موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 04:37 GMT - 2008/05/14

حال الطقس في 101 مدينة







تحصيل حقوق المرأة السعودية بين التدرّج والتسرع

الرياض - راغدة درغام      الحياة     - 09/05/08//

أثناء «لقاء الخبراء الوطني حول العنف الأسري» في فندق «ماريوت» في الرياض، وضع حاجز من زجاج بين الجانب النسائي والجانب الرجالي من الحضور للفصل بين الفريقين المتحاورين في لقاء تاريخي نسبياً.

تاريخي لأن المؤتمر هو الأول من نوعه لبحث العنف الأسري - بما فيه العنف الجنسي ضد المرأة - بصورة علنية، ولأن برنامج القضاء على العنف الأسري أقيم بأمر ملكي. فلولا الإرادة السياسية لما كان متاحاً أبداً أمام هذا البرنامج ان يبصر النور، ولا للجانبين، النسائي والرجالي، ان يجتمعا تحت سقف واحد يفصل بينهما جدار قصير من الزجاج يُعد نصبه «إنجازاً» في الطريق الوعر والطويل الى الانفتاح وكسر جدران منع الاختلاط بين الجنسين. الاختلاط في المستشفيات بين الأطباء والطبيبات مسموح به كما بينت مدرسات التشريح والطلاب من الجنس الآخر، ولكن اولئك الطبيبات والمدرسات الجامعيات يشاركن في مؤتمر تقدمي كهذا ويبتهجن تقريباً بجدار الزجاج، إذ يقارنّ بينه وبين الندوات المعهودة في غرف مغلقة منفصلة تجمع بين الجنسين في حوارهما شاشات الفيديو الرديئة الصوت والصورة.

وبالطبع، ان وضع المرأة في المملكة العربية السعودية ما زال مختلفاً مقارنة بأوضاع المرأة في العالم، بما فيها المرأة العربية في دول عدة. لكن ما يحدث في المملكة من تغيير يأتي بفضول واضح على الاعلاميين الغربيين بالذات يتوقف دائماً عند محطة المرأة السعودية باعتبار مسيرتها إبرة البوصلة في تقويم ما إذا كان التغيير عابراً كما سبق، أو انه سيصبح مؤسساتياً كما تتمنى النساء ومنظمات حقوق الانسان.

صدفة، وفي اليومين ذاتهما من انعقاد اللقاء حول العنف الأسري، كانت تعقد «الندوة العلمية لتاريخ الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود» في فندق «انتركونتيننتال» ومعرض عن الملك الراحل في المتحف شارك في تنظيمه وتحضيره آل الفيصل من أبناء وبنات وأحفاد وحفيدات. الصورة التذكارية جمعت الأبناء والأحفاد من الرجال والشباب حصراً، لكن الندوة والوثائق ذكرت بوضوح ان الملك فيصل والملكة عفت كانا فريقاً واحداً في رفع راية تعليم البنات وإنشاء المدرسة النموذجية المختلطة بين الفتيات والصبيان.

واليوم، إن الأميرة لؤلؤة بنت فيصل، هي المسؤولة عن مجلس إدارة «مدرسة دار الحنان» و «كلية عفت»، وهي ايضاً الرئيس المشارك لمجموعة C-100 التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لحوار جميع الديانات مع اللورد كاري، رئيس أساقفة كانتربري السابق. وقد أوكلت هذه الرئاسة الى الأميرة لؤلؤة بترشيح لها من شقيقها الأمير تركي الفيصل وسمح بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - وهذه سابقة لها دلائل ومؤشرات مهمة.

قد يكون لترعرع الأميرة عفت في تركيا في عهد أتاتورك حيث ولدت ثم عادت في سن الـ16 (علماً بأنها سعودية الأصل من آل الثنيان)، قد يكون لذلك تأثير في نظرة الملك فيصل نحو تعليم البنات والاختلاط في المدارس الثانوية على رغم انه كان وضع الدين الاسلامي في أعلى وأهم مرتبة في أولوياته. فقد كانت العلاقة بينهما مبنية على الاحترام والانفتاح - وهذا شق طريقه الى الرغبة في تطبيق ذلك في المجتمع.

ما حدث وعطل هذه الرغبة يعود الى اسباب عدة يختلف حولها المتحاورون في خلفية ودواعي وأدوات انحسار الاحترام لحقوق المرأة الاساسية وتعطيل الانفتاح على قوانين وتشريعات بموجب الدين تؤمن الحماية الضرورية للمرأة من تجاوزات الرجال الذين استخدموا الأعراف الدينية لمصالح أنانية.

