي الضعيف تقواه لنفسه وضعفه على المسلمين, بينما الفاجر فجوره لنفسه وقوته لهم. هكذا فكر اشد فقهاء المسلمين محافظة. كانوا يرون الضرورات والاولويات والعظائم ويقدمون الأهم على المهم, فذلك هو منطق الاسلام.

نالت الايرانية المسلمة شيرين عبادي جائزة نوبل لإنجازات تستحقها في مجال حقوق المرأة وحقوق الانسان, فكان مأخذ البعض عليها انها غير محجبة... فهل هذه أولوية معركة بقاء المسلمين في هذا العصر؟ وهل هي القضية الاولى للمرأة المسلمة في هذه المعركة؟

رحم الله الشيخ محمد الغزالي القائل: ما اكثر ما انشغل فقهاء الاسلام بنواقض الوضوء, وتركوا نواقض الحقوق وحرمات الشعب والارض!

ويساورني شعور ممض, وانا استمع الى انباء وصول اول صور من المريخ الى الارض بواسطة الجيولوجي الآلي, أليس من الأجدى ان نتأمل هذه الصور وما تحمله من معان, بدل الانشغال بصور نسائناً حجاباً او سفوراً؟

ثم يبقى ان مطالبة قادة الدول الغربية, كفرنسا والمانيا, بمراعاة اعتبار الحجاب للمرأة المسلمة في بلدانهم, مثالية ساذجة تصدر من عقلية لم تدرك بعد حقيقة العالم والعصر, وهي كمطالبة اميركا واسرائيل بحماية حقوق الانسان الفلسطيني!

مما لا شك فيه ان منع المرأة المسلمة من وضع الحجاب في دولة ديموقراطية ليبرالية يمثل ــ بصفة مجردة ومطلقة ــ مخالفة لمبدأ حرية الضمير للكائن الانساني, فذلك ما ينبغي ان يترك لقناعته الضميرية. لكننا نخطئ اذا تصورنا ان النظم الديموقراطية الليبرالية نظم محايدة لا انحيازات قيمية لديها, فهي كأية نظم سياسية واجتماعية في واقع العالم تعكس مصالح ورؤى القوى التي تشكلها خصوصاً في ما يتعلق بعقيدتها العلمانية التي قاتلت من اجلها. واذا كانت الحرية من مبادئها فإن مبدأ السيادة الوطنية لا يقل اهمية لديها, وذلك ما نتمسك به نحن ايضاً فلماذا ننكره عليها؟

ان هذه النظم, على ليبراليتها وتسامحها النسبي, لا يمكن ان تتسامح الا مع من يقبل قواعد اللعبة في النظام الديموقراطي العلماني ويسلم بأصولها. فهذه النظم, عبر صراعها المصيري مع خصومها التاريخيين من اقطاعيين وكنسيين وفاشيين وشيوعيين, لم تسمح لاية قوة منهم بالخروج على اصول لعبتها, واذا قبلت بهم, فبعد تهميشهم واخضاعهم لمنطقها السياسي.

وهي تشعر اليوم في العديد من بلدانها ان الاسلام شيء مختلف عنها وقد استــيقظت غريزة الخــوف لديها في الآونة الاخيرة. فحــيث "تسامحت" قبل ســنوات مع دعاة اسلاميين مقيمين على اراضيها ينادون في سذاجة ومن دون تبصر بخلافة اسلامـــية في لندن او باريس, فإنها اليوم لم تعد تتــقبل طالبات "مواطـــنات" في معاهدها بحجاب اســـلامي, وعلينا الا نســـتغرب تنكراً اكبر لممارسة الحرية, فكل شيء "نسبي" في الفلسفة الليبرالية, حتى الحرية ذاتها... ومن الإنصاف القول ان هذه النسبية القيمية والمصلحية هي اساس التعامل الواقعي بين امم العالم كافة ماضياً وحاضراً تحــت مختلف الايديولوجيات... الى ان يرث الله الارض ومن عليها.

ومع الحفاظ على مبادئنا المطلقة, فلنعرف قواعد هذه اللعبة "النسبية" اذا اراد بعضنا التعامل معها.

ويبقى ان الحلال بيّن والحرام بيّن. ومن غير الجائز في المسائل الخلافية غير القطـــعية, كعـــمل المرأة السياسي, وشكل حجابها او احتشامها, والموقف من الفوائد المصرفية الحديثة... الخ ان يتم تبادل الإدانة والتكفير, خارج ادب الحوار ومنهجه في الاجتهاد الاسلامي.

وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا في موضوع الحجاب وغيره مع شيخ الازهر, او رئيس مصر, فإن المبادرة المصرية, على صعيد المؤسستين الدينية والسياسية, لاتخاذ موقف بهذا الشأن يغاير اكثرية مدارس الاجتهاد الاخرى في العالم الاسلامي, مؤشر نحتاج اليه اسلامياً لفتح نوافذ التحاور الايجابي المتحضر في خطابنا الديني وخطابنا العام السياسي والثقافي على السواء, مع الاحترام الكامل للمدارس الاخرى في الاعراب عن قناعاتها المغايرة بلا افراط او تفريط.

واذا اخذنا في الاعتبار مبادرة العاهل المغربي بشأن مدونة احكام الأسرة, التي تمثل مشروع تحرير حقيقي للمرأة المغربية, فإن المؤشر المصري في المصارحة الفكرية للعالم الاسلامي يشكل ظاهرة لن يستغني عنها المسلمون ــ بمختلف مدارسهم واجتهاداتهم ــ للشروع في التعامل الايجابي مع انفسهم, ومع العالم, وكفاهم ردود الفعل الانفعالية التي لا تؤدي الى "فعل".

مفكر من البحرين.