قمة العرب وانتخابات الاسرائيليين في يومٍ واحد: ما المشترك؟
محمود الريماوي الحياة - 26/03/06//
يتزامن الموعد المقرر للقمة العربية في الخرطوم، مع اجراء الانتخابات الاسرائيلية في 28 آذار (مارس) الجاري. وهذا التزامن هو بلا شك وليد الصدفة، فموعد التئام القمة مثبت مسبقاً نظراً لدورية الانعقاد. أما الانتخابات الاسرائيلية فجاءت مبكرة عن موعدها، الذي كان مقرراً في العام المقبل، وذلك لوقوع انشقاق في حكومة ليكود وداخل هذا الحزب، على خلفية إخلاء قطاع غزة والتنافس المحموم على الزعامة الحزبية، مما أدى الى انشاء حزب «كاديما» برئاسة شارون المحتضر (حتى تاريخه) وصعود نتانياهو الى رئاسة ليكود. غير أن الالتقاء في الموعد بين هذين الحدثين، يحمل على التفكير والتأمل في كل من المقاربتين العربية والاسرائيلية لقضايا وشؤون» «مشتركة» هي موضع اهتمام القمة العربية والأحزاب الاسرائيلية. ولم تكن هذه الاهتمامات بقدر من الوضوح، كما هي عليه في هذه الآونة.
فهناك مسألة مكافحة الارهاب، حيث يصطف الجانبان كما بقية دول العالم، في التصدي لهذه الظاهرة. وإذا لم يكن هناك من تنسيق مباشر بين الجانبين ولعل هناك قدر منه، فإن هذا التنسيق قائم بصورة غير مباشرة أو بالواسطة، عبر أطراف غربية وبالذات الولايات المتحدة. وهذا مستجد بالغ الأهمية، إذ أن مفهوم الأمن الجماعي العربي استقر طوال نصف قرن، على اعتبار الدولة العبرية مصدر تهديد رئيسياً لهذا الأمن، وبقيت الحال كذلك حتى بعد توقيع اتفاقات السلام، رغم التغير من روحية العداء الى التوجس الشديد.
ومنذ هجمات ايلول وجدت الدول العربية «نفسها»، مدعوة للانخراط في حملة دولية ضد الارهاب وقد تمت الاستجابة لهذه الدعوة بأقل قدر من التردد، خصوصاً أن دولاً ومجتمعات عربية عدة وقعت ضحية نشاطات إرهابية، غير أن الجانب الاسرائيلي عمل على تكييف هذه الحملة لإدامة احتلاله للأراضي العربية، ووصم كل اشكال مناهضة الاحتلال بالارهاب، وتحت هذا الغطاء من الادعاءات المكثفة جرت إطاحة المشروع السلمي، وتشريع إرهاب الدولة والاحتلال ضد المدنيين والمرافق المدنية. وتتتنافس هذه الأيام الأحزاب الاسرائيلية، متخذة من مكافحة الارهاب عنوانًا رئيساً لحملاتها الانتخابية، واعتبار ذلك مجرد مضي في نهج دولي متفق على أهميته وشرعيته. ووفقاً لهذا المنطق وبالنظر للمستجدات، فإن الأولوية يجب أن تتجه الى مناوأة حماس وحزب الله، وعلى هذا ينبغي ان يلتقي العرب والاسرائيليون!
تحدث العرب في مناسبات عدة وفي منابر مختلفة، عن وجوب التفريق بين المقاومة المشروعة للاحتلال، وبين إرهاب يستهدف المدنيين. غير أن هذا الحديث ظل أقرب الى تسجيل المواقف وإبراء الذمة، ولم يترجم الى سلوك سياسي واعتباره معياراً للحكم على مجريات الوضع في المنطقة والتأثير فيها. كما غاب الجمع بين مكافحة الارهاب وبين وجوب وضع حل لأزمة احتلال الاراضي العربية. ودأب المسؤولون العرب على الإشارة الى ذلك، غير أنهم لم يبنوا تحركهم السياسي على هذا الأساس. وفي النتيجة بات العرب مدعوين الى صرف النظر عن استمرار احتلال اراضيهم، والانكباب على تنازع داخلي مع حماس وحزب الله.
ستكون أمام قمة الخرطوم مهمة وضع معالجة غير لفظية لهذا التحدي المتطاول، والقائم على توظيف مكافحة الارهاب، في سياق يخدم بصورة مباشرة السياسة التوسعية والتدميرية الاسرائيلية. ورغم اقتناع المرء بأن السياسات لا توضع في اجتماع القمة، بل يتم اعتمادها قبلها وخارجها في مجرى الأداء السياسي المتصل، غير المرتبط بمناسبة معينة حتى لو كانت بأهمية انعقاد القمة، والتي توفر فقط الفرصة لبلورة وتتويج سياسة معتمدة، وتحظى بتفاهم مسبق مع أطراف عربية أساسية، لاجتذاب تأييد جماعي لها.
لم يفلح العرب من قبل في التعامل مع هذا التحدي، إذ طغت أولوية مواجهة التداعيات الداخلية لهذه الظاهرة. غير أنه كان ولا يزال مطلوباً الانسجام مع الذات، وذلك بالتقيد بالطروحات العربية الرسمية التي تربط بين الظاهرة الارهابية، والخلل الذي تعانيه المنطقة مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي، وتقويض المشروع السلمي، وهو ما يتطلب تحميل الاحتلال المسؤولية المباشرة عن تفاقم حالة الخلل، وعن الاستثمار الملتوي وغير النزيه لهذه الظاهرة، سواء بالخلط المتعمد بينها وبين أي شكل مشروع للمقاومة حتى السلمي منها، أو في استغلالها لمحاولة املاء حلول منفردة، من خارج الاتفاقات والمرجعية الدولية.
واستكمالاً لما تقدم فإن الاهتمام بصعود حماس، يندرج كقاسم مشترك بين اهتمامات القمة والانتخابات الاسرائيلية. ولا يحتاج الامر الى التماس مخرج سحري من القمة للتعاطي مع هذه المسألة، فحماس تبدي قدراً من الاستعداد لتغيير بطيء في خطابها، وهو ما يتعين مواصلته بصورة أوضح، بما في ذلك إبداء الاستعداد لاتخاذ سياسات ذات مضمون وطني مستقل، غير أن السلوك الاسرائيلي يجب أن يتغير خلال ذلك بل قبل ذلك. على تل ابيب الالتزام بانهاء احتلالها الاستيطاني والعسكري، وتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم على أراضيهم المحتلة منذ العام 1967، لفتح الطريق أمام اعتراف متبادل بين دولتين في إطار حل دائم. حقاً إن حماس لم تتحول بعد الى تنظيم سياسي يقر بالمرجعيات والاتفاقات، غير أن السلوك الاسرائيلي منذ خمس سنوات لا يقوم إلا على ازدراء هذه الركائز وتقويضها، وأسوأ من ذلك شن حرب موصولة على المجتمع الفلسطيني، وعلى مرافق الاقتصاد ومظاهر الطبيعة والعمران في الأراضي المحتلة. وبينما تعمد تل ابيب كالعادة الى التحرك النشط والسريع لتسويق موقفها بهذا الخصوص، فإن الحركة العربية لا تبدو واضحة للعيان، إذ أن هناك ما يشبه الارتباك من صعود حماس والخشية من تفاقم الوضع وزيادة تعقيده. علماً بأن ترك الامور على ما هي عليه، هو ما يؤدي الى مثل هذا التصعيد، ألم يؤد التغوّل الاسرائيلي كسبب رئيس إلى صعود هذه الحركة؟
أما عن حزب الله فإن ما يستحق الاشارة اليه، أن مناوشاته العسكرية مع الجبهة الاسرائيلية محدودة ومتقطعة ولا تنبىء باتساع مداها، وهو بمثابة جيش منضبط بقيادة مركزية، وليست له نشاطات خارج الحدود اللبنانية - الاسرائيلية، بما يجعل اتهامه بالارهاب مجرد تهويل سقيم تدحضه الوقائع. أما مستقبل سلاح الحزب والنظر في تحالفاته، فهو برسم الاتفاق اللبناني الداخلي، ولا بد من دعم عربي للحوار الوطني، للتوصل الى هذا الاتفاق المرتجى، بما يضمن سيادة هذا البلد على أراضيه ووحدة جميع أبنائه. والقصد ان «اشكالية» هذا الحزب باتت داخلية بعد تحرير الجنوب، ولا تتعلق مباشرة بالصراع العربي - الاسرائيلي. أما تحالفاته الخارجية، فهي وللمفارقة شأن داخلي ايضاً، إذ أن هناك حاجة الى ضبط وتقييد العلاقات الخارجية لسائر القوى السياسية في هذا البلد.
