موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 19:55 GMT - 2008/05/17

حال الطقس في 101 مدينة







مأزق الخيارات الفلسطينية والحاجة الى تفكير واقعي

ماجد كيالي     الحياة     - 07/05/08//

تشهد الساحة الفلسطينية في هذه المرحلة، وعلى خلفية صعوبة تجسيد خيار الدولة المستقلة، نقاشا واسعا بشأن جدوى الاستمرار بهذا الخيار، بينما تستمر فيه إسرائيل بتعزيز الاحتلال والاستيطان والتهويد ومصادرة الحقوق.

فقد أمضت الحركة الوطنية الفلسطينية 35 عاما من عمرها في تبني خيار الدولة المستقلة إلى جانب إسرائيل (منذ عام 1974). ومضى على المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي، التي تضمنها «اتفاق أوسلو» (1993) ومدتها خمسة أعوام، خمسة عشر عاما، ولا أحد يعرف متى أو كيف ستنتهي!

الآن ثمة حلقات نقاشية وكتابات في الصحف والمجلات، داخل الأرض المحتلة وخارجها، يتم عبرها طرح ضرورة تجاوز خيار الدولة، والانفتاح على خيارات أخرى، مثل خيار الدولة الواحدة، سواء كانت ثنائية القومية أو دولة مواطنين أو دولة ديموقراطية علمانية. وبديهي ان ثمة خيارات أخرى في ثنايا هذا النقاش، مثل خيار الكونفيديرالية مع إسرائيل و/أو الأردن، أو دولة كونفيديرالية ثلاثية (الأردن - فلسطين - إسرائيل).

وبسبب غياب الهيئات الشرعية والتشريعية ومؤسسات صنع القرار اللازمة لتفحص الخيارات السياسية والتقرير بشأنها، وبسبب هيمنة المزايدات الفصائلية، وتدني مستوى الديموقراطية في العلاقات الداخلية، وتغليب الشعارات التحريضية على الخطابات السياسية، على حساب التفكير العقلاني والواقعي، فإن هذه المناقشات تتضمن إشكاليات وصعوبات عدة، أهمها:

1 - إن المعضلة الأساسية للساحة الفلسطينية لا تتوقف على خيار بعينه فقط (خيار التسوية مثلاً)، وإنما ترتبط أيضا بالوسائل النضالية المتاحة لتجسيد هذا الخيار أو غيره، وطريقة إدارة الكفاح من اجل الوصول إليه بأقوم واقصر ما يمكن، بمعنى تقليل الخسائر.

والواضح أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تستطع، خلال أكثر من أربعة عقود، تحقيق الإنجازات التي تتناسب مع التضحيات الكبيرة التي بذلها الشعب، ليس بسبب خلل موازين القوى لصالح العدو فقط، وإنما بسبب ضعف البنى الذاتية، وتخلف إدارة الصراع مع العدو، وتدني القدرة على المزاوجة بين خيارات عدة.

2 - بمعزل عن البعد النظري والرغبات، فمن الناحية العملية يبدو أن ثمة شرعية لكل الخيارات المطروحة من خيار التحرير إلى خيار الدولة المستقلة في الضفة والقطاع وصولا الى الدولة الاتحادية، أو الكونيفديرالية الثلاثية، أو الثنائية القومية أو الديموقراطية العلمانية. ففي العمل السياسي لا يمكن التعويل على أو الارتهان لخيار بعينه، وإنما ينبغي الانفتاح على جميع الخيارات، على أن توصل إلى النهاية المتوخاة، وهي في الموضوع الفلسطيني تتعلق بتقويض تجلّيات المشروع الصهيوني، باعتباره مشروعا استعماريا واستيطانيا وعنصريا. بمعنى أن كل الخيارات ينبغي أن تصبّ في هذا الاتجاه، على المدى البعيد، ولو بشكل متدرج.

وبديهي أن ذلك يتطلب عدم المفاضلة بين الخيارات، فالفلسطينيون لا يملكون هذا الترف، فضلا عن التنازع الداخلي المجاني بشأنها، لأن ذلك لن ينتج إلا استمرار الواقع. ومن الواضح أنه من دون انقلاب في وعي الإسرائيليين ومن دون تغير ملموس لصالح العرب في موازين القوى، ومن دون تغير وضع العرب أنفسهم، فإن الباب سيبقى مسدودا أمام كل الحلول.

3 - لا توجد أطروحة بين الأطروحات المتداولة لا تتضمن حلا مجحفا بحق الفلسطينيين، لا سيما أنها كلها تنطلق من وجود إسرائيل ووجود جماعة قومية إسرائيلية، لذا تبدو المفاضلة بين هذه الأطروحات نسبية، وخاضعة لمعطيات ومتطلبات كل مرحلة، فالوضع يتعلق بالبحث عن عدالة نسبية وليس عن عدالة مطلقة. كما أن المسألة لا تتعلق بقرار ينهي الصراع، إذ أن حل المسائل التاريخية لا ينتهي بقرارات واتفاقيات، فصراع على هذه الشاكلة يمكن أن يأخذ أشكالا متغيرة، ليست بالضرورة عنفيّة أو استئصالية، لذلك ليس ثمة شيء اسمه نهاية الصراع هنا.

4 - إن أي خيار فلسطيني على الصعيد المستقبلي سيظل مرتهنا لمجمل المسارات والتطورات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، وبالتالي بمستقبل التشكيلات والنظم السياسية القائمة أو القادمة. بمعنى أن مصير أي خيار سيرتبط بمسارات الانفصال وبالأحرى الاندماج السياسي والاجتماعي والاقتصادي في المنطقة العربية، وبالخصوص في بلاد الشام والرافدين. مثلا من الصعب توقع استمرار الدولة الإسرائيلية أو المجتمع الإسرائيلي في جزيرة معزولة أو في غيتو في المنطقة، وكذا وجود مجرد دولة للفلسطينيين في الضفة والقطاع. فالتطورات الاقتصادية ومسارات العولمة والاندماج الاقتصادي تدفع باتجاه تكتلات اكبر ومنطقتنا لن تكون خارج هذه العملية على الأغلب. لكن هذا الأمر لا ينبغي أن يترك للفوضى والعفوية لأن ذلك قد يقود لمسارات معاكسة وسلبية، بمعنى أن الانفتاح على هذه الرؤية يفترض السيطرة على التطورات في المنطقة وتوجيهها نحو الاتجاهات الايجابية.

بناء على ما تقدم فإن تعقيدات الوضع الفلسطيني تفترض إيجاد معادلات سياسية جديدة ومبتكرة، لشق مختلف الطرق نحو الهدف المتمثل بتقويض المشروع الصهيوني، بتعبيراته الايديولوجية العنصرية وبمظاهره العدوانية، وصولا لحل المسألتين الفلسطينية والإسرائيلية اللتين أوجدهما هذا المشروع في المنطقة.

وربما كان الانتقال من إستراتيجية الصراع المباشر مع إسرائيل على وجودها إلى إستراتيجية استيعاب هذا الوجود لإدخال تحولات فيه، يشكل إحدى رهانات عملية التسوية الصراعية التي تحمل في داخلها، مثلها مثل أي ظاهرة، نقيضها.

وبناء على ما تقدم فإن التفكير السياسي العربي معني بتطوير نظريته بالصراع والتي كانت تقتصر فقط على الجانب العسكري، الذي استنزف القدرات والإمكانات العربية أساسا، وأفاد إسرائيل، وذلك بالتأكيد على استراتيجيات البناء والتطوير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي والثقافي، وفي هذه الاستراتيجيات يكمن أساسا نجاح استراتيجية الاستيعاب والتذويب للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية.

آن الأوان للفكر السياسي الفلسطيني (والعربي) أن يراجع مناهجه وأولوياته وأدواته، بالانتقال من حقل التفكير بالمطلقات إلى التفكير بصنع الوقائع والانطلاق من أن عملية التغيير ليست مجرد عملية انقلابية تتم دفعة واحدة وإنما باعتبارها عملية تراكمية تدريجية مركبة في عالم تتحكم فيه النسبيات وموازين القوى.

آن الأوان لوضع إسرائيل أمام خيارات وتحديات حقيقية، سواء أمام نفسها أو أمام العالم. وبالنسبة الى الفلسطينيين آن الأوان للخروج من زاوية الخيار الواحد، لرسم معادلات سياسية جديدة، من شأنها توسيع الخيارات التفاوضية، بعد هذا الانسداد الحاصل في مسيرة التسوية.

كاتب فلسطيني











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group