جزء من جيل النساء اللواتي يُعتبرن من جيل الانفتاح على التعليم في عهد الملك فيصل واصبحن محترفات ومهنيات بشهادات جامعية، غاضب. غاضب من الإصرار على اسلوب «الخطوة خطوة» في المسيرة التدريجية البطيئة الى تحصيل حقوق بديهية للمرأة، وهو الجزء الغاضب من «ابتهاج» زميلاتهن في الصراع بالجدار الزجاجي الفاصل. جزء آخر يصر على ان البيئة السعودية لا تتحمل سوى التدريجية وتحصيل الحقوق خطوة خطوة، بعيداً عن الأضواء، بصبر ومثابرة، ونعم... باحتفاء بالفاصل من زجاج «فعلى الأقل، اننا نتنشق الهواء ذاته» بحسب قول إحداهن.

إحدى الغاضبات من الاكتفاء بالتدريجية البطيئة تقول: «لطالما صدرت قرارات ومبادرات وماتت في مهدها بسبب عدم وجود المؤسسات الإدارية. فالمؤسساتية غير موجودة. والكل يتصرف على طباعه وخلفيته الثقافية والقبلية وبحسب المناطق التي ينتمي اليها». وتضيف ان ما يحدث عملياً هو «خطوة الى الأمام وعشرة الى الوراء». وان «التغيير التدريجي ليس موفقاً»، وان «المطلوب هو صك قوانين ونظام يحمينا».

بحسب هذا الرأي، «لا تقدم في العلم والتعليم وفي المجال الصحي من دون الاختلاط، ذلك ان في العزلة تأخراً، والعزلة تبقى حتى وان كان الجدار العازل من زجاج». هذا الرأي يقر بأنه «يوجد جديد ويوجد تغيير. والجديد هو قرار سياسة الدولة بتحسين وضع المرأة». لكن صاحبات هذا الرأي يتحدثن عن تسلط بعض رجال الدين على القرارات التي تصدرها الدولة أو تعمل على إصدارها، ويشرن بالذات الى تقليد «الولاية والقوامة».

الدكتورة آسيا الرواف تقف مع الرجال في غرفة العمليات منذ 27 عاماً، واسست جناحاً لجراحة الأطفال، تلوم «المد الديني الذي انطلق بالذات عام 1979» مع الثورة الخمينية في ايران وترك آثاره المباشرة على مسيرة المرأة في كل مكان. تقول ان «المشكلة في الأعراف وليست في الدين والشرعية»، وتشير الى ما تسميه بـ «الانقسام في الصوت الديني بين من يتبنى الخطاب المتشدد ومن يتبنى ما يسمى بالوسطية الأقرب الى التيار الاصلاحي». وتضيف ان «السياسي مع المرأة، والديني منقسم، والعامة ما زالت مع التيار الديني المتشدد».

في خبر من الرياض في «الحياة» مطلع هذا الاسبوع جاء ان مرتادي المساجد السعودية سيلاحظون مفردات «حقوق الانسان» تتردد على شفاه الواعظين في خطب الجمعة «بعد ان تعهدت وزارة الشؤون الاسلامية بتجييش أئمتها ودعاتها لنشر الوعي بحقوق الانسان في إطار شراكة جديدة بينها وبين هيئة الحقوق الحكومية». والجديد ان المهمة ستشمل حقوق الأولاد والبنات والزوجات والخدم.

بحسب التعريف الدولي لـ «حقوق الانسان» فإن «الولاية والقوامة»، كما منع الاختلاط بين الجنسين، تتنافى مع الحقوق الاساسية للانسان. والمرأة السعودية تخضع لهذه الممارسات لأن الأعراف - وليس الدين أو القوانين - تفرض عليها طلب الاذن من أبيها أو أخيها أو زوجها أو ابنها، حتى عند حاجتها لرعاية صحية طارئة وليس فقط في مسائل السفر والعلم والعمل والزواج. وفي حال مواجهة العنف الأسري، على المرأة ان تطلب إذن زوجها - عملياً - لتشتكي عليه.

كل هذا ليس تنفيذاً لقوانين تم صكها وانما بسبب عدم صك القوانين التي تمنع هذه التجاوزات والممارسات. وهذا تماماً ما بدأت المرأة السعودية تعمل على تفكيكه بخطوات تدرجية من أجل محو التمييز ضدها والنجاح في تأهيلها كجزء من المجتمع يستحق الاحترام والقوانين التي تحميه وتزيل هذه الممارسات المهنية. فلا خلاف بين النساء أنفسهن على التغيير.

الخلاف قائم على وتيرة التغيير. بعضهن يشرن الى مشاركة سيدات أعمال في الوفد الرسمي الذي يرافق الملك عبدالله في الزيارات الرسمية - وهذا لأول مرة - وهن يعتبرن ان ذلك دعم حكومي مهم للمرأة ودليل على اعتزام الملك عبدالله دعم المرأة في مسيرة التغيير.

صاحبات الرأي القائل بالتدرجية يعتبرن ان الإسراع بوتيرة التغيير سيؤدي الى نتائج عكسية، فيما التدرجية تضمن لها حقوقها بشكل أضمن. ويتحدثن عن أهمية «التوعية»، توعية الرجال والنساء على السواء. يقلن ان لا حاجة «للاصطدام بمعارضة» لأن طريق التغيير ممهدة الآن «ولا حاجة بنا للعجلة بما يؤدي الى الاصطدام».

