إلى أين يتِّجه التحوُّل في علاقة الدولة والمجتمع في مصر؟
عمرو حمزاوي الحياة - 03/01/08//
على رغم أن دارسي الأنثربولوجيا ونفراً من الصحافيين قد يبدعون أحياناً في توظيف أحداث ومواقف عابرة تمر بهم أو يمرون بها لقراءة ظواهر اجتماعية وسياسية مركبة واستجلاء معانيها، يظل الأصل في المقاربة التحليلية للمجتمعات البشرية هو تقصي الصيرورة التطورية لتحولاتها وتقلباتها بعمق زماني ومكاني يتجاوز المنطق الاختزالي للحدث. وربما تمثل الاستثناءان الوحيدان هنا في لحظات الأحداث المفصلية كالثورات والانتفاضات الشعبية ومراحل التغيرات النوعية في جوهر وأنماط العلاقات الرابطة بين الدولة والمجتمع والفرد بكل ما تحمله الأولى من عدم استقرار وخبرات جدية ولكون الثانية قد تنجلي في ومضات جد قصيرة عن ملامح ما تحمله في طياتها من جديد يتشكل ويرتقب. وأزعم أن مصر وإن بدا سطح حياتها السياسية راكداً إنما تمر اليوم بتغيرات نوعية شديدة الأهمية تطال وظائف الدولة الرئيسية ونظرة الفرد - المواطن اليها ووضعية الدين في الفضاء العام وخرائط القوى المجتمعية الفاعلة على نحو يجعل من التدبر في مضامين ودلالات العابر من الأحداث والمواقف نشاطاً ذهنياً مفيداً وكاشفاً. في هذا السياق يأتي تشريح المشهدين التاليين واللذين كليهما نتاج دينامية حياة العاصمة المصرية:
المشهد الأول: في 3 كانون الأول (ديسمبر) 2007 بدأ موظفو مصلحة الضرائب العقارية (تتبع إدارياً المحليات) إضراباً مفتوحاً عن العمل واعتصم بعضهم أمام مقر رئاسة مجلس الوزراء مطالبين برفع رواتبهم ومساواتهم بنظرائهم المميزين في مصلحة الضرائب العامة (تتبع إدارياً وزارة المالية). استمر الإضراب - الاعتصام عشرة أيام تحول خلالها موقف الدولة ممثلة في رئيس الوزراء ووزير المالية من الرفض القاطع إلى الوعد بالاستجابة لمطالب الموظفين قريباً ومنحهم مكافآت مجزية مقابل عودتهم إلى العمل. إلى هنا وليس في الأمر جديد، فمصر شهدت طوال عام 2007 تتابعاً غير مسبوق لسلسلة من الاحتجاجات العمالية وإضرابات موظفي المصالح الحكومية لأسباب مطلبية اقتصادية - اجتماعية واضحة، كما أن منطق تعامل الدولة معها لم يحد قط عن متتالية ثلاثية أضلاعها الرفض فالتسويف فالرضوخ درءاً لانفجارات مجتمعية واسعة النطاق تخشاها نخبة الحكم المهمومة بالحفاظ على الاستقرار وبالمفاضلة بين سيناريوهات مختلفة لترتيب انتقال السلطة من الرئيس حسني مبارك إلى وريث ما. إلا أن اللافت للنظر في إضراب - اعتصام موظفي الضرائب العقارية هو الكيفية التي أدار بها هؤلاء صراعهم مع الدولة انطلاقاً من قناعة مبدئية بضعفها الشديد وحتمية رضوخها في نهاية المطاف.
لم يكتف الموظفون المعتصمون برفع شعارات تشدد على أنهم لن يعودوا إلى العمل إلا بعد الاستجابة الكاملة لمطالبهم وتسخر من حشود الأمن التي أحاطت بهم منذ اليوم الأول، بل جاء بعضهم بذويهم ليعتصموا معهم مقوضين بذلك المساحة الفاصلة بين العام - المهني من جهة والخاص - الأسري من جهة أخرى ومغلبين منظومة السلوكيات والمصالح المرتبطة بالأخير على كل ما عداها. وعبرت واحدة من صور الاعتصام التي تداولتها الصحف عن هذه الحقيقة برمزية ساحرة وفيها ظهر أحد المعتصمين وأسرته وهو يقوم بغسل بعض الملابس ووضعها للتجفيف على حبل ممدود بين أشجار الساحة المواجهة لمقر رئاسة مجلس الوزراء. يبدو أن العجز المتنامي للدولة عن ضمان حد أدنى من شروط العيش الكريم لغالبية المصريين متواكباً مع فضائح فساد مدوية وتحالف رعوي بين نخبة الحكم ورجال الأعمال قد حرر المواطن تدريجياً من بقايا أوهام دولة جمال عبد الناصر الأبوية حارسة العدالة ودفعه نحو التعاطي مع مؤسساتها بما هي أهل له، أي بكونها فاقدة للشرعية ومجيرة فقط لخدمة مصالح سادة الحكم والمال ولا تملك بالتبعية إزاء حركة مطلبية شعبية واسعة ومنظمة سوى الإذعان حتى وإن لوحت المرة تلو الأخرى بأدواتها القمعية وأجهزتها الأمنية. والحقيقة أن رئيس الوزراء أحمد نظيف وبعفويته السياسية المعهودة قد عبر بوضوح عن حالة الضعف والوهن المؤسسي التي طالت الدولة المصرية في علاقتها بقوى المجتمع وأفراده حين ذكر في معرض حديث قريب له عن قضية الدعم الحكومي للسلع الأساسية وأهمية إصلاحه أن الحكومة تراهن على «مروءة» الشعب المصري لترشيد الدعم!
