|
|||||||||||||||||||
| www.daralhayat.com 2008/10/06 13:41 GMT |
|
||||||||||||||||||
|
حين تصير الديموقراطية "خَرَاجاً سياسيّاً" للإسلاميينعبدالإله بلقزيز الحياة 2004/02/10
اكتشفت الحركة الإسلامية - ولو متأخرة - أن تجربة العنف السياسي التي خاضتها, في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الفائت, كلَّفتها غالياً على الصعيدين السياسي والبشري ولم تَقُدْ الى النتائج التي توقعتها من خيارها الراديكالي. في موازاة ذلك, بدت تلوح لها امكانات هائلة وواعدة من خيار العمل السياسي السلمي الديموقراطي منذ منتصف عقد السبعينات. بدأ ذلك مع "الإخوان المسلمين" في مصر, عقب افراج السادات عن قادتهم وأطرهم, لكن الأمر تعمَّم تدريجياً فطال حركات اسلامية أخرى غير "الإخوان" خارج مصر انتهت الى تبني الخيار نفسه الذي نهجه "الإخوان" في عهد مرشدهم العام عمر التلمساني: الخيار نفسه الذي نضجت شروطه النظرية "التأهيلية" منذ تصدّي مرشد الجماعة الأسبق حسن الهضيبي لأفكار سيّد قطب, ولفكرة "الحاكمية" على وجه التحديد, في سياق مراجعة باشرتها "الجماعة" في النصف الثاني من الستينات عقب عملية التصفية التي تعرضت لها من قبل السلطة الناصرية ردّاً على عنفها المسلَّح وعلى ايديولوجيتها التكفيرية. وإذ راجعت الحركة الإسلامية موقفها من العنف واختارت نهج العمل السياسي السلمي عبر مؤسسات الدولة (التي لم تعد كافرة في خطابها) ومنها البرلمان" وإذ وقفت موقف انكارٍ - صريح في غالب الأحيان - لأفكار غُلاة "الإسلامية السياسية" من قوى "الجهادية الإسلامية" وسلوكها السياسي المتمادي في استراتيجية العنف, فقد أقنعتْها تجربة الاعتدال السياسي - ومنه مشاركتها في الحياة السياسية والنيابية - أن عائداتها أجزل من عائدات الخيار الراديكالي وأبعد مدى منها. ومع أن أحداً ليس يملك أن يُجادِلَ في أن جنوح القسم الأعظم من الحركة الإسلامية الى الواقعية السياسية, والاعتدال والوسطية والمشاركة الايجابية في الحياة السياسية ومؤسسات الدولة, انما أتى في امتداد مرارات اخفاق استراتيجية الصدام العنيف مع السلطة, إلاّ أن حادثة الصدام تلك وعقابيلها المؤلمة لم تكن أكثر من مهمازٍ أيقظ وعياً اسلامياً سادراً في سُباته, ونبهه الى امكانات أخرى في السياسة أرحب مساحةً ومدى مما وطن النفس عليه قبلاً. أدركت الحركة الإسلامية - بحس براغماتي (ما زال ينكره عليها المعتقدون بأنهم ولاة السياسة) - أن الاعتدال والواقعية والمشاركة أقصر سبيل الى كسب الرأي العام, والى تحصيل مكان تحت الشمس في ساح المنافسة, من عنف ما جرَّ عليها غير سيئ التبعات وعظيم النكبات. أما الأسس التي عليها بنت الإدراك إياه, فمردها الى فكرتين ليستا تجافيان واقعاً موضوعياً لا ريب فيه: أولاهما, أن المجتمع الذي تتوجه اليه الحركة الإسلامية, بخطابها الفكريّ وببرنامجها السياسي, والذي تقترح نفسها عليه سياسياً, انما هو - في المقام الأول - مجتمع مسلم, أو قل مجتمعاً محكوماً بمعيارية اسلامية: في منظومته العَقَدية وفي نسقه القيمي. وبالتالي, فهي لن تجد نفسها غريبةً في ساح السياسة شأن كثيرين أتوها من خارج الذهنية الجمعية حاملين معهم دعوات "رسولية" من جنس الحداثة والاشتراكية وما في معنى ذلك من دعوات لم تتجشم عناء "تقديم مقدمات وتمهيد أصول", ولم تُفلح في أن تفارق صورتها عند الناس كدعواتٍ "برانية" غير ذات جذور! وثانيتهما, ان الحركة الإسلامية ضربت موعدها مع الواقعية السياسية والانخراط في معمعان المنافسة غب اخفاق منيت به تجربة خصومها السابقين: القوميين واليساريين, وخاصةً بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 وخروج هذا الفريق السياسي من رحاب السلطة. لقد التقطت ذلك الاخفاق - بذكاءٍ سياسي حاد - منتدبةً نفسها للنهوض بما لم يقو سابقوها على انجازه من مهمات وطنية واجتماعية. ولقد كان على هذه الحركة أن تبذل وسيع جهدٍ - على صعيد خطابها السياسي - حتى تُقنع جمهور التغيير الواسع (الذي عقد ولاءه لليسار سابقاً أن "أهل الملة" (الإسلاميين) أجدر بالثقة من "أهل الأمة" (القوميين) و"أهل الطبقة" (الماركسيين), وأوفر حظاً. والجاحد وحده من ينكر على الإسلاميين انهم أصابوا حظّاً في باب الإقناع ذاك. في كل الأحوال, كان التناسب متوازناً بين حساب الحقل والبيدر. لم تحظ الحركة الإسلامية إلا بالنزر اليسير من الحقوق السياسية (في مصر ابتداءً, ثم في لبنان والأردن والمغرب والجزائر وتونس وموريتانيا واليمن والسودان تالياً, وفي البحرين أخيراً). ومع ذلك, أتقنت استثمار الهوامش المتاحة لها (في مصر والأردن ولبنان والمغرب والبحرين بخاصة), وسجلت في رصيدها حضوراً سياسياً ليس يمكن الانقلاب عليه: في الحياة العامة, وفي الصحافة, وداخل المؤسسات السياسية الرسمية مثل البرلمانات والمؤسسات التمثيلية المحلية. لقد نجح الإسلاميون في أن يغيروا وسائل عملهم السياسي (من العنف الى العمل السلمي) دون أن يقدموا كبير تنازل عن برامج أعلنوها في الملأ قبل عقول. لكن السؤال الذي يطرحه خصومهم هو: إذا كان الإسلاميون قد اكتشفوا مزايا العمل الديموقراطي واختاروا التوسل بأدواته, فهي معنى ذلك انهم تحولوا الى ديموقراطيين؟ قد يكون سؤالاً استنكارياً مبطناً أو تشكيكياً من خصومهم. لكن الإسلاميين وحدهم يملكون أن يجيبوا عنه: لا بالخطاب النظري, بل بالممارسة السياسية التي تُطمئن من هو في حاجة الى طمأنةٍ تخمد شكوكه ومخاوفه. لقد نُظِرَ الى الإسلاميين طويلاً بأنهم معادون للديموقراطية, ومتربصون بها الدوائر. والمفارقة أنهم باتوا اليوم في طليعة من يدافع عنها نهجاً وخياراً. فكيف للديموقراطية أن تصبح في رصيد "غير الديموقراطين" كما يقول خصومهم. وهل أصبحت "خراجاً سياسياً" يتحصلونه مقابل نبذ العنف؟ * كاتب مغربي. |
||||||||||||||||||
| ©2007 Media Communications Group مجموعة الاتصالات الإعلامية | |||||||||||||||||||