موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 13:02 GMT - 2008/10/12

حال الطقس في 101 مدينة






الولايات المتحدة والشرق الأوسط: مداخل واقعية التغيير

عمرو حمزاوي     الحياة     - 19/06/08//

ساهمت مع مجموعة من زملائي في مؤسسة كارنيغي في وضع دراسة جديدة ترصد حصاد سياسات إدارة الرئيس بوش تجاه الشرق الأوسط وتصوغ مجموعة من المقترحات الأولية لتغيير دفة سياسة القوة العظمى بعد رحيلها ( «الشرق الأوسط الجديد»، تقرير كارنيغي 2008، وبالإمكان مطالعتها على موقع المؤسسة www.carnegieendowment.org.

وتنطلق الدراسة من قناعة مركزية مفادها أن على واشنطن الاعتراف المزدوج بإخفاقها في تغيير خريطة الشرق الأوسط على نحو يقلل من التهديدات الواردة للمصالح الأميركية وبجدية القيود القائمة اليوم على فعلها وقدراتها. لذا يصبح لزاماً أن تستند سياسة الإدارة القادمة إلى تعريف واضح ومتواضع لأهداف الولايات المتحدة، نراه يرتبط باحتواء العنف وضمان تدفق النفط وهو ما يستدعي التحرك على مستويات أربعة: 1- إيجاد تسوية تفاوضية مع إيران والحدّ من الانتشار النووي، 2- الخروج التدريجي من العراق مع ضمان عدم انزلاق الأوضاع هناك إلى الفوضى، 3- التعاطي بجدية مع ملف السلام العربي - الإسرائيلي، 4- إعادة إرساء توازن إقليمي للقوة يمكن الحفاظ عليه بشكل أساسي اعتماداً على اللاعبين الإقليميين ومن دون حاجة إلى وجود أميركي عسكري مكثف.

فقد أدت سياسات إدارة بوش الى تحول إيران إلى لاعب أساس. ومهما كان سلوك النظام الإيراني غير مستساغ أميركياً، فإن رفض الحوار مع طهران لن يحسّن وضع أيّ من هذه القضايا، ومواجهتها عسكرياً ستزيدها جميعاً حدة. كذلك، قد ترتب المقاربة المتشددة الداعية إلى تغيير النظام الحاكم في طهران نتائج عكسية وجد خطيرة. فالجمهورية الإسلامية ليست على مشارف الانهيار وفي حال حدوث تغيير سياسي مفاجئ فإن المجموعات الوحيدة المسلحة والمنظمة حالياً ليست الحركات الديموقراطية الليبرالية بل قوات «الحرس الثوري» وميليشيا «الباسيج»، بل أن من شأن سياسة أميركية تبقي التهديد بتغيير النظام قائماً ولو ضمنياً أن تدفع القادة الإيرانيين عند الشعور بتهديد وجودهم إلى السعي بزخم أكبر نحو امتلاك قوة الردع النووية. وعوضاً عن محاولة مواجهة إيران عسكرياً، يجدر بالولايات المتحدة صياغة خطة عمل ديبلوماسية دقيقة تتضمن اقتراحات توافقية حول جل القضايا الخلافية. هنا يمكن لواشنطن أن تنطلق بدايةً من الساحة العراقية حيث مصالح ورؤى الدولتين ليست بالمتناقضة.

وواقع الأمر أن القيادة الإيرانية نجحت في صناعة إجماع وطني حول مقاومة الضغوط الخارجية الدافعة إلى تخليها عن مطلق حقها في تخصيب اليورانيوم، وهو ما يحول عملياً دون التخلي عن هذا الهدف. تدرك إيران أنه ليس بمقدور الولايات المتحدة تكبيدها ما يكفي من الخسائر لإرغامها على تعليق التخصيب كلياً أو التخلي تماماً عن طموحها النووي. يتعين على واشنطن إذاً التفكير بصيغة انتقالية يمكن للجمهورية الإسلامية بموجبها الاستمرار في مستوى معيّن من أنشطة التخصيب في ظل رقابة دولية مكثّفة. ولا يعني إسقاط مقاربة المواجهة تجاه إيران والحوار معها تقديم التنازلات من دون مقابل، كما لا يعني أيضاً منع المساعي الرامية إلى احتواء نفوذها الإقليمي وتداعياته الصراعية. من هنا مركزية استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية ضد إيران، والتلويح المستمر بالضغط عليها إقليمياً ودولياً حتى تدرك القيادة الإيرانية محدودية مكاسبها من اتباع سياسات متشددة.

