:التجديد الأخير 22:48 GMT - 2008/12/01


حال الطقس في 101 مدينة







ابعاد نكسة الولايات المتحدة

هيلينا كوبان     الحياة     2004/06/1

 

ما هو مدى خطورة النكسة الاستراتيجية التي تعانيها الآن قوة الولايات المتحدة نتيجة لفشل المحافظين الجدد في تحقيق اهدافهم في العراق وفلسطين؟ ان ابعادها الكاملة لم تلمس بعد لاسباب احدها اننا لا نعلم بعد كم سيتدهور الوضع اكثر بالنسبة الى الولايات المتحدة او العراق او اماكن اخرى في الشرق الاوسط، قبل ان يستقر في النهاية. 

لكن من الواضح بالفعل ان قوة الولايات المتحدة تعاني نكسة في العراق ذات ابعاد تاريخية حقاً.

ومن بين افضل السيناريوهات التي يمكن استشرافها حالياً سيناريو تجد فيه ادارة بوش وسيلة لتجنب انهيار كامل في وضع مؤسستها العسكرية في العراق، عبر التوصل الى صيغة تأتي بغطاء عملي للامم المتحدة. لكن حتى وفقاً لهذا السيناريو ستكون احلام اولئك الذين يؤمنون بان لدى الولايات المتحدة "رسالة ساطعة" بان تعيد صوغ العالم بطريقة تنسجم مع رغباتها، اي تلك المجموعة التي يتقدمها المحافظون الجدد، قد سحقت.

عندما اوفد بول بريمر، الوجه العلني لمجموعة "الرسالة الساطعة"، الى العراق في ايار (مايو) 2003، كانت مهمته ان يعيد صنع مجتمع العراق واقتصاده بطريقة تمكن شركات اميركية من الهيمنة على كل قطاعات الاقتصاد الوطني فيما يمكن للمؤسسة العسكرية الاميركية ان تحصل على حقوق طويلة الامد لاقامة قواعد داخل البلاد. لكن لا توجد اي فرصة، الآن، في ان تسمح اي حكومة عراقية شرعية لمثل هذه التغييرات الجذرية في سياسات بلادها السابقة بان تدوم.

وفي الوقت ذاته، ادت توليفة من عاملين مختلفين تماماً، حماسة المحافظين الجدد المناهضة للسعودية والضغوط المتواصلة من "القاعدة"، الى حرمان المؤسسة العسكرية الاميركية من موقع يمكن التراجع اليه بسهولة داخل السعودية والتعويل عليه كمكان لقواعدها العسكرية. وسيشهد ميزان القوى الاستراتيجي في منطقة الخليج بالتأكيد تغييراً مستمراً باشكال مثيرة جداً للاهتمام، وعلى حساب قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بقوة كبيرة هناك على المدى البعيد.

٭٭٭

كما ذهب المحافظين الجدد الى مدى ابعد بكثير مما يجب على صعيد الدعم الذي تمكنوا من اقناع الرئيس بوش بأن يمنحه لاستخدام شارون المتواصل تكتيكات البلطجة في فلسطين.

الآن، بسبب هذا السعي لتحقيق اهداف ابعد كثيراً مما يمكن تحقيقه، نشهد نهاية عصر دام 30 عاماً تمكنت فيه الولايات المتحدة من احتكار كل الديبلوماسية على صعيد القضية العربية الاسرائيلية. واصبح واضحاً في الوقت الحاضر ان هذا الوضع لا يؤدي الاّ الى مأزق ديبلوماسي، واستمرار دورة العنف المميتة بين الاسرائيليين والفلسطينيين، واستمرار سياسات مصادرة الارض الاستعمارية التي تنتهجها اسرائيل في فلسطين.

