هل هنالك تواطؤ كردي على أوجلان؟
هوشنك أوسي الحياة - 07/03/07//
بين الفينة والأخرى، تبرز قضية الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، المعتقل في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة، منذ ثمانية أعوام الى واجهة الحراك السياسي والإعلامي الكردي والتركي، وأحياناً، الأوروبي، كأحد أهم المحاور الساخنة المؤثِّرة في مجمل المشهد السياسي الكردي عموماً، وفي تركيا خصوصاً. وهذه المرَّة، تطلُّ هذه القضية بنفسها من زاوية مختلفة، تشي بأن حياة هذا الرجل باتت على مشارف منزلق خطير، ينذر بتبعات وخيمة، على مصير تركيا على كل الصعد. فقد صح محامي أوجلان الإيطالي جولانيا بيسابيا: «إن نتيجة التحاليل الطبية التي أجريت على عينات مأخوذة من شعر أوجلان أثبتت وجود نسبة عالية جداً من مادة الكروم والسترونسيوم في دمه. وإن هذه النسبة تبلغ مائة ضعف ما موجود في الحالة الطبيعية للإنسان. والمراحل القادمة من حياة الرجل ستكون خطيرة جداً».
وعلََّّق أوجلان على هذه الأنباء، في لقائه الأخير مع محاميه: «ربما لا علم للحكومة التركية بهذا الأمر، لكنها تتحمَّل مسؤولية ووزر تبعات ما قد ينجم عن تسميمي. لقد حاولت كل ما في وسعي، لإيجاد حل سلمي للقضية الكردية في تركيا، وتصفيتي جسدياً ستصب الزيت على النار. وهذا ما يوده أعداء تركيا». وأشار أوجلان الى «أن كثيرين كانوا يفسِّرون نداءاتي السلمية بأنها ناجمة عن ضعف، ورغبة في إنقاذ نفسي من الإعدام. لكن، على العكس من ذلك، أريد إنقاذ تركيا مما يحاك لها في الخفاء، عبر إشعال حرب إهلية كردية - تركية، تهدف إلى بلقنة أو عرقنة هذه البلاد».
من جانبه، وجَّه الرجل الثاني في حزب العمال الكردستاني مراد قره إيلان تهديداً شديد اللهجة، ذكر فيه: «إن المساس بسلامة اوجلان هي لعب بالنار، ومساس بأمن وسلامة تركيا. وإن جريمة كهذه، إن تمَّت، ستتحوَّل إلى جرح عميق في ضمير الشعب الكردي، لن يندمل لمئات السنين، ومن شأنها تقوية خيار الانفصال عن تركيا عند الأكراد، بدلاً من خيار التعايش السلمي الديموقراطي الذي يطرحه أوجلان». وأردف: «أمام الدولة التركية خيار واحد هو التحرُّك بأقصى سرعة، والسماح للجنة طبية مستقلة لفحص اوجلان. وإلا فانها تتحمَّل كامل المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية والتاريخية حيال ردَّة فعل الأكراد، اذا خرجت عن السيطرة، وحينها لن يفيد تركيا الندم».
وزارة العدل التركية نفت كل ما جاء في المؤتمر الصحافي لمحامي أوجلان ذاكرة: «إن حالته الصحية مطمئنة»، ومشيرة الى إن هذه الأنباء تندرج ضمن التسويق السياسي لأوجلان. ويتوقَّع أن تأخذ هذه القضية أبعاداً أخطر، وتتفاعل كردياً وتركياً، وحتى أوروبياً، لجملة من الأسباب:
المكانة المهمة لأوجلان بين مؤيديه، والدور الفعَّال والمؤثر على مجمل تفاصيل المشهد الكردي، داخل وخارج تركيا، ما يفسِّر حجم الالتفاف الجماهيري الهائل حوله، حتى بعد تخلِّيه عن شعار الدولة القومية، وتبنيه شعار الدولة الوطنية الديموقراطية.
وجود أوجلان معتقلاً في تركيا يأتي بمثابة اللغم الذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة ويشعل تركيا، ما لم تتقدم خطوات نحو إيجاد حل عادل للقضية الكردية فيها.
لا يخفى تورط دول أوروبية بشكل مباشر في عملية خطف أوجلان من نيروبي، ودول أوروبية أخرى، بشكل غير مباشر، عبر عدم منحه حق اللجوء السياسي فيها، أثناء وجوده في اوروبا، عقب خروجه من دمشق، خريف 1998، منتهكة بذلك قوانينها المحلية، ومبادئها «الحضارية»، تحت تأثير المصالح والضغوط الأميركية. ويفترض أن تتفاعل مسألة تسميم أوجلان أوروبياً، خاصة إن الرجل يتمتَّع بحق اللجوء السياسي في أيطاليا، ومسؤولية حماية حياته منوطة بهذا البلد خصوصاً وأوروبا عموماً.
ما كان مستغرباً، تجاهل الإعلام الأوروبي والعالمي والعربي، وحتى الكردي، هذا الحدث، وكأن الشخص المسمم، «نكرة سياسية»، وليس زعيماً كردياً، يفترض أن لا يتركه أبناء جلدته يواجه مصيره وحده، وهو الذي يعتقل من أجل حقوقهم منذ ثمانية أعوام. فبعد مضي أكثر من يوم على إعلان محامي أوجلان، أن موكلهم يتعرض لتصفية بطيئة، عبر التسميم، لم يصدر أي حزب كردي في كردستان العراق ولا غيرها، أي بيان حول هذا الحدث، بل تم تجاهله، حتى كخبر في فضائياتهم، ناهيك عن خلو الصحافة العربية والمواقع الالكترونية الكردية، من أي مقالة حول هذا الموضوع. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن «التجمع العربي لنصرة القضية الكردية» أبدى تنديده بهذه الجريمة، وباقي التجمعات الثقافية الكردية متفرِّجة، وكأن الأمر لا يعنيها، وكأن المستهدف ليس زعيماً كردياً، بصرف النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معه، علماً أن حالة المتابعة والتضامن مع الزعيم الكردي ورئيس العراق جلال طالباني، أثناء الوعكة الصحية التي ألمَّت به أخيراً، كانت معقولة، وفي محلها، فيما يُترك أوجلان وحيداً في محنته!
يخلص المرء من متابعة التعاطي الفاتر من قبل النخب السياسية والثقافية الكردية مع هذا الحدث المهم، والتجاهل الإعلامي العربي والإقليمي له، وكأن هنالك حال تواطؤ عام، غير مباشرة، في جريمة تصفية إنسان، أمضى حياته مناضلاً، وانتهى به الحال سجيناً، ويقضي حياته الآن وحيداً. لكن، ما هو معروف للقاصي والداني، أن حياة أوجلان كلَّفت تركيا باهظاً، وإن أي خطر يتعرض له في السجن سيكلِّفها أكثر.
* كاتب كردي سوري.
|