:التجديد الأخير 01:08 GMT - 2008/08/08


حال الطقس في 101 مدينة





حول القراءات الانتقائية لفوز محمود عباس ودلالاته على التوجهات الشعبية

ياسر الزعاترة     الحياة     2005/01/22

من الواضح أن هناك من يريد تحميل فوز السيد محمود عباس في انتخابات الرئاسة الفلسطينية أكثر مما يحتمل، وبالطبع من خلال الحديث عن تفويض للرجل بفعل ما يشاء على صعيد المقاومة والمفاوضات ومن ثم التسوية، وذلك من منطلق وضوح خطابه السياسي الرافض لما يسميه «العسكرة»، والمعارض لسياسة الجمع بين التفاوض والمقاومة، وربما الانتفاضة السلمية أيضاً، بحسب البعض.

لكن قراءة الموقف على نحو أكثر موضوعية ودقة ستكشف أن ما يقوله هؤلاء ليس سوى تحميل لما جرى أكثر مما يحتمل بكثير، وأن الحقيقة على الأرض ليست كذلك، وأن الفوز العادي، وربما المحدود الذي حصده الرجل كان طبيعياً بصرف النظر عن الطروحات السياسية لصاحبه. تالياً بعض المعطيات التي تؤكد ذلك.

بداية لا بد من القول إن الدعم الذي توفر للسيد محمود عباس كمرشح رئاسي لم يتوفر لأحد من قبل، لا في الساحة الفلسطينية ولا العربية، فالقوى الصهيونية في العالم أجمع تؤيد نجاحه، فيما جاء تأييد الولايات المتحدة تبعاً لذلك. والحال أن دعم واشنطن لأي كان يبدو أكثر من كاف في هذه المرحلة بعد فوز المحافظين الجدد بولاية ثانية، فكيف حين يضاف إلى ذلك كله دعم دولي واسع، ومعه ما يشبه الإجماع في الوضع العربي كان بعضه نتاج القناعة فيما كان البعض الآخر بسبب الخوف؟

من المؤكد أن ذلك كله لم يكن من أجل سواد عيون الرجل، بمقدار ما جاء نتاجاً لموقفه المعروف مما دأب على تسميته «العسكرة»، وهي المقاومة المسلحة، والتي لولاها لما حظي بكل ذلك التأييد، إذ أن موقفه من المفاوضات النهائية لم يختلف في قمة كامب ديفيد عام 2000 عن موقف ياسر عرفات، بل إن بعض محبيه يؤكدون أنه كان أكثر تشدداً، وبالطبع في سياق التدليل على عقم التوقعات القائلة باحتمال هبوطه بسقف التفاوض عما كان عليه مع ياسر عرفات، الأمر الذي لا يمكن استبعاده، أكان قناعة، أم تبعاً لإدراكه لميزة الشرعية التاريخية التي توفرت لعرفات أكثر مما تتوفر له. لكن لماذا «العسكرة» هي كلمة السر التي فتحت له كل تلك الأبواب؟

خلال السنوات الأربع الماضية كانت المقاومة هي الشيطان الذي لاحق الدولة العبرية وكل من يعيشون هواجسها في العالم، فبسببها شعرت بالتهديد الوجودي بعدما ظنت أنها تجاوزته إلى غير رجعة، وفيها خسرت ما لم تخسره في سنوات الصراع جميعها على مختلف الأصعدة، البشرية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي جعل من الطبيعي أن تتحول مسألة الخلاص من هذا الهاجس إلى عنصر التوافق بين قادتها في الداخل وبين محبيها في العالم أجمع.

وحده السيد محمود عباس هو من كان يتحدث صراحة ضد المقاومة المسلحة منذ الأسابيع الأولى لانتفاضة الأقصى، بل إن الآخرين ممن انضموا إلى مربعه تالياً ممن عرفوا بمعسكر «الإصلاح» قد راهنوا في البداية على تلك المقاومة من أجل تحسين شروط التفاوض ثم عارضوها بعد العام الأول.

بعد الإجماع العربي والدولي على دعم الرجل لم يكن بوسع قادة حركة فتح المتمرسين في لعبة السياسة أن يختاروا أحداً آخر يخرجهم من المشهد الدولي أو يخلط أوراقهم على نحو مختلف، خصوصاً أن للرجل شرعية التأسيس أيضاً.

من هنا تبدأ معادلة الرد على تلك الطروحات التي أشرنا إليها في فاتحة المقال، فما جرى هو فوز لحركة فتح بالرئاسة وليس لمحمود عباس وبرنامجه السياسي، بدليل أنه لو رشحت الحركة مروان البرغوثي مثلاً لحاز من الأصوات ونسبة التصويت أكثر بكثير، بل إن فوزه من دون ترشيحه رسمياً من قبلها لم يكن مستبعداً في ظل توقعات بدعوة حماس والجهاد لعناصرهما بالتصويت لصالحه. بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إنه بوسع حركة فتح في ظل مقاطعة حركتي حماس والجهاد أن توفر الفوز لأي شخص بصرف النظر عن تاريخه النضالي، وبصرف النظر أيضاً عن طرحه السياسي، أكان ثورياً أم انبطاحياً.