نعم هناك تحول جذري يطرأ على الجوهر الناظم لعلاقة الدولة والمجتمع في بر مصر ويدفع بها سريعاً نحو نمط الدولة الضعيفة - المجتمع الفتي الذي عهدناه في لحظات الانعتاق من السلطوية في دول أوروبا الوسطى والشرقية بداية التسعينيات. اليوم تدفع نخبة الحكم ثمن إخفاقها في تحقيق التنمية وعدالة الحد الأدنى وانقلابها على الغالبية الساحقة من المصريين بتراجعات مستمرة في الفضاء الاقتصادي والاجتماعي يستحيل معها احتمال قمع الحركات المطلبية الشعبية المتصاعدة الذي بات يبدو استراتيجية غير قابلة للتطبيق لارتفاع كلفتها. وأغلب الظن أن ذات الصيرورة ستطال الحياة السياسية لتحررها من ثنائية المضمون السلطوي والواجهة التعددية.
المشهد الثاني: وسط حضور كثيف ألقى أحد المصنفين في طائفة الدعاة الجدد خطبة صلاة ظهر الجمعة في 14 كانون الأول 2007 في ناد اجتماعي يرتاده أغنياء العاصمة وعائلات تنتمي إلى الشرائح العليا من الطبقة الوسطى. الخطبة، وهي لم تستغرق سوى عشرين دقيقة، تناولت بالشرح أهمية الإنفاق في سبيل الله ومحاسن التصدق على فقراء المسلمين وسهولة الجمع بين ما حلل الله من متع الحياة الدنيا والعمل على الفوز بنعيم الآخرة. وفي معرض الإقناع استشهد الخطيب ذو الصوت الجهوري وبلغة جسد وإيماءات تشبه تلك المعروفة عن نجم الدعاة الجدد عمرو خالد بصديق له يمتلك أسطولاً من السيارات الحديثة وفيلا في منتجع مارينا (مطل على البحر المتوسط ويقع إلى الغرب من الإسكندرية) ويكثر من الحج الى البيت الحرام ويتصدق بسخاء على المحتاجين والمعوزين في القرية التي ولد فيها. وتقاطعت مع هيمنة الرمزية الاستهلاكية هذه على خطاب الوعظ الديني بل وتكاملت معها سلوكيات استهلاكية من قبل بعض المتلقين، أي أولئك الذين حضروا الى مكان الصلاة قبل أو أثناء إلقاء الخطبة، تنوعت من استخدام الهاتف الجوال مروراً بالحديث بين رفاق الصلاة وانتهاء بوقوف بعض الشباب في مجموعات الى جوار محل الصلاة منتظرين آذان الإقامة لخلع الأحذية المستوردة والمشاركة السريعة في صلاة الجماعة ثم ارتداء الأحذية ومغادرة المكان.
يكشف مثل هذا المشهد بجلاء عن مساحة نوعية مهمة يتداخل فيها الديني مع حقائق الاقتصاد والاجتماع لينتج ظاهرة كالدعاة الجدد جوهرها إسباغ الشرعية الدينية على أنماط استهلاكية شائعة في أعلى الهرم المجتمعي وصوغ لغة وعظية جديدة برمزية ومفردات يفهمها ويتفاعل معها أبناء الطبقات العليا والوسطى. يستحيل الخطاب الديني إذاً إلى جزء من نسق أكبر هو المجتمع الاستهلاكي ويرتبط عضوياً بالمستفيدين منه على حساب ضحاياه من فقراء ومهمشين، وتلك حقيقة يندر أن تدرك تداعياتها حين النظر إلى الوضعية المعاصرة للدين في الفضاء العام المصري. فالأمر لم يعد يقتصر على مد سياسي ذي مرجعية دينية سلمية (جماعة الإخوان المسلمين) أو عنفية (الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد قبل المراجعات) ومن العبث كذلك اختزاله في سرديات فضفاضة عن عمليات متتابعة لأسلمة المجتمع دونما إشارة إلى الدينامية الواقعية لمثل هذه العمليات وجدلية التأثير والتأثر المتبادل بينها وبين ظواهر حاكمة أخرى. ففي حين يشكل التوظيف السياسي الاحتجاجي للمرجعية الدينية العماد الأهم لفعاليات المعارضة، يتحالف الوعظ الديني المشرعن للمجتمع الاستهلاكي مع نخبة الحكم والمجموعات المستفيدة من توجهاتها ويلتقي وظيفياً وإن اختلف في المضمون والرمزية مع الخطاب الديني الرسمي التابع للدولة.
أكاديمي مصري في مؤسسة كارنيغي لدراسات السلام - واشنطن
|