هذا الجانب في السياسة الحالية للادارة له آثار سلبية واضحة على قدرتها في ان تنال المساعدة التي تحتاج اليها من حلفاء عرب قدامى مثل الاردن والسعودية ومصر فيما تفتش عن وسيلة لتجنب كوارث مستقبلية في العراق. لكن هل ستصر الدول العربية والاوروبيون واعضاء مجلس الامن عدا الولايات المتحدة على دور فاعل للامم المتحدة في ما يتعلق بفلسطين كشرط مسبق لأي مساعدة يمكن ان تقدمها الامم المتحدة لواشنطن في ما يتعلق بالعراق؟ لم المس حتى الآن اية مؤشرات علنية الى ان شيئاً كهذا يحدث. لكن لا ارى كيف يمكن لاعضاء "الرباعية" عدا الولايات المتحدة ان يواصلوا اكثر التظاهر بان "خريطة الطريق" 2002 تعني اي شيء، او انها تقود حقاً الى اي مكان يستحق التوجه اليه. ان "المجتمع الدولي" بحاجة حقاً الى صوغ مقاربة جديدة تجاه القضية الفلسطينية: مقاربة تنتزع رعاية الديبلوماسية من الاعيب واشنطن المزاجية والايديولوجية وتعيدها الى مكانها الشرعي: في ايدي مجلس الامن.

٭٭٭

لكن دعونا نعود الى مسألة البعد المتعلق بالنكسة الاميركية المستمرة في العراق. هناك مرتان في تاريخ العالم هيمنت فيهما الولايات المتحدة على السياسة العالمية، مثل تمثال ضخم من الزمن القديم. كانت اولى لحظتي الهيمنة في 1945. وجاءت الثانية في 1991 عندما قادت الولايات المتحدة، في اعقاب انهيار القوة العالمية للسوفيات، تحالفاً عالمياً تمكن بسهولة من اظهار قدراته العسكرية على مسافة نصف العالم من واشنطن، في العراق.

الآن، بعد 13 سنة فحسب على 1991، من الواضح انه بسبب تقديرات خاطئة وخطوات حمقاء من قبل قيادتها بالذات ? توّجت بالقرار الكارثي بمهاجمة العراق وبعدئذ محاولة ادارته بواسطة قوة احتلال غير كافية اطلاقاً ? "اهدرت" الولايات المتحدة اللحظة الثانية للهيمنة ولن تتمكن بسهولة من استعادتها. لقد بدأ عصر جديد. وسيتعين الانتظار لنرى هل سيكون عصراً يقوم بشكل اساسي على تعددية اطراف متعاونة او انه عصر نزاع بين القوى العالمية المختلفة. لنأمل انه سيكون العصرالاول ولنعمل من اجله!

تملك القوة التي تمارس تأثيراً في الشؤون العالمية، كما نعلم، مكونين رئيسيين. ويطلق على هذين المكونين بعض الاحيان "القوة القاسية" و"القوة المتساهلة". كما يمكن ان نطلق عليهما "القوة للقسر" و"القوة للاقناع". وتتألف اولى هاتين القوتين من القوة العسكرية والقدرة على الهيمنة على اقتصادات القوى الاخرى. اما القوة الثانية فان تحديدها اصعب، لكنني اميل الى ان اراها مؤلفة من اجزاء متساوية من سلطة اخلاقية، تنجب تلك الخاصية المحيرة، "الشرعية"، ومن امتلاك رؤية للمستقبل قادرة على كسب تأييد غالبية شعوب العالم.

في 1945، امتلكت كل الحكومات المتحالفة الرئيسية السلطة الاخلاقية الهائلة المستمدة من كونها انقذت العالم من بلاء هيمنة قوى المحور. لكن الولايات المتحدد كانت وحدها تملك، في تلك اللحظة في التاريخ، قيادة وافرة لمكونات القوة القاسية. وفي ما يتعلق بالقوة المتساهلة، تقاسمت روسيا، وبدرجة اقل الصين، مع الولايات المتحدة امتلاك "رؤية" لمستقبل العالم يمكن تأييدها، بينما كانت بريطانيا وفرنسا ما تزالان تغوصان عميقاً في وحل فظاعات الاستعمار. لكن على صعيد مكونات القوة القاسية، كانت الولايات المتحدة، في تلك اللحظة، هي "الفائزة" من دون ادنى شك.

وابتداءً من 1948، خاض السوفيات كفاحاً ثابتاً ضد هيمنة الولايات المتحدة. لكن "رؤيتهم" كانت تعاني عيوباً لدرجة انها عجزت عن كسب تأييد جدي من اكثرية العالم. بل ان محاولاتهم لتطبيق رؤيتهم داخل حدود بلادهم بالذات افضت الى فشل اقتصادي هائل. وفي 1989، كما نعرف، انهارت كلياً محاولة السوفيات للاحتفاظ بسيطرتهم على جزء كبير من اوروبا عبر "حلف وارسو"، وبعد ذلك بأربع سنوات جرى تفكيك الاتحاد السوفياتي ذاته الى اجزائه المكونة. ونجم هذا الانهيار عن فشل في توليد مكونات القوة القاسية، الى جانب فشل رؤيتهم في الداخل والخارج على السواء.

واعطى انهيار الاتحاد السوفياتي الفرصة لاولئك الاشخاص في الولايات المتحدة الذين كانوا يحلمون بهيمنة عالمية لاميركا. وكان هؤلاء، بشكل اساسي، هم المحافظون الجدد. لكنهم لم يكونوا في السلطة في لحظة انهيار السوفيات من 1989 الى 1993، ولم يكونوا في السلطة على امتداد التسعينات. بدلاً من ذلك، خضعت ادارتا الرئيس بوش الاب (1988-92) والرئيس بيل كلينتون (1992-2000) لهيمنة اشخاص كانت غرائزهم الرئيسية تميل الى التعددية اكثر من الهيمنة.

ويمكن ان نلاحظ ان استخدام الرئيس بوش الاب للتعددية واحترام المؤسسات الدولية كان عاملاً حاسماً في نجاحه في تحقيق ما لا يقل عن ثلاثة اهداف استراتيجية مهمة: (1) التعامل مع انهيار القوة السوفياتية بشكل جعل الفوضى والعنف اقل بكثير مما كان سيحدث بخلاف ذلك. (2) انجاز الهدف المحدود بانهاء الاحتلال الذي كان وضعه في ما يتعلق بالعراق والكويت. (3) تحقيق تقدم جدي في اتجاه انهاء النزاع الاسرائيلي العربي بعقد مؤتمر سلام تشارك فيه كل الاطراف في مدريد.

لكن بوش فشل في تقديم "رؤية" للعالم ملهمة بدرجة كافية الى ناخبيه بالذات. (وبالفعل، عرف عنه استهزاؤه علناً بـ"مسألة الرؤية"، كما كان يطلق عليها.) وهكذا، في 1992، استبدله الناخبون الاميركيون بييل كلينتون.

وينبغي ان يتحمل كلينتون وفريقه للسياسة الخارجية بالتأكيد قسطاً كبيراً من المسؤولية عن "اهدار" قدرة اميركا على تحقيق اشياء حسنة في عالم ما بعد الحرب الباردة. فقد وصل كلينتون الى السلطة وهو يردد بعض المقولات الجيدة حول تعددية الاطراف والحاجة الى دور قيادي مشارك للولايات المتحدة في الشؤون العالمية. لكن تضلّعه بالقضايا الاستراتيجية العالمية لم يكن قوياً. وكانت علاقته بقادة المؤسسة العسكرية الاميركية قلقة، الى حد انه شعر كما يبدو بعدم قدرته على تجاوز مشورتهم في لحظات اساسية عندما كان ينبغي تجاوزها. وضعفت قدرته على ممارسة السلطة الرئاسية على نحو خطير حالما اصبح متورطاً في فضيحة لوينسكي.

لكن الاهم من كل ذلك هو ان كلينتون فشل في ان يوضح بتفصيل، للشعب الاميركي او للعالم، اي "رؤية" مقنعة للطريقة التي يريد ان تنظّم بها الشؤون الدولية في اي نظام عادل تكون فيه الولايات المتحدة، على رغم انها ما تزال قوية، مستعدة لأن تكون "الاول بين اطراف متكافئة" متعاونة في الشؤون الدولية. وكان هو ومستشاروه نشأوا في عصر الحرب الباردة، عندما كان "الفوز" ما يزال الهدف الاستراتيجي الكبير. وقد اثبتوا عجزهم عن تكييف اقوالهم او افعالهم مع رؤية لعالم اكثر تعاوناً ومساواة.

(كما اهدر كلينتون ايضاً، خلال مسيرته آنذاك، بشكل كامل كل "الهدايا" الديبلوماسية الضخمة التي قدمها اليه آخرون في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، في صيغة آلية مؤتمر مدريد وفي وقت لاحق اتفاقات اوسلو. لقد اهدر تلك الهدايا، وعندما غادر موقعه في مطلع 2001، كان النزاع الاسرائيلي الفلسطيني يدخل احدى مرحله الاكثر سخونة ودماراً.)

ومن نواح كثيرة، مهّد اعتماد كلينتون المتواصل على مقاربة "العب لتفوز" في التعامل مع الشؤون الدولية لوصول مجموعة "العب لتفوز" الاكثر طموحاً وتهوراً الى السلطة في كانون الثاني (يناير) 2001: المحافظين الجدد. وينبغي ان الفت الى ان هؤلاء الرجال ليسوا محافظين اطلاقاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل انهم بالاحرى متطرفون مستعدون لتحمل مخاطرات هائلة سعياً لتحقيق اهدافهم الايديولوجية ذات الطابع التغييري والموغل في التطرف. وما يزال الاذى الكبير الذي تلحقه، وما تزال، قراراتهم بارواح ومصالح العراقيين والفلسطينيين، وبصدقية النظام العالمي، وبهدف تحقيق عالم يقوم على قواعد ونظام عالمي ? وكذلك، يمكن القول? بالمصالح الحقيقية للشعب الاميركي ? طرياً في الذاكرة ويسهل ادراكه. انه ما نقرأ عنه بانتظام يبعث على الاكتئاب في صفحات الاخبار كل يوم.

خلاصة القول ان ما تعانيه الولايات المتحدة حالياً في العراق يمثل نقطة تحول مهمة في تطور الشؤون الدولية. ويمثل التعامل مع نقطة التحول هذه بطريقة تتجنب المزيد من النزاعات واتساعها ولكن تفضي بالاحرى الى عالم اكثر تعاوناً ومساواة، مهمة تقتضي حكمة هائلة، من اشخاص خارج الولايات المتحدة وايضاً داخلها. وفي ما يتعلق بوجود مثل هؤلاء الاشخاص داخل الولايات المتحدة، يؤسفني ان اقول انني لم اجد حتى الآن سوى ومضات قليلة من جون كيري بانه قد يكون مستعداً لتحدي مقاربة "العب لتفوز" تجاه الشؤون الدولية التي اتبعتها كل ادارة اميركية منذ هاري ترومان. وبالفعل، لم يطوّر كيري بعد اي تحد قوي لسياسات بوش بشأن العراق.

ومع ذلك فان هذا التحدي قد يأتي. لكن نحتاج ايضاً ان نبدأ بسرعة بتثقيف جون كيري وبقية النخبة السياسية في الولايات المتحدة بانه ينبغي من الآن فصاعداً ان تكف واشنطن عن محاولة التصرف بشكل عدواني وتبدأ في التحرك كعضو في المجتمع العالمي راغب في التعاون فعلاً. فهذا هو السبيل الوحيد? في عالم اليوم المترابط، الذي يمكن فيه لأي شخص ان "يفوز".

٭ كاتبة بريطانية متخصصة في شؤون الشرق الاوسط.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group