أما في العراق فتتمثل نقطة البدء في الاعتراف بمحدودية نجاح العملية السياسية الرامية إلى إعادة بناء الدولة على أنقاض ديكتاتورية صدام حسين. وبما أن المساعي العسكرية وحدها لا يمكنها احتواء العنف وإرساء الاستقرار لفترة طويلة، يتعين على الولايات المتحدة حث الفاعلين العراقيين على التعاطي البناء مع اختلالات العملية السياسية. من جهة أخرى، أضحى الوقت مناسباً لإعادة تدويل الملف العراقي. فالأمم المتحدة أعادت فتح مكاتبها، كما أعرب بعض الدول العربية عن رغبته في إعادة فتح سفاراته في بغداد وهو ما يأتي في سياق ارتفاع لافت لوتيرة النشاط الديبلوماسي بالمنطقة. وما دامت الإدارة الأميركية الجديدة لن تفسر التدويل باعتباره مجرد آلية لتوظيف أوزان دول أخرى والمنظمة الأممية لتنفيذ وتمويل سياسات تنفرد واشنطن بصوغها، فإن الوجود الدولي قد يخلق زخماً مطلوباً لإنجاح العملية السياسية.

تتضمن المصالح الأميركية الأساسية في الشرق الأوسط إحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين والإدارة التفاوضية لبقية ملفات الصراع العربي - الإسرائيلي. ولا شك أن الحل الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى السلام من خلال تحقيق جزء من الأهداف الوطنية الفلسطينية والحفاظ على أمن إسرائيل هو حل الدولتين، بيد أن تطبيقه قد صار من الصعوبة بمكان. فمع غياب المصالحة بين «فتح» و «حماس» لا يملك الرئيس محمود عباس الشرعية والقوة الكافيتين للتفاوض كممثل لعموم الفلسطينيين وإقناعهم برجاحة خيار السلام، في حين تستمر الحكومة الإسرائيلية في ممارساتها المقوضة لحل الدولتين وفي مقدمتها النشاط الاستيطاني وتجاهل التزامات قطعت مراراً بتحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين ولم تنفذ قط. يقتضي الخروج من هذه الدائرة الشيطانية خيارات داخلية صعبة ومساعي ديبلوماسية جدية جوهرها إعادة دمج «حماس» في بنية السياسة الفلسطينية والانفتاح المشروط عليها لدفعها نحو تهدئة مستدامة مع إسرائيل ومقاربة مفاوضات السلام ببراغماتية وكذلك الضغط على إسرائيل لإنهاء عزلة قطاع غزة وقبول التهدئة بوقف العمليات العسكرية على القطاع وتجميد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس. لذا على الولايات المتحدة الكف عن ادعاء أن أبو مازن من دون المصالحة مع «حماس» يتمتع بشرعية كافية تخوله إبرام اتفاق سلام أو أن عزل غزة قد يدفع الشعب الفلسطيني إلى تأييد حكومة «فتح» في رام الله والتخلي عن «حماس». فمثل هذه الرهانات أخفقت بوضوح. الأنجع، إذاً، هو تشجيع المصالحة الفلسطينية بإحياء حكومة الوحدة والتعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية لرسم المعالم الأولية لاتفاق السلام النهائي من دون مبالغات وردية تحدد سقفاً زمنياً يصعب الالتزام به، خاصة في ظل الأزمة السياسية الداخلية في إسرائيل.

لقد حاولت الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين التغلب على انهيار التوازن بعد غزو العراق وتنامي نفوذ إيران من خلال تشكيل تحالف إقليمي مناهض للأخيرة وزج دول مجلس التعاون الخليجي نحو سباق تسلح يهدف الى معادلة قوة ايران العسكرية. بيد أن حقائق الجغرافيا السياسية ورفض الدول الخليجية التعويل فقط على خيارات المواجهة والصراع في إدارة علاقاتها مع إيران ترسم مجتمعة ملامح مقاربة مغايرة تبدو أكثر فاعلية، هدفها إعادة التوازن والاستقرار من خلال انفتاح مشروط على الجمهورية الإسلامية يعد بدمجها في الترتيبات الأمنية في الخليج مقابل تعاونها واعتدال ممارساتها الإقليمية.

* أكاديمي مصري











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group