موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 22:27 GMT - 2008/12/01

حال الطقس في 101 مدينة












العرب وكارثة دارفور: «المجرم» أوكامبو و «الصامد» البشير

عمرو حمزاوي     الحياة     - 17/07/08//

كما هو متوقع، قوبل طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مارينو أوكامبو إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهم ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور بعاصفة الرفض العربي المعهودة. بمزيج من خطابات الوعيد والثبور والصمود في وجه الهجمة الغربية الجديدة خرج علينا الرسميون السودانيون منددين بـ «تلفيق» ادعاءات أوكامبو ونياته «الإجرامية» و «عمالته للولايات المتحدة الأميركية» ومهددين بوقف التعامل مع المنظمة الأممية - ولولاياتها تتبع المحكمة الجنائية الدولية - بشأن دارفور. وسريعاً ما تضامن معهم رسميو بعض الدول العربية وموظفو أمانة جامعتهم بالقاهرة منشدين محفوظات الماضي البعيد والقريب المعروفة عن أجندات الغرب الخفية وخططه اللانهائية لتقسيم الأمة واضطهاده للعرب وامتهانه لرؤسائهم ووجوب التضامن درءاً للخطر المحدق. وكعادتهم أيضاً، لم يخيب الكتاب والمعلقون الراصدون دوماً لازدواجية معايير الغرب والمدفوعون فقط بهواجس الحقوق العربية والسيادة الوطنية الظن بهم وسعوا إلى إضفاء مسحة زائفة من العقلانية والإنسانية على الرفض السوداني الرسمي بشروح مطولة رامت تفنيد كيل الغرب بمكيالين في مجال انتهاكات حقوق الإنسان وتسييسه المستمر لأدوات العدالة الدولية ورأت في مذكرة توقيف البشير نموذجاً جلياً لممارسة ساقطة لعدالة القوي ضد الضعيف. أما البرهان والدليل فأقامه هؤلاء من خلال إشارات صاخبة إلى فظائع المحتل الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية وانتهاكات الأميركيين المنظمة لحقوق الإنسان في العراق وأفغانستان وغوانتانامو وتشديد متواتر على أن الرسميين الإسرائيليين والأميركيين لم ولن يحاسبوا على جرائمهم.

لا عجب إذاً في أن يرتب صخب عاصفة الرفض العربي لمذكرة أوكامبو تجاهلاً شبه تام للجوهر الإنساني والسياسي والقانوني لكارثة دارفور ومسؤولية نظام الرئيس البشير عنها. وفقاً لأقل التقديرات الدولية (حكومية وغير حكومية) مبالغةً تعرض سكان دارفور من قبائل الفور والمساليت والزغاوة في الفترة ما بين عام 2002 وعام 2007 إلى:

1- قتل ما لا يقل عن 30 ألفاً منهم في هجمات لقوات الجيش السوداني وقوات الميليشيات (الجنجاويد) المتحالفة معه، 2- تهجير وتشريد ما يزيد عن مليوني شخص تحوّلوا إلى لاجئين إن في داخل دارفور أو في تشاد المجاورة، 3- انتهاكات منظمة لحقوق الإنسان في معسكرات اللاجئين بدارفور تتحمل مسؤوليتها الميليشيات المدعومة حكومياً تسببت في وفاة ما يقرب من 200 ألف شخص وسقوط عدد كبير من النساء والبنات ضحايا لجرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية، 4- تدهور حاد في الظروف المعيشية أسفر عن ارتفاع معدلات الوفيات وسوء التغذية بخاصة بين الأطفال لتصل اليوم إلى 20 في المئة و41 في المئة على التوالي وفقاً لبيانات منظمة اليونيسيف. في كل هذا تورط نظام البشير بصورة مباشرة في سياق صراعه مع حركات تمرد مسلحة وماطل الجماعة الدولية والرأي العام العالمي طويلاً قبل أن يقبل أخيراً نشر قوات أممية - أفريقية في دارفور ويلتزم بتسهيل تقديم المساعدات الإنسانية للسكان ويشرع في عملية تفاوضية مع المتمردين.

