:التجديد الأخير 20:59 GMT - 2008/12/01


حال الطقس في 101 مدينة







لعبة الكراسي البغدادية

عبدالوهاب بدرخان      الحياة     2004/05/31

عملية تشكيل الحكومة الانتقالية في العراق أعطت بعض مؤشرات «جديدة» - في طريقها الى ان تصبح قديمة وثابتة - عن نيات الفرقاء وتظهيرهم لانتماءاتهم، كذلك عن الكيفية التي سيتعامل بها الاميركي مع الأمم متحدي في المرحلة المقبلة.

عهد الى الاخضر الابراهيمي إجراء المشاورات، وأمضى المبعوث الدولي أياماً طويلة باحثاً عن تشكيلة وزارية تستطيع ادارة البلد. قابل المستوزرين والذين يرغب في استيزارهم مستنداً الى خبراتهم والى ما يمثلون والى امكانات الاستثمار فيهم مستقبلاً. في تلك الأيام بدا الابراهيمي كأنه حلّ محل «الحاكم» بول بريمر، وبدا الاميركيون كأنهم اعتمدوا عليه كي لا يحملوا أوزاراً محتملة تتأتى عن التشكيلة العتيدة.

فجأة حصل يوم الجمعة شيء ما لا يزال مبهماً، اذ شاع خبر اختيار اياد علاوي لرئاسة الوزراء. كان المقصود اعطاء «مجلس الحكم» دوراً في هذا الاختيار. وفيما كان بريمر شاهداً ومباركاً، كان وزير الخارجية الاميركي كولن باول يصرّح بأن الخبر غير صحيح. هل حصل اشكال بروتوكولي فقط؟ ربما، لكن أوساط الأمم المتحدة بدت مبغوتة كما لو أن المنظمة الدولية وقعت في مقلب لم تتوقعه، ولم تجد نفسها قادرة على الاحتجاج أو الغضب. ففي كل الأحوال كان علاوي بين المرشحين، وهناك من تجاوز الأمم المتحدة فجعله «المرشح» الوحيد والمعترف به. الأكيد ان الذي تجاوز هنا هو سلطة الاحتلال.

هل خشي الأميركيون ان يرجح الابراهيمي كفة مرشح آخر فسارعوا الى الاستعانة بـ«شرعية» «مجلس الحكم» لترجيح حظوظ علاوي؟ احتمال وارد. ثم ان هذه الحركة خاطبت لدى «مجلس الحكم» ادعاءه تمثيل «السيادة» ودغدغت لديه نبرة «صنع القرار»، لكنها بعثت اليه ايضاً «رسالة» عن المفهوم الاميركي لدور الأمم المتحدة وحدوده. فالمبعوث الدولي يستطيع ان يستخدم خبرته في غربلة المرشحين للمناصب، أما توزيعها عليهم فليس من صلاحيته، واما بناء «الصيغة السياسية» فليس من شأنه، حتى لو كان تمتع ببطاقة بيضاء للاقتراح والتصنيف والاستبعاد والتقريب.

الصيغة السياسية هذه هي التي كانت في الأيام الأخيرة موضع تجاذب. وطالما ان عملية «نقل السلطة» تشكل الى حد ما تدشيناً لتلك الصيغة، فقد تعامل الجميع مع البدايات على انها اجتراح لأعراف سيصار الى تثبيتها وترسيخها لاحقاً، بعد الانتخابات. لذلك خاض الأكراد مفاوضات بعيدة عن الاعلام لانتزاع ما أمكن من المواقع في السلطة المقبلة، طالبوا باحدى الرئاستين، ثم يبدو انهم ارتضوا بـ«نيابتين»، وتبقى رئاسة ثالثة (المجلس المنتخب) للمساومة لاحقاً. وخاض الشيعة مفاوضات محمومة للحصول على رئاستي الدولة والحكومة مستندين الى تفوقهم العددي. وكافح السنة للحفاظ على وجود في موقع متقدم لا يبدون فيه كأنهم معاقبون أو منفيون.

كل ذلك، جعل من مخاض الصيغة السياسية، ولو «انتقالية» اقرب الى مساومات اللبنانيين قبل ان يتوصلوا الى «الميثاق الوطني» في 1943، ثم الى ما سمي «الوفاق الوطني» في 1989 في الطائف، منه الى مداولات عراقيين يرفضون كما يقولون أي شبهة طائفية في بناء الحكم الجديد. وحين أدرك الفرقاء ان هناك ما يتخطاهم في رسم «الصيغة» راحوا يجتهدون في بلورة حدود كل منصب: رئاسة دولة رمزية، رئاسة وزراء تنفيذية. ما يمكن ترجمته: «رئاسة دولة» على هامش السلطة، وكل السلطة لدى «رئاسة الوزراء»... وهكذا تراقصت الطائفتان صعوداً ونزولاً حتى استقرتا على «ميزان القوى» لا على صيغة واضحة لحكم الجميع. وخلال ذلك طرحت «الطائفة» الكردية نفسها كـ«حل وسط» جاهز لمعالجة أي اشكال، لكن هذا «الوسط» لم يكن مقبولاً دائماً بصفته هذه، إذ كانت الأولوية لصنع المعادلة «المذهبية» قبل الدخول في معادلة «مذهبية - عرقية». اما المعادلة الوطنية فمن الواضح انها مطالبة بالانتظار.

ما يمكن فهمه من لعبة الكراسي البغدادية الراهنة، وبمعزل عن الأشخاص والأسماء والألقاب والمقامات، ان صيغة الحكم المنتقلة اليه السلطة من الاميركيين حرصت، خصوصاً على اعطاء «الحاكم» المقبل جون نغروبونتي هوامش جيدة لتجنب أي مفاجآت، من خلال تهميش رئاسة الدولة ولعبة «الفيتوات» بين اصحاب الصلاحيات وابقاء القرارات المالية تحت سلطة الفيتو الاميركي. لكن ما يمكن فهمه خصوصاً ان مجلس الحكم قد لا يكون تعلم أي درس من تجربته، وكما ضيع فرصاً في ما كان، قد يكون ضيع فرصة اخرى في ما سيكون.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group