إحداهن تشير الى أهمية التركيز على حاجات المرأة لتحقيقها، من دون ضجة، لتلقى العناية الضرورية بدلاً من ان تكون ملحقاً في العاميات. «جمعية سرطان الثدي» مثلاً، التي تترأسها الأميرة هيفاء الفيصل وأسستها الدكتورة سعاد بن عامر، هي الأولى في المنطقة العربية كجمعية مخصصة للتوعية ومساعدة المريضات وانشاء مراكز لفحوصات النساء.

«جمعية النهضة» التي تركز على تمكين المرأة، وأمينها العام الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز، تركز حالياً على معالجة «بطالة البنات» واسترداد المرأة «القيمة الاقتصادية» التي كانت تتمتع بها قبل فورة النفط.

المدير التنفيذي لبرنامج «الأمان الأسري الوطني في مدينة الملك عبدالعزيز الطبية»، الدكتورة مها بنت عبدالله المنيف، اختتمت «لقاء الخبراء الوطني حول العنف الاسري» بقراءة 22 توصية توصلت اليها المشاركات والمشاركون في اللقاء ومن بينهم قضاة ورجال شرطة ومحامون وأطباء نفسانيون. أول توصية كانت «الاعتراف بوجود ممارسات للعنف الاسري في المملكة على نطاق يستدعي الاهتمام ويستلزم التدخل بصفة عاجلة للتصدي لها والوقاية منها».

فمجرد الاعتراف والتحدث العلني عن مثل هذه الظاهرة هو تغيير، انما التوصيات تطالب بأفعال وليس فقط باعتراف وإقرار. هناك إصرار على العمل نحو «تجريم أنواع العنف الأسري كافة التي ينتج عنها ضرر على الضحية أو ذويها، وتطبيق العقوبات التعزيزية الرادعة على المعتدي».

يوجد كلام عن «إلزامية التبليغ وحماية المبلغين ومعاقبة المعتدين». كلام عن ضرورة استحداث إدارات تعنى بالوقاية والتصدي للعنف الاسري في كل الوزارات والمؤسسات الحكومية المعنية، وايجاد آلية للتعاون في ما بينها. برنامج العمل للسنة المقبلة سيصب ايضاً في تدريب وتأهيل المهنيين المتعاملين مع حالات العنف الاسري وفي «إلزام العاملين في الجهات الأمنية بتلقي البلاغات والشكاوى». توصيات تطالب «بإصدار مدونة للأحوال الشخصية في المملكة، مستمدة من الشريعة الاسلامية، بهدف الحد من العنف الأسري»، وتطالب «بتفعيل المحاكم الأسرية لتتولى البت في قضايا العنف الأسري».

هذه ليست أول مرة يتم فيها تناول مسألة العنف ضد المرأة والطفل والمسن في المنطقة العربية. لكن هذه أول مرة تتحدث فيها النساء والرجال علناً، في السعودية عن مثل هذه المسائل.

«نحن نستفيد من التجربة العربية، وكذلك الغربية، لأنها قطعت أشواطاً قبلنا»، تقول ابنة الملك عبدالله، الأميرة عادلة، التي تقوم برعاية «البرنامج»، مشيرة بالذات الى الأردن واليمن وتونس حيث «الخبرات العربية تساعدنا». تقول ان خطوات عدة تتخذ في مختلف المجالات، من الشأن العام الى الاقتصاد، من أجل ممارسة «جدارة ومسؤولية» المرأة السعودية كشريك جديد في التنمية الوطنية. وتشير الى ان حوالي نصف السكان، 49 في المئة حسب قولها، من النساء، ونصف السكان عمرهم اقل من 15 سنة، والمجتمع لا يسير قدماً بنصفه فقط.

بطيئة هذه المسيرة أو سريعة، انها جزء من التغيير الذي يحدث في المملكة. مجرد ان تكون المرأة جزءاً من التغيير بقرار سياسي جدي أمر يجب الاعتراف بأهميته وتشجيعه. مجرد ان يصبح الكلام عن «حقوق الانسان» جزءاً من الوعظ الديني، مسألة تستحق التوقف عندها والاشادة بها. لكن البطء يبقى عدواً متأهباً لمسيرة تغيير كهذه إذ يتركها معرضة بهشاشة للقوى التي قاومت اصلاً وتقاوم مثل هذا التغيير.

ان الإسراع بصك القوانين التشريعية هو افضل رادع يوفر الوقاية للتدرجية في التغيير وهو افضل رادع للذين يعتقدون خطأ ان التقاليد تعطيهم حصانة دائمة للإفلات من العقاب. فلتكن إزالة الجدار الزجاجي تدرجية وخطوة خطوة، انما فليرافقها صدور القوانين ووضع أسس المؤسساتية بقرارات أسرع.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group