نحن بالفعل أمام جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية يتحمل النظام السوداني أوزارها ومسؤولية قانونية وسياسية مؤكدة للمسؤولين فيه وعلى رأسهم البشير، واستحالة كاملة في ظل الظروف الراهنة لملاحقتهم قضائياً داخل السودان. هذا هو جوهر كارثة دارفور كما يدرك عالمياً وكما ينبغي لنا أن نقرأه عربياً، وكل ما عداه من حديث - بعضه صواب - عن مصالح وأدوار الغرب وانتهاكات حركات التمرد لحقوق الإنسان وتعقد الخلفيات القبلية والطبيعية للصراع بدارفور، هو بمثابة أمر عارض محدود الأهمية لا يفسر ما حدث خلال الأعوام الماضية ولا يقدم مفتاح الحل والتغيير. لم تخلق واشنطن أو غيرها من العواصم الغربية كارثة دارفور من العدم، تماماً كما لم يختلقوا في الماضي القريب من فراغ قبور العراق الجماعية وإجرام صدام وعنف نظامه ضد الشيعة والأكراد. مشين وفارغ المضمون حديث بعض الرسميين السودانيين عن إجرام مدعي المحكمة الجنائية الدولية أوكامبو، صاحب السجل المهني الرفيع والخبرة المتميزة في تعقب كبار وصغار منتهكي حقوق الإنسان في أميركا اللاتينية وخارجها، وصمتهم المطبق عن مسؤولية مجرمي دارفور الحقيقيين وهم في صفوفهم وبين ظهرانيهم. إلا أنها عادة انظمة القمع العربية المقيتة في توظيف خطابها المصاغ سلفاً عن مؤامرات الخارج وأجنداته الخفية لتحميل الآخر (من أوكامبو إلى بوش) وزر كوارثها بل وتجريمه ومن ثم الامتناع عن ممارسة النقد الذاتي.

هل سأل نفسه - لا أؤنث عمداً، فجل المعنيين هنا هم بالفعل من الرجال ولغتهم هي لغة ذكورية بامتياز - من انبرى ليفند تسييس أدوات وإجراءات العدالة الدولية وكيل الغرب بمكيالين عن ماهية الضرر المترتب على كون الملاحقة القضائية لمنتهكي حقوق الإنسان بنظام البشير تترافق مع استمرار تجاهل انتهاكات الإسرائيليين والأميركيين وغيرهم من المستعصين على العدالة الدولية بحكم حسابات القوة الراهنة؟ وإن كان هناك من ضرر، فهل تدبروا في هوية المتضررين المحتملين وفرقوا في هذا الصدد بين الحكام والمواطنين المحكومين؟ هل فكر منتجو خطاب الرفض غير الرسمي في مصائر من انتهكت حقوقهم ومن اغتصبن ومن شردوا وفي ما تعنيه ثنائية العدالة - الحق لهم وما تستثيره من مضامين في أذهانهم؟ هل استثمروا بعض الوقت والجهد في البحث عن وسائل بديلة للضغط على نظام البشير لتغيير ممارساته في دارفور غير المساءلة القضائية الدولية والتلويح بعقوبات أممية وهل تفتق بحثهم عن شيء أم أن مصير دارفور لا يعنيهم؟

لا ينتقص من العدالة الدولية أن تلاحق اليوم مجرمي دارفور في حين تستمر هيئتها العليا ممثلة في المحكمة الجنائية في الإعراض عن النظر في ملفات تراكمت لانتهاكات إسرائيل والولايات المتحدة. نعم يشكل ذلك وبلا ريب تعبيراً مباشراً عن اختلال توزيع القوة عالمياً ودليلاً بيناً على الحدود الواقعية الواردة على تطبيق العدالة دولياً، بيد أن كليهما لا يعنيان أننا أمام ممارسة ساقطة لعدالة الأقوياء طالما توفرت الأدلة وضمنت نزاهة إجراءات التقاضي. أما الخوف الذي عبر عنه نفر قليل من الكتاب العرب من أن تدفع المساءلة القضائية نظام البشير إلى النكوص عن تعهداته الأخيرة بشأن دارفور والقيام بردود أفعال عنيفة قد تزيد من كارثية الأوضاع هناك ومن ثم مطالبة المحكمة الجنائية الدولية برفض مذكرة أوكامبو فيخلط من دون بوصلة قيمية بين مقتضيات العدالة واعتبارات السياسة وفي التحليل الأخير يضرهم مجتمعين. من السذاجة توقع أن تمتنع نظم الحكم القمعية، وهي بالمجمل لا تساءَل أو تراقَب داخلياً، عن ممارساتها الإجرامية، إن غابت الضغوط الدولية الرادعة قضائيةً كانت أو سياسيةً واقتصاديةً. إذاً، أليس من مصلحة الشعوب التي تتسلط عليها نظم قمعية، ومن بينها معظم الشعوب العربية، أن تتبلور تدريجياً هيئة دولية تستطيع مساءلة الحكام قضائياً عن انتهاكات حقوق الإنسان؟ أو لا تشفع إمكانية الردع هذه لحمل من يرصد صباح مساء كيل الغرب بمكيالين على التدبر بموضوعية في ما تؤسس له المحكمة الجنائية الدولية من مبادئ على محدوديتها الراهنة؟

لا يصدمني الرفض الرسمي العربي لمذكرة أوكامبو إن جاء من الخرطوم أو صدر عن القاهرة ودمشق، ولم أتوقع سواه. إلا أن زيف خطاب الرفض غير الرسمي وتهافت أحاديث مروجيه من الكتاب والمعلقين عن العدالة المنقوصة وتجاهلهم لجوهر ما حدث ويحدث في دارفور من إبادة وجرائم ضد الإنسانية يؤلمني ويصيبني كعربي مهموم بحقوق الإنسان وكرامته بخزي شديد.

* أكاديمي مصري











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group