لا نقول ذلك لأن حركة فتح تمثل غالبية الشعب الفلسطيني كما سيذهب البعض، وإنما أولاً لأن الآخرين قد قرروا المقاطعة بسبب الظروف الموضوعية التي تتحرك خلالها اللعبة، وثانياً لأن فتح هي الحزب الرسمي للشعب الفلسطيني، وهي بالضرورة حزب السلطة الفلسطينية الحاكم، وفي كل الأحوال فإن أحداً لا يمكنه سرقة الفوز بالمنصب الأول من حزب السلطة في الدول العربية، فكيف حين يكون من النوع الذي لم يفقد بريقه كما هو حال حركة فتح؟

من الضروري التذكير هنا بأن المعطيات على الأرض في الأراضي المحتلة لا زالت تؤكد أن المنحازين لطرح القوى الإسلامية للقضية يشكلون أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، ويتبدى ذلك بكل وضوح في انتخابات الطلبة والنقابات التي يصعب على حزب السلطة أن يؤثر عليها إلا بنسبة محدودة، خلافاً للانتخابات البلدية والنيابية ومن ثم الرئاسية التي تتحكم السلطة بمجمل ظروفها الموضوعية، لأن الانتخابات ليست مجرد عد للأصوات وإنما جملة الظروف الموضوعية التي تيسر الفوز لطرف وتصعبه على آخر.

في السياق الأول كانت حماس وحدها توازي فتح وتتفوق عليها في بعض الأحيان، فيما يحدث العكس في أحيان أخرى، لكن النسبة كانت متقاربة في معظم الأحيان. ومن هنا يمكن القول إن مقاطعة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، حتى من دون الدعوة المباشرة إلى المقاطعة قد تركت آثارها على نسبة التصويت من دون أن تؤثر على فرص الفوز لمحمود عباس. مع أن معضلة نسبة المشاركة في الانتخابات قد جرى الالتفاف عليها من خلال قرار ميداني، إذا جاز التعبير، يقوم على تجاوز سجل الناخبين والموافقة على اعتماد السجل المدني، الأمر الذي سمح بزيادة نسبة المشاركة وتكرار التصويت من قبل الكثيرين.

في كل الأحوال فقد حصل محمود عباس على 62 في المئة من أصوات من شاركوا في الاقتراع، لكن نسبة هؤلاء من المسجلين في السجل المدني لعام 1996 وليس 2004 (وقعت زيادة لم تؤخذ في الاعتبار) وتعدادهم (1,8) هي 27 في المئة، أما نسبة المقترعين من المجموع العام فهي في حدود 44 في المئة، وليس 70 في المئة ما تردد. ولعل ذلك هو السر خلف رفض رئيس لجنة الانتخابات الرد على سؤال الصحفيين حول نسبة التصويت أثناء إعلان النتائج، لكن اللجنة في تقريرها النهائي عادت واعترفت بأن نسبة الاقتراع هي 45 في المئة. ونذكّر هنا مرة أخرى بأن الفلسطينيين في الضفة والقطاع هم ثلث الشعب الفلسطيني.

لكن الواقع الذي لا يمكن تجاوزه هو أن التصويت، وأياً تكن النسبة، لا يمكن أن يشكل تفويضاً شاملاً لمحمود عباس بفعل ما يشاء، أكان على صعيد المقاومة أم التفاوض أم التسوية النهائية، فياسر عرفات الذي حصل على 78 في المئة من الأصوات لم يحصل على تفويض شامل بفعل ما يشاء، بدليل أن شعبيته كانت تتدنى إلى حد كبير عندما كان يدخل مسارات إشكالية فيما كانت ترتفع بشكل ملحوظ في أيام الصمود.

إنها ذات المعادلة التي تنطبق على محمود عباس وسواه، إذ أن أية نسبة لن تسمح له بالتصرف بمصير الشعب الفلسطيني على هواه، بل إن يدرك وهو السياسي المخضرم أن الموقف منه سيتغير تبعاً لمساراته السياسية، ومعها الأخرى التي تخص حياة الناس وعلى رأسها قضية الفساد والعلاقة مع القوى الأخرى في المجتمع. ولعل ذلك هو ما دفعه إلى طرح قصة الاستفتاء أثناء الحملة الانتخابية، بل إنه في أحد تصريحاته قد تحدث عن استفتاء عام للفلسطينيين في الداخل والخارج.

ليس لدينا أوهام حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه لعبة التسوية في ظل محمود عباس، فالإسرائيليون لا يملكون ما يقدمونه له غير الدولة المؤقتة التي تترجم مشروع شارون للحل الانتقالي بعيد المدى، الأمر الذي يؤكد أن المفاوضات في عهده ستصطدم بالجدار المسدود كما اصطدمت من قبل في كامب ديفيد، وفي هذه الحال لن يملك غير الرفض، أكان بالحرد، أي الخروج من اللعبة والاعتكاف في البيت طلباً للعذر من الفلسطينيين وللضغط على الإسرائيليين من الوضع الدولي، أم باستمرار الفعل مع عدم التشدد مع الذين يمكن أن يعودوا إلى خيار المقاومة المسلحة.

في كل الأحوال فإن محمود عباس الذي لم يكن جماهيرياً في يوم من الأيام سيضطر إلى التعامل مع المزاج الجماهيري، ليس لأنه أقل شرعية من ياسر عرفات فحسب، بل لأنه يقود شعباً مسيّساً تعامل من دون قناعة مع لعبة التنازل مع 78 في المئة من أرضه ولا يمكن ترويضه على المساومة على ما تبقى. وفي كل الأحوال فهو يدرك أبعاد اللعبة ولا يمكن لأحد أن يسوقه كالأغنام.

كاتب من الأردن.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group