هل في لبنان لبنانيون؟
مصطفى زين الحياة - 13/05/08//
مرة أخرى يخوض اللبنانيون حرباً نيابة عن غيرهم. مرة أخرى، خلال أكثر، أو أقل من عقدين (الحروب تلغي الزمن أو تكثفه) ينفجر الاحتقان العربي والدولي في لبنان لتفادي مواجهة شاملة. مرة أخرى كانت الطوائف اللبنانية مستعدة للعب دور الجاليات، تسكن في مكان ومشاعرها، إن لم نقل ولاؤها، في مكان آخر.
في نهاية الستينات ومطلع السبعينات، كان الفشل العربي (والدولي) السبب المباشر لاندلاع الحرب الأهلية. كانت الهزيمة العربية التي أطلق عليها «النكسة» قسمت العالم العربي الى قسمين: قسم يدعو الى الصلح مع اسرائيل، طالما أن المشاريع الوحدوية والثورية لم تُجد، وقسم يصر على أولوية واستمرار الصراع مع الدولة العبرية. وبحكم الجغرافيا والتاريخ انتقل هذا الصراع الى لبنان.
يومها كانت النكسة ثم شبه الانتصار في حرب رمضان سبباً لانقسام العرب الذين لا يستطيعون تحمل الانتصار ولو كان منقوصاً. وتحول لبنان الى ساحة لتصفية الحسابات بين الجميع. تحالف وطني - يساري - فلسطيني له امتداداته العربية والدولية (كان الاتحاد السوفياتي ما زال في قوته) مقابل تحالف يميني، له أيضاً امتداداته العربية والدولية التي وصلت الى الولايات المتحدة، عبر اسرائيل. وانفجرت حرب أهلية، قتل خلالها من قتل، واغتيل من اغتيل، وظهرت طبقة أغنياء الحرب... ولم تنته إلا بتوافق عربي مع سورية، بمباركة أميركية، وبعد احتلال اسرائيل بيروت وخروجها منها لتقيم حزاماً أمنياً قرب حدودها (هو اليوم في عهدة قوات الامم المتحدة بناءً على القرار 1701).
ضعف الدولة اللبنانية وعدم قدرتها (رغبتها) على الاهتمام باحتلال الجنوب، واالصراع العربي - العربي، خصوصاً المصري - السوري، خلال حرب الاستنزاف وزيارة السادات للقدس واتفاقات كامب ديفيد، كل ذلك أطال أمد الحرب الأهلية، وأتاح المجال لايران كي تمد نفوذها الى لبنان، وأفرز ظاهرة «حزب الله» الذي تولى الدفاع عن الجنوب باقتدار، وحوّل المقاومة الى فريق من مذهب واحد، بعدما كانت أحزاب الحركة الوطنية تضطلع بهذه المهمة، بنجاحات محدودة.
اليوم تغيرت الظروف والمعطيات، لبنانياً وعربياً. وقسّم الخلاف في لبنان وعليه، بعمقه العربي والدولي، الطوائف (الجاليات) اللبنانية من جديد. ولا شك في أن البعد الايراني الذي لم يعد طارئاً، عمّق هذا الانقسام وأعطى الصراع بعده الطائفي، بدلاً من بعده السياسي الوطني (يسار، يمين، مقاومة أو صلح). وهذا أخطر ما في نذر الحرب الحالية.
واذا كانت «النكسة» وشبه الانتصار العربيان أفرزا الحرب الأولى، فإن الهزيمة العربية الشاملة وانتصار ايران في العراق هما في أساس الأزمة الحالية، خصوصاً بعد الخلاف السعودي - السوري وانضمام الأردن ومصر الى جانب الرياض، وفشل كل المحاولات، بما فيها محاولات العزل والاغراء لإبعاد دمشق عن طهران. ولم يعد خافياً على أحد أن ايران تستخدم الورقتين اللبنانية والفلسطينية في صراعها مع الولايات المتحدة، وتتلاقى مصالحها مع مصالح سورية التي ترى في بيروت حديقتها الخلفية، ومصدر التهديد الرئيسي لأمنها. دليلها الى ذلك، يقول مسؤول سوري كبير، طريقة اخراج جيشها من لبنان، وسعي اللوبي اللبناني في واشنطن، بالتنسيق مع «ايباك» لاستصدار قرار «تحريرها» من الكونغرس. واحتضان العاصمة اللبنانية جماعة «اعلان دمشق» المعارضة.
أخطأ اللبنانيون والسوريون، بعد انتهاء الحرب الأهلية لأنهم عمقوا المحاصصة الطائفية، والتقسيم المذهبي، وها نحن ندفع الثمن. وسنكرر الخطأ، في أي اتفاق جديد، حتى لو أخذت المعطيات والتغيرات الديموغرافية الجديدة في الاعتبار، لأن الجميع ما زال متمسكاً بفيديرالية الطوائف. لذا يصح السؤال هل في لبنان لبنانيون فعلاً؟
|