الهذيان نابضاً
حازم صاغيّة الحياة - 01/04/08//
يقول المدافعون عن القمّة العربيّة الأخيرة و «نجاحها»، وهذه أبلغ حججهم، إن ما من قمّة كانت ناجحة في تاريخ القمم كلّه. فلماذا يُراد لهذه وحدها، من دون سواها، أن تُكلّل بالنجاح؟
وهذا كمثل البرهنة على أن صحّة امرىء ما تتأتّى عن كون الجميع مرضى، وأنه كلّما ازداد مرض الجميع واستفحل، وهو في عدادهم، كان الأمر دليلاً على جودة صحّته. أو كقول تلميذ ما إنه غير مدعوّ للنجاح المدرسيّ، بل هو ناجح على رغم رسوبه، لأن جميع الطلبة في صفّه كسالى راسبون.
وهذا منطق يعمل تحت الصفر، أو بموجب معادلات من نوع: ما دمنا لم نمت فنحن بألف خير. ذاك أن المعيار الإيجابيّ معدوم في حسبة القمم العربيّة والحكم عليها، وكلّ من يطالب باعتماد معيار إيجابيّ يكون شكّاكاً بالعرب وعروبتهم لا يضمر لهم إلاّ بؤس المصير.
مع هذا، ومن تحت صفرنا، نمضي في القمم عاماً بعد عام، نحجّ إليها معتبرين الاستنكاف عن ذلك إحباطاً لعمل «قوميّ» بديع. وهي مواظبة الى الإعجاز أقرب.
لكن الأكثر إعجازاً أن يستدعي جهدٌ كهذا، فاشلٌ من قبل وفاشل من بعد، طاقة الولايات المتّحدة الأميركيّة لإفشاله، علماً بأن دولة متواضعة الحجم والقدرات كجزر القمر يسعها إفشال الفاشل! فحين يقال في وقت واحد، وبصوت واحد، إن هذا النشاط الفاشل دائماً أفشلته أميركا، يكون الكلام يعلن انتسابه الى الهذيان، فيما تلوح الصلة بالواقع، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، صلة هجر وقطيعة.
ومن ذلك، مثلاً لا حصراً، أن دمشق ترفض، وقد رفضت، التدخّل في لبنان. وهو ما يتآمر الآخرون لحملها على القيام به إلاّ أنها تردّ بأنفة ومكابرة، بمعاندة وممانعة: كلاّ وألف كلاّ.
وأن يجري التهديد بسحب مبادرة بيروت العربيّة للسلام، أو مراجعتها وربط استمرارها بالممارسات الإسرائيليّة، فهذا ما يفترض اتّفاق العرب على بديل لها، كالحرب مثلاً، أو التهديد بالحرب، أو الجهر الإجماعيّ بنهاية غير سعيدة لصراع مشؤوم آن أوان اختتامه باستسلام مجلجل. وهذا جميعاً ليس في الوارد طبعاً، لا اليوم ولا غداً ولا بعده.
وأن تفشل القمّة في إدانة الإرهاب في بلاد الرافدين لظنّ بعض المؤتمرين أن ذلك مقاومة، والمقاومة بالتأكيد مقدّسة في رائج الفكر السياسيّ العربيّ، فهذا ما يشي بسوء نيّة الهاذي. ذاك أن المريض، في هذه الحال، شرير أيضاً، يستعمل المرض ذرائعيّاً لتمرير الشرّ.
وفي لوحة كهذه يُفهَم معنى السحر المميّز الذي يضفيه العقيد الليبيّ معمّر القذّافي، إذ هو الشرط الشارط للقمم كي تتمّ لها عناصر الإثارة وكي ينزاح عنها كلّ معنى أو دلالة لا يزال يفترضهما لها الأبرياء.
وفي كافّة الأحوال يبقى عدم العيش في هذا الواقع سيّد العيش العربيّ كما أظهرته القمّة في عاصمتها، قلب العروبة النابض.
|