www.daralhayat.com     2008/12/01     20:24 GMT

ابحث عن

بحث متقدم

?????? ?? ???PDF
TheDaleel.com

مقاتل من الصحراء
موسوعه
"مقاتل من الصحراء"





برنامج "مدرسة الحياة"

old.alhayat.com

 

جامعة الدول العربية سيارة فخمة من دون محرك (1 من 2): المشكلة في مصالح الأعضاء لا في الميثاق

أمين هويدي      الحياة     2003/08/6

كتب توماس فريدمان في "نيويورك تايمز" في 21/1/2000 سائلاً عن دور مصر بعد أن يتحقق السلام في المنطقة وهل ستبقى متمسكة بشجرة الزيتون، أما أنها ستركب سيارة فخمة تنطلق بسرعة في طريق العولمة التي تقودها أميركا؟

وأطمئِن توماس فريدمان بأن الجامعة العربية بكامل منظماتها - وليس مصر فقط - استقلت فعلاً السيارة الفخمة ولكن، للأسف الشديد فإنها سيارة من دون محرك، أي سيارة لا تتحرك من مكانها. مباني الجامعة فاخرة أنيقة، مكاتبها المنتشرة هنا وهناك رائعة وجميلة، وأجهزتها المتعددة قائمة وموجودة، لكنها ثابتة لا تتحرك لأنها جميعها تكوّن السيارة الفخمة لكنها من دون محرك، أي بلا إرادة، فإرادتها هي مجموع إرادة أعضائها وحاصل الجمع وللأسف الشديد لا يكون المحرك اللازم للسيارة الفاخرة.

ترتيباً على ذلك فقراراتها حتى التي صدرت بالإجماع هي قرارات مع إيقاف التنفيذ، وليس غريباً أن يطلق على مبنى الجامعة أنه أكبر دار محفوظات يحتفظ فيه بآلاف الأضابير التي لا ترى النور والتي كتب عليها أن تبقى في الظلام لأن الخروج إلى النور يحتاج إلى إرادة وهذه غائبة.

وهناك نقطة نظام:

- مسؤولية ذلك لا تقع على الأمين العام الحالي أو السابق أو الأسبق، لأن الأمين العام ليس رئيساً للجامعة ولا يجوز أن يعتبر نفسه كذلك، فهو مجرد أمين عام، مسؤولياته بحكم الميثاق تنسيق الأمور ورعاية الشؤون المالية والإدارية، فعبدالرحمن عزام باشا أول أمين كان برتبة وزير مفوض.

أقول هذا لأن الأمين العام الحالي حين تولى مسؤولياته، وتحت ضغط تطلعات الرأي العام في الاصلاح أسرع في عمل "شيء" ليرضي الجماهير العربية المتعطشة للجديد، فأقدم على إخراج تنظيم مستحدث لجهازه لا يعالج الشلل الموجود، لأن العيب ليس في التنظيم أو الميثاق ولكن يكمن في عدم وجود الإرادة الجماعية للعمل الجماعي، إذ ليس هناك وحدة رديئة لأن العيب يكمن في قيادتها، وأقدم كذلك - ويا للغرابة - على تعيين مندوبين خاصين لسيادته وهما الدكتورة حنان عشراوي والدكتور أحمد كمال أبو المجد وهما شخصيتان لامعتان بإجماع الآراء، ولكن ماذا يفعلان وفي أي مجال يعملان؟ فاقد الشيء لا يعطيه، فإن مجالات عمل الأمين العام نفسه محدودة ومختلف عليها، ولذلك فقد اعتذرت الدكتورة عشراوي عن القيام بالمهمة فهي ثوروية وجادة لا تحتاج إلى ألقاب من دون مسؤوليات وحسناً فعلت، ما نال التقدير والاحترام.

ألم تلاحظوا أننا نتعامل مع جامعتنا العربية بطريقة معكوسة فيها ظلم كامل لها؟ نحن نبدأ من حيث يجب أن ننتهي فنعاملها وكأنها كتلة واحدة تتحرك بدافع واحد لتحقيق غرض واضح متفق عليه، والأمر ليس كذلك، فالساحة العربية مدينة واحدة تتكلم لغة واحدة ولكنها تتكون من أحياء عدة بينها اختلافات وخلافات، فهي أجزاء متجاورة لكنها ليست متماسكة والواجب أن نسعى أولاً لتكون كذلك. على رغم هذه الحقيقة فإننا نعامل هذا "الموازييك" كأنه وحدة واحدة ونكلفه بعمل جماعي واحد لمواجهة تهديدات واحدة وتحديات متماثلة. لكن الحقيقة أن التهديدات متباينة فالعدو ليس عدو الكل والصديق ليس صديق الكل، وهذا يناقض مبدأ أساسياً للعمل الجماعي الذي يوحد لمواجهة تهديد جماعي متفق عليه من الجميع. وكذلك الحال مع التحديات الداخلية فإن مستوى الثروة مختلف اختلافاً كبيراً ومستوى التخلف حتى مع وجود الثروة متباين بشدة، ولهذا فإن أحياء المدينة فيها تناقض قائم ينعكس على سيرتها.

كان هذا دافعاً لتكوين تجمعات داخل المدينة، كل منها يحتوي على بعض الأحياء: التجمع العربي الذي دفن بعد ولادته بأشهر على رغم هدايا سيارات المرسيدس التي وزعت وتم في ظله احتلال العراق الكويت، والتجمع الخليجي القائم حتى الآن في محاولات متتابعة لكي يقوى ويشتد من دون أن تظهر آثار إيجابية لهذه المحاولات، والتجمع المغاربي وهو اسم على غير مسمى فقد ولد مترنحاً ولا يزال. على المستوى القومي هناك تفكك وعلى المستوى الآخر هناك تفكك، فكيف نكلف هذه الوحدات المفككة بواجبات جماعية؟

مع هذه الحقائق هناك سؤال مهم: هل تريد المدينة لأحيائها أن تتجمع في عمل جماعي واحد؟ يعني: هل هناك رغبة؟ وإذا توافرت هذه الرغبة هل توجد القدرة؟ هل توجد المعرفة الواعية بأسس العمل الجماعي؟ الرغبة تحتاج إلى قدرة لكي تحول الآمال إلى واقع، الرغبة تراجعت من كثرة المحاولات الفاشلة والقدرة تراجعت بتراجع الرغبة وعدم المعرفة.

يحتاج العمل الجماعي إلى إدراك ومعرفة بأسسه وأهمها التنازل عن جزء من السيادة القطرية لمصلحة السيادة القومية وعلى أساس توحد النظرة بالنسبة الى الأعداء والاصدقاء مع توجيه الأسلحة والامكانات لمصلحة المجموع وتوفير الأمن المتبادل للأعضاء.

لننظر إلى اجتماع 25 وزير خارجية للاتحاد الأوروبي الذي عقد يوم 4/6/2003 في كاستلوروز باليونان لوضع مسودة استراتيجية أمنية ثوروية مشتركة، في محاولة لتفادي انقسامات مستقبلية، كما حدث أثناء أزمة العراق حينما عارضت فرنسا وألمانيا وغيرهما التدخل السريع بالقوة، بينما أيدت معظم دول الاتحاد الولايات المتحدة في عزمها على التدخل الفوري. توحد الأعضاء - بعد أن بردت الأدمغة وحصل المحظور - إن هذا الاختلاف غير جائز ولا يجوز أن يتكرر، وأن عليهم أن يتعلموا من دروس التاريخ ليتحاشوا حدوث ذلك في المستقبل. ودار الحوار عن تقويم مشترك للتهديدات والمخاطر والتنبؤ بالأزمات التي قد تنشب في المستقبل ووضع خطط مشتركة لمواجهتها، فالواجب أن يكون هناك مفهوم واحد لدى الجميع على ما يهدد الكل. وبعد أن اتفقوا على الخطوط العامة كلفوا خافيير سولانا المنسق الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي صوغ استراتيجية أوروبية أمنية لعرضها على الاجتماع التالي، وانصرف كلٌ إلى حال سبيله، لم يتخاصموا ويتقاطعوا لكنهم التزموا الحوار ليصلوا إلى اتفاق وتفاهم.

في الجامعة العربية تعقد الاجتماعات بعد لأي وبعد خلافات على المكان والزمان، ثم إذا حدث الاجتماع يكون في جدول الأعمال 55 موضوعاً على الأقل ويعلن في البيان الأخير اتفاق الجميع وتطابق الآراء، وبعد ذلك تبدأ الخلافات التي تصل أحياناً إلى درجة العداوة وتبادل الشتائم بين الكبار، ما يجعل الصغار يتأملون ويأسفون. هم يختلفون في الرأي ثم يتفقون ونحن نختلف لنتخاصم، هم يبنون ونحن نهدم. الخلافات تحتاج إلى الحوار حتى يتم الاتفاق أما إذا تمت المقاطعة وحدث الخصام فإن محرك السيارة يتلف وتتوقف عن السير حتى لو كانت فخمة.

إذاً العيب فينا، أي في الأعضاء وليس في الميثاق، العيب فينا أي في الأعضاء وليس في التنظيم، العيب فينا وليس في قلة الموازنة، العيب فينا وليس في قضية الإجماع والغالبية.

لنتوقف قليلاً عند القضية الأخيرة وهي عبارة عن قنبلة شديدة الانفجار، قد تدمر ما تبقى من أطلال الجامعة، علينا أن نكون في منتهى الحذر ونحن نقترب منها ونسأل: لماذا أصلاً ساد مبدأ الإجماع في الميثاق؟ كان وراء هذه القضية قضية أخطر وهي قضية خوف الدول الصغرى من سيطرة الدول الكبرى فأعطت لنفسها حق الفيتو من دون أن تنص عليه صراحة.

القضية مشروعة وليس من الصواب تجاهلها لأن قدرات أعضاء أي عمل جماعي متفاوتة، والمصالح القطرية لا يمكن تجاهلها، والسياسة أولاً وأخيراً هي فن الممكن. على سبيل المثال نذكر مؤتمر فيلادلفيا عام 1787 حينما اجتمع ممثلو الولايات لوضع دستور الاتحاد، كانت المناقشات تستمر من دون أن تصل إلى نهاية لأن الولايات الصغرى كانت تخشى سيطرة الولايات الكبرى وكانت هذه بدورها تخشى ديكتاتورية الولايات الصغرى، وأن البعض من ممثلي الولايات كان يريد الاتحاد والبعض يريد الائتلاف، ووجدوا أنه واقع لا بد من التعامل معه وعدم تخطيه، ووضع الجميع المشكلة على سطح المائدة، لم يخفوها أو يتجاهلوها كما نفعل في معالجة قضايانا.

وصلوا إلى تسوية تحقق مصلحة الاتحاد وتقضي على خوف الولايات، كانت التسوية في الكونغرس الذي يتكون من مجلس نواب ومجلس شيوخ، والمجلس الأول يُنتخب أعضاؤه بتعداد الولايات والثاني يتم انتخاب عضويته من كل ولاية، كبرت أم صغرت. ثم قرروا أنه يجب لتمرير أي قانون أن يوافق عليه المجلسان، وإذا حصل اعتراض بواسطة الرئيس تعود القوانين مرة أخرى وتطرح للمناقشة والتصويت، ويشترط حصول القانون على غالبية المجلسين. توازن كامل بين الإرادة القومية الاتحادية وبين قدرة الولايات الصغيرة والكبيرة على حد سواء.

في الاتحاد السوفياتي المنحل أنشأوا مجلس السوفيات الأعلى الذي كان يتكون من مجلس السوفياتات وفقاً لعدد السكان ومجلس القوميات بممثلين متساوين من الجمهوريات، على أن من الواجب موافقة المجلسين على أي قانون، ثم وضعوا إلى جانب المجلسين مجلساً آخر هو مجلس رئاسة السوفيات الأعلى.

أعرف أننا لا نكوّن اتحاداً داخل الجامعة العربية لكننا نطرح المشكلات التي تطوى عليها الصدور ولا تطرح في النور، لأن الحرص على المصلحة النظرية موجود وإذا قررت الغالبية إجراءً يتعارض مع المصلحة النظرية أصبح من المتعثر تنفيذه ويمكن أن يؤدي إلى "فركشة" في مجلس الجامعة أو مجلس القمة فيؤدي إلى انسحاب البعض.

كيف نوفق بين المصلحة القومية والمصالح القطرية؟ كيف ننفذ مبدأ الإجماع بسلبياته ونتحاشى مبدأ الغالبية بسوءاتها؟

نحن نكثر من استخدام كلمة "كيف" وليست هذه كل القضية لكن المشكلة هي في الإجابة عن "ماذا نفعل؟"، فالقضايا الكبرى تعالج في خطوات متتالية: ماذا يحدث؟ ولماذا يحدث؟ ثم ماذا نعمل؟ وكيف نعمل ما نقدر أن نعمل؟ فباحثو مثل هذه القضايا يجب ألا يعيشوا في أبراج عاجية بل يجب أن ينزلوا إلى حيث توجد القضايا لدراستها على الطبيعة ثم يجتهدون لإيجاد الحل أو العلاج، بل يرى عزيزنا هنري كيسنجر أن عليهم بعد ذلك "أن يتقربوا إلى السلطة أو يقفزوا عليها لتنفيذ حلولهم، وبعد فترة يتركون السلطة ليعودوا إلى ورشهم أو معاملهم ليعيدوا شحن البطاريات".

* كاتب. وزير دفاع مصري سابق.