قمة الثماني وحملة بوش الانتخابية
رشيد خشانة الحياة 2004/06/7
الأرجح أن رسالة العالم العربي والاسلامي لن تصل الى قمة الدول الصناعية الثماني التي تبدأ أعمالها غداً في سي آيلاند بسبب غياب البلدان الرئيسية المعنية بمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي ستناقشه القمة من ضمن المسائل المدرجة على جدول أعمالها. فالادارة الأميركية اختارت من كامل المنطقة الممتدة من موريتانيا الى أفغانستان أن تقصر الدعوة على الأردن والبحرين واليمن، اضافة للجزائر التي دعي رئيسها في الاطار الأفريقي للبحث بمعية رؤساء آخرين في ملفات أخرى...
وهذا معناه أن البلدان الرئيسية مثل مصر والسعودية والمغرب وسورية غائبة أو مغيّبة من القمة. أما البعد الاسلامي فلم يجد الأميركيون من يمثله سوى الرئيس الأفغاني حميد كرزاي الذي اعتلى سدة الحكم في ظروف يعلمها الجميع. ومن هنا فان العنوان الذي وضعه بوش للقمة والمتمثل بـ «مناقشة كيف يمكن لمجموعة الدول الصناعية الثماني مساندة الحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الشرق الأوسط الكبير» سيبقى شعاراً للاستهلاك من دون ترجمة على أرض الواقع. فالجولات التي قام بها الوزير باول ومساعدوه خصوصاً غروسمان وبيرنز على المنطقة خلال الأشهر الماضية لمناقشة المشروع ليست كافية، اذ لا يمكن الاقتصار على نقل مواقف الحكومات والمجتمع المدني في البلدان المعنية الى قمة الثماني من دون التفكير في حوار مباشر يطاول القضايا الجوهرية التي يطرحها المشروع.
ويمكن القول ان تركيز الرئيس بوش على تقريب بلدان معينة واستبعاد أخرى يدل الى الرغبة في سماع خطاب عربي واحد في القمة وتجاهل المواقف الأخرى، خصوصاً تلك التي شدّدت على ضرورة التزامن بين الاصلاحات السياسية في العالم العربي والتسوية العادلة للقضية الفلسطينية وانهاء احتلال العراق. ولو لم تكن القمة في ولاية جورجيا وكانت في ألمانيا أو فرنسا مثلاً لتغيرت ربما نوعية المدعويين وطبيعة المسائل المعروضة للمناقشة، اذ من الواضح أن بوش حريص على استثمار استضافته للقمة سياسيا.
مع ذلك ليست البلدان الثماني متجانسة في الموقف من التغييرات الديموقراطية في العالم العربي والاسلامي مثلما هو معروف، فالرؤيتان الفرنسية والألمانية مختلفتان عن الطرح الأميركي للموضوع وهما متباعدتان عنه أيضاً في المسألتين الفلسطينية والعراقية، هذا عدا عن الموقف الروسي. ولذا قبلت واشنطن باعطاء تنازلات في مستويات مختلفة من مشروعها الأصلي الذي نشرته «الحياة» وغنم منها بوش تأييداً فرنسياً ظاهرياً لمشروعه المعدّل. لكن المشروعين الأوروبي والأميركي يتجهان نحو الاحتكاك في المدى المتوسط فطرح بوش الخاص بالاصلاح السياسي يخدم الخطة الأميركية الرامية لاقامة منطقة للتبادل الحر مع الشرق الأوسط شاملة اسرائيل اعتبارا من السنة ألفين وثلاثة عشر، في رد مباشر على مشروع الشراكة الأورومتوسطي الذي يسعى لانشاء منطقة تبادل حر في أفق السنة ألفين وعشرة.
كذلك يسعى بوش لفرض الأجندة نفسها على قمة حلف شمال الأطلسي أواخر الشهر في اسطنبول. واعتبر مسؤولون أميركيون كثر في الفترة الأخيرة أن على الحلف "أن يكون طرفا في المباحثات المتعلقة بالتغيير في الشرق الأوسط" خصوصا من خلال الحوار المفتوح بين «الأطلسي» والبلدان المتوسطية. وعلى هذا الأساس منح المغرب صفة الحليف الأقوى خارج الحلف بعد أسابيع من التوقيع على اتفاق أميركي - مغربي للتجارة الحرة، ويبدو أن البحرين تستعد لنقلة مماثلة.
لكن على رغم هذه الخطوات، المنسجمة مع قناعة الادارات الأميركية المتعاقبة بضرورة مراجعة الدور السابق للحلف الأطلسي بعد زوال الاتحاد السوفياتي السابق، يبقى مشروع الاصلاح الديموقراطي الراهن أقرب الى حملة انتخابية جمهورية منه الى أجندة حقيقية، فهو يغطي على انهيار آفاق التسوية السلمية للصراع العربي - الاسرائيلي ويظهر أن لدى الادارة الحالية خطة طويلة المدى لتطبيع الوضع العراقي، وهو يخطب أيضا ودّ النخب والمجتمعات العربية المتعطشة للاصلاح، الا أنه يظل فاقدا الصدقية... تحديداً بسبب هذا الطابع المخاتل.
|