:التجديد الأخير 22:15 GMT - 2008/12/01


حال الطقس في 101 مدينة







«العدوان الثلاثي» لإصلاح المجتمع العربي: الخارج، والدولة، والتعصب الديني

خالد الحروب      الحياة     2004/06/15

الكل يريد إصلاح المجتمع العربي! الولايات المتحدة تريد إصلاحه حتى يكون أقل تطرفاً وأقل إنتاجاً لأسامات بن لادنيين، وأكثر تصالحاً مع إسرائيل. الحكومات العربية تريد إصلاحه حتى يكون أكثر تسامحاً وديموقراطية وإحتراماً لحقوق الإنسان (كأن هذا المجتمع وليس الحكومات هو الذي ينتهك تلك الحقوق ويفتح السجون وغير ذلك). التيارات الدينية تريد إصلاح المجتمع لأنه حاد عن الطريق وأندرج في مسالك الفسق فإستحق غضب الخالق والمخلوق! والمجتمع المسكين ضائع بين هذه الأطراف الثلاثة التي تتوعده ليل نهار بإصلاح يهز قواعده ويعيده إلى رشده, فتسعد بذلك الولايات المتحدة, وتغتبط حكوماتنا العربية, وتقر عيون شيوخنا! كأنما هو فعلاً عدوان ثلاثي يريد كل من أطرافه نهش ما يمكن نهشه من جسد مجتمع مثخن أصلاً بالنهش المستمر طوال قرن إن لم يكن أكثر.

عملياً وواقعياً، ومع الإقرار بأن مجتمعاتنا العربية بحاجة ماسة لإصلاح ذاتي ملح فإن الأكثر إلحاحاً هو ضرورة إصلاح الجهات الثلاث نفسها التي تطالب بإصلاح المجتمع العربي: فأميركا التي يقودها العفن النيو- محافظ إلى الجنون السياسي والبطش الدولي تحتاج إلى إصلاح ملح,I والطبقات الحاكمة في بلداننا العربية التي تعفنت إلى درجة هائلة تحتاج إلى إصلاح ملحّ, والفكر الديني الذي وصل تكلسه إلى حالة شلل ذاتي وموضوعي يشل المجتمع ويكبله يحتاج إلى إصلاح ملحّ هو الآخر. هذه السطور، وبسبب قصر المقاربة، ستتجاوز الحديث عن الولايات المتحدة وصفاقة دعواتها، لئلا تكرر ما صار معروفاً. فالقوة الكبرى في العالم واقعة في قبضة عصابة من المتطرفين الساديين الذين ثبتت ساديتهم في إشرافهم على تعذيب وإذلال العراقيين، وفي دفاعهم عن تعذيب وإذلال الفلسطينيين على أيدي النازية الصهيوينة. ستركز هذا المقاربة على الجهتين الاخريين: دعوات الإصلاح الآتية من النخب الحاكمة، ومن التيارات الدينية.

لجهة تطورها السياسي، نشأت الطبقة السياسية الحاكمة في العالم العربي حاملة في المجمل خليطاً من القيادات التي برزت عشية الإستقلالات الوطنية، سواء عن طريق النضال الوطني في حالات إنتزاع الإستقلال، أو التصعيد الوظائفي في حالات صفقات الإستقلال مع المستعمر قبيل مغادرة البلاد، أو عن طريق «دولنة» المشائخ والقبيلة إن في الخليج أو غيره. فضمن هذه الطبقة تداخلت وتصارعت وتحالفت قيادات الحزبية الوطنية السابقة، ورموز البرجوازيات المحلية، ورجالات القبائل، وبيروقراطيو التحديث الغربي الأولي ممن درسوا أو تم تأهيلهم في الجامعات الغربية. تمددت هذه الطبقة رأسياً، فجاء جيل أبناء «المؤسسين الأوائل» ليحتلوا المناصب القيادية في الدول، مستثمرين «الشرعيات الأبوية» للآباء, وكذا التسهيلات الوظيفية والمالية التي توفرت لهم بخلاف أقرانهم عمراً وتأهيلاً من أبناء المجتمع.

بعيداً عن تلك العملية الحصرية التي كانت تتم على جبهة الطبقة الحاكمة كان المجتمع ينمو معتمداً على قواه الذاتية, مواجهاً ضغطين في آن: ضغط عقد الحياة الإجتماعية والتحديثية القادمة على أرضية أقتصادية مقفرة، وضغط الدولة القادم من أعلى بهدف فرض الهيبة والنظام والولاء للشكل السياسي الجديد الناشىء بعد نزع الإستعمار. وبسبب إحتكار السلطة والثروة وممارسة القمع الشرس، وفشل الدولة الحديثة في نقل الولاءات وإستبدالها، فقد إنكفأ المجتمع العربي باكراً على نفسه، وصاغ علاقة عدائية مع الدولة وبات ينظر إليها نظرة خصامية، لكن غير متكافئة من ناحية ندية. لهذا لم يواجه الدولة، بل إنسحب عنها، وظلت مناوراته الأساسية مع الدولة تحوم حول الخدمات الأولية وما يمكن إنتزاعه منها - أي هوامش السياسة. لكن بكل الأحوال ظل حذراً عن الأقتراب من قلب السياسة، أي المساءلة والشفافية وتحدي إحتكار السلطة والثروة.

أدرك المجتمع باكراً أن موازين القوى مائلة بشكل كبير لمصلحة النخب الحاكمة. فهذه النخب لا تحكم إعتماداً على قوتها الذاتية، بل تستند بشكل هائل الى دعم خارجي غربي تصعب مواجهته، خصوصاً أن الدعم الغربي للنخب الحاكمة كان يتم وفق صفقة تبادل مصالح تاريخية ضخمة بكل المعايير ولا يمكن للغرب أن يتهاون بها، لكنها في الآن ذاته بالغة التدمير.

ونتيجة لإفتراق المجتمع عن «دولته ونخبته الحاكمة» وشعوره بالإغتراب، فقد إزداد محلية وإنغراساً في الماضي القريب والبعيد الذي يوفر دفئاً مفقوداً في التجربة الحاضرة والمعاشة. وتطورت تجربته وخبرته في إطارها المحلي، بعكس تطور تجربة الطبقة الحاكمة وخبرتها في إطارها الدولي. وهكذا تطور منطقان شبه متضادين لكل منهما تجربته التاريخية الخاصة به: منطق الدولة ومنطق المجتمع. وعندما تأتي دعوة الإصلاح من الدولة فإنها تبدو كأنها ضد المجتمع، غريبة وإستعلائية وخصامية أيضاً، ولا يتعاطف المجتمع معها.

لكن العلاقة بين الدولة ومجتمعها لم تقف أمام عملية مجتمعية طبيعية باحثة عن آليات مقاومة إزاء بطش الدولة، وإزاء ما رأته جموع المجتمع من تساهل من جانب الدولة في الخضوع لهيمنات خارجية. وفي القلب من آليات المقاومة تلك كانت تنشأ تيارات سياسية معارضة للأنظمة, قومية ويسارية ودينية وليبرالية، القومي منها واليساري سرعان ما تعرض لضربة قاصمة بعد حرب 1967. ذاك أن النخب الحاكمة في مصر وسورية كانت بشكل أو بآخر منسوبة لذينك التيارين. ثم ومنذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي سيطر الديني على الشارع الشبابي العربي طارحاً رؤيته للمجتمع والدولة والعالم (على ما فيها من غموض وضبابية). هذه الرؤية لا تقدم فحسب ما تراه إصلاحاً للإختلالات التي شخصتها في المجتمعات العربية، بل أبعد من ذلك بكثير قامت بطرح بديل كلاني جذري يقضي عملياً، بقلب ما هو قائم وتغييره بالمجمل. أما الليبرالي فقد ظل أضعف الخيارات وجوداً في المجتمع العربي لأسباب مركبة أهمها خسارته معركة «الصورة» منذ أمد بعيد إذ نُظر إليه بإعتباره مستورد من الغرب وليس مستولداً من الداخل.

في مرحلة سيطرة «التيار الديني» لم يعد الإصلاح المطلوب محصوراً في إطر تكسير إحتكارات السلطة والثروة وفرض آليات المحاسبة والمراقبة وإقرار مبادىء تكافوء الفرص والحريات العامة والفردية. بل صار الإصلاح «المناضل لأجله» مطلوباً منه أن يتوافق أيديولوجياً مع النظرة العقدية التي يعتنقها هذا التيار ووفق تفسيره الخاص للإسلام وللنص. وهكذا حققت أطروحة «الإصلاح» هذه إنزياحات واسعة مفاجئة في إتجاهات جديدة لم تكن مطروقة في السنوات الأولى للإستقلال، وخصوصاً على صعد المسلكيات الفردية ومظاهر التدين العام أو طرائق اللباس والغناء وغير ذلك. أي أن خلطاً كبيراً وتشوشاً إضافياً أربك فكرة الإصلاح التي أرتدت، مع التيار الديني، ثوباً دينياً ضخّم كثيراً من الهامشيات وأعطاها مركزية لا تستحقها في سياق النضال السياسي. وقد قف المجتمع في حيرة إزاء «الإصلاح» الذي يطالب به التيار الديني. فهو من جهة يؤيد ويتعاطف مع ما يقع منه تحت العناوين الكبيرة التي تتناول مطالبة النخب الحاكمة بفك قبضتها عن السلطة والثروة وتحقيق العدالة الإجتماعية، لكنه في الوقت ذاته يشعر بتردد تجاه البرنامج الإجتماعي والمسلكي الذي يريد الإسلاميون فرضه بإسم الإصلاح.

وهكذا فقد آلت الصورة الإجمالية إلى طبقة حاكمة تردد شعارات الإصلاح وأنظارها مصوبة على المجتمع وعلى التيارات الدينية والمحافظة فيه. تعتقد أن التعليم أساساً، والتعليم الديني تحديداً، يحتاج إلى إعادة صياغة بما يزيد من جرعات التسامح، ويطور رؤية أكثر إنفتاحاً للعالم. كما تأمل أن يؤدي مثل هذا الإصلاح إلى محاصرة التيارات الدينية وعزل شعاراتها وبالتالي إفقداها شعبيتها. وإلى طبقة دينية, وهي الأكثر حضوراً وشعبية في الشارع العربي, تردد شعارات الإصلاح وعينها على «أسلمة الحكم والمجتمع» وإصلاحهما إسلامياً. وبالطبع تستثني نفسها من الإصلاح, بكونها مرجعيته الأيديولوجية. لا يهمها الألفاظ والتسميات (ديموقراطية، حرية سياسية، إنتخابات... الخ) ما دامت قد تقود إلى النتيجة نفسها، أي «الغلبة الإنتخابية».

وهاتان الطبقتان، أي النخب الحاكمة والنخب الدينية، في الفضاء العربي هما في الواقع أكثر الجهات التي تحتاج لإصلاح عاجل، بعيداً من الدعوات الأمريكية السمجة. فالنخب الحاكمة تضخ التطرف في هذا المجتمع عبر إستبدادها وإغلاقها لكل أفق تغيير سلمي. وهي تحشر الناس حشراً في زوايا الدفاع المستميت عن النفس. والنخب الدينية تضح التطرف المعاكس وتتلاعب بعواطف الناس وإنحيازاتها الروحية، فتعبئها ضد بعضها بعضاً وتخلق لها معارك وهمية وتطحن أفرادها بأثقال التأثيم الكاثوليكي الذي يغل إراداتهم ويحبطهم. وبهذا فالأمر الأكثر إلحاحاً هو إصلاح الحكومات بإتجاه دمقرطة حقيقية تدريجية, وإصلاح الفكر الديني عبر إحياء العقلانية الإسلامية وبعث الرشدية والخلدونية وكل تيارات الأنسنة في الثراث العربي على حساب التقليد المغلق والذهنية النصية المتكلسة.

لكن بعيداً عن الأمل في ما يجب أن يكون، يشي الواقع بصورة كابية. ففي الوقت الذي تتوعد فيه النخب الحاكمة والنخب الدينية، المجتمع بالإصلاح، كلاً وفق رؤيته الخاصة. يبدو المجتمع كاليتيم أو الولد العاق يتلقى اللطم من كل جانب. فكأنه هو الذي جلب الهزائم وقاد إلى الكوارث التي نعيشها، أو أنه الذي مارس القمع ضد الدولة، أو فرض عليها شروطه وإتجاهاته، أو هو الذي إستمرأ إنتهاك الحقوق والحريات وأحتكر السلطة. أو كأنه هو الذي فرخ التطرف والتعصب الأعمى، وليس الفكر السلطوي الذي أطبق على المجتمع فسحقه، أو الفكر الديني المتحجر الذي يصوغ فتاواه مراهقون سياسيون يفرون إلى إستسهال إراقة الدم كلما تعقدت في وجوههم القضايا وإستحكمت.

يبقى أن المؤسف في كل هذه الصيرورة هي أن ليس هناك من يحمل راية هذا المجتمع وينقل حقاً مطالبة ومشاعره, أو يدافع عنه ضد هذا العدوان الثلاثي اللذي يتبجح بدعوات الإصلاح: الولايات المتحدة، والحكومات العربية، والتعصب الديني. إذ أن أي إفق للإصلاح في العالم العربي يتطلب تفكيك هذا التحالف، القسري أو الطوعي، الذي شل حركة المجتمع العربي عن التحرك والنمو الطبيعي. فبين مطارق الضغط الخارجي، والإستبداد الداخلي، والعقم الفكري، قمعت الصيرورة الإبداعية للمجتمع، كما هي في أي مجتمع. والآن يتنافس قامعوها في شن الهجوم على ذلك المجتمع وإتهامه بالعقم والتقصير.

٭ كاتب وباحث فلسطيني/ أردني، كامبردج - بريطانيا.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group