ويبرز بعدئذ الملف النووي الايراني، كأحد الاهتمامات «المشتركة» العربية الاسرائيلية. فتل ابيب تحمل هذا الملف في كل اتصالاتها مع دول العالم، وكأنما الدولة الاسرائيلية هي عضو كامل العضوية ومعترف به في نادي الكبار النووي، وليس لأحد أن يفتح ملفها في هذا المجال، وهو ما يدفعها الى تفادي انضمام دول جديدة الى السباق التسابق النووي! هناك حقاً خطر موضعي وداهم تمثله المفاعلات الايرانية، على دول عربية في الخليج، وليس من الحكمة غض النظر عن هذا الأمر، خصوصاً مع استمرار اللعبة التفاوضية لكسب الوقت، غير أن مواجهة هذا التطور لا بد أن تستند الى العمل على اخلاء المنطقة من الأسلحة الفتاكة، وحيث هناك تداخل جغرافي وسياسي واستراتيجي بين الشرق الاوسط وآسيا. فإلى المنشآت النووية الاسرائيلية التي لا تخضع لأي قيود أو تفتيش، فقد حازت منشآت هندية على «تشريع» من الرئيس بوش، في زيارته الاخيرة لنيودلهي، ومغزى ذلك أن واشنطن تكرس السماح الواقعي بالتسابق النووي، وفي هذه الأجواء جاءت المبادرة الايرانية غير الجديدة تماماً، للانضمام الى النادي النووي من الأبواب الخلفية، وكما هو شأن بقية الأعضاء غير الكبار.
من المهم وضع المسألة في هذا الإطار، حتى لا تبدو التحفظات العربية على المشروع الايراني وكأنها تلتقي مع تحفظات غربية، أو ترمي للضغط على طهران لحرمانها من بلوغ طموحاتها التكنولوجية. وبينما ينشط الاسرائيليون في وضع هذا الملف، في صدارة برامج تحركاتهم واتصالاتهم مع العالم، فإن الصوت العربي بالكاد يظهر، في التعبير عن وجوب اخلاء المنطقة من الأسلحة الفتاكة أينما وجدت هذه الأسلحة، ووضع برمجة لتحقيق هذا الهدف، وهو ما لحظته قرارات دولية من مجلس الأمن، كما هو أحد مبررات انشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، ووضع اتفاقيات الحد من انتشار هذه الأسلحة.
لا يتشاءم المرء في أن قمة الخرطوم، ستأخذ بمثل هذه التوجهات وبصياغة اكثر إحكاماً، غير أن المشكلة بعدئذ تكمن في أن التوصيات والتوجهات ليست بذلك الإلزام، ولا تؤطر بالضرورة الأداء السياسي العربي منفرداً أو مجتمعاً، مما يجعل التعويل يتجه الى مبادرة هذه الدولة أو تلك، والى الضغط الشعبي المتعقل والفعّال، والضنين بحقوق العرب من أن تتبدد.
كاتب من الاردن.
|