|
|||||||||||||||||||
| www.daralhayat.com 2008/09/06 16:45 GMT |
|
||||||||||||||||||
|
التغيير بيدنا... وأبداً لن نقبله من الخارجمنتصر الزيات الحياة 2003/08/28أثارت راغدة درغام ("الحياة" 15 آب - أغسطس) موضوعاً بالغ الحساسية وصفه الدكتور سعد الدين إبراهيم ("الحياة" 13 آب ) بأنه بعض من المسكوت عنه، وهو ما يتعلق بفرضية التغيير المحتم أولاً ