أميركا، في العراق، عربيّة
حازم صاغيّة الحياة - 20/06/08//
ليس العرب من يواجه النفوذ الإيرانيّ في العراق. سفراؤهم لا يذهبون إلى هناك فيما إرهابيّوهم يذهبون. وتعويضاً عن هذا التخلّي، يفرط بعض العرب في التشهير بـ«الفرس» و«المجوس» كما يضخّمون كلّ خطأ يرتكبه الأكراد، أو يتوهّمون ارتكابه، فيجعلونه خطيئة. وابتذال كهذا، عنصريّ حيناً وطائفيّ أو إثنيّ حيناً آخر، من شيم المتخلّين عن مسؤوليّاتهم، الهاربين منها. ووراءنا تجربة تقول إن بعض أكثر العرب صراخاً ضدّ إسرائيل، وبعض أشدّهم لاساميّة حيال اليهود، بين أبعدهم عن الجبهة يوم كانت جبهة. والعراقيّون، وفيهم سنّة وشيعة، بل أكراد، بحاجة إلى حضور عربيّ ما في العراق. صحيحٌ أن أيّام «الدفاع عن البوّابة الشرقيّة للوطن العربيّ» وابتزاز العرب بتلك الكذبة الصدّاميّة ولّت. لكن العراقيّين متروكون في مواجهة نظام لا يستسيغ الاستقرار في جواره الغربيّ، ويقلقه أن تنشأ بين طوائف العراق وقوميّاته علاقة صحيّة ينهض فوقها، من جديد، مشروع وطن ومشروع دولة. وإيران الخمينيّة والنجاديّة بنظامها شبه التوتاليتاريّ، الديناميّ والمتحفّز والمتطلّع إلى ما يتعدّى حدوده، ليست الجار الصالح لنموذج يطمح أصحابه أن يكون تعدّديّاً وديموقراطيّاً. ثم إن إيران المتحالفة مع سوريّة البعثيّة طوق من حول العنق العراقيّ. والنظامان معاً لا يتردّدان في التسبّب بإهلاك العراقيّين كي يُسقطا شعرة من رأس أميركيّ يريدان لدولته أن تتحدّث إليهما. فمواجهة النفوذ الإيرانيّ، إذاً، مهمّة تبحث عمّن يؤدّيها، والعرب ليسوا في هذا الوارد. أما العراقيّون فلا يزالون، حتى إشعار آخر، أضعف من أن يصونوا حقوقهم أو أن يتصدّوا للطامعين بها وبهم. فمن إذاً الطرف الذي يقيم في مقابل إيران توازناً يحمي العراق؟ هذه المهمّة التي تُناط تقليديّاً بالعرب، تتولاّها اليوم الولايات المتّحدة الأميركيّة. فهي، على عكسهم، موجودة في بغداد، ليس فقط من خلال أكبر سفاراتها في العالم، بل أيضاً من خلال عشرات الآلاف من جنودها. والولايات المتّحدة حتى لو حكمها باراك أوباما، الذي دعا إلى الانسحاب، لن تملك كماليّات الكفّ عن لعب الدور هذا، انطلاقاً من عراق موحّد إذا أمكن، وانطلاقاً من عراق مجزّأ إذا عزّ التوحيد. فالمنطقة، باستقرارها الاستراتيجيّ وثرائها النفطيّ، لا تُترك لإيران الخمينيّة والنجاديّة التي لن يتأدّى عن نفوذها إلاّ الإمعان في تفتيت منطقة مفتّتة أصلاً. وهي قادرة على ذلك بعائدات نفطها المتضخّمة، فكيف إذا ما غدت نوويّة تأمر فلا يسع المنطقة الناطقة بالعربيّة إلا أن تطيع؟ ولنتذكّر أن طهران التي تنام على غموضها حيال عرض خافيير سولانا الأخير، حقّقت نجاحات ملحوظة في غزّة وبيروت، وتقدّمت بطلب انتساب، يحظى بالعطف، لعضويّة «منظّمة شنغهاي للتعاون» التي تضمّ الصين وروسيا. وقد يقال، بحقّ، إن الأخطاء التي ترتكبها واشنطن في العراق كبيرة تتوزّع بين شركات النفط وشركات الأمن، من دون أن يغيب عنها أفق سياسيّ ملبّد. بيد أنها القوّة الوحيدة التي تقيم في بلاد الرافدين، وليس من حقّ الغائب أن ينتقد الحاضر. فضبط الدور الأميركيّ وتصويبه رهن بالحضور العربيّ، فضلاً عن استكمال العراق بناء قوّته. والجهر والإقرار بذلك، بدلاً من «ثقافة» التعتيم والتكتّم، العاجزة والجبانة، أوّل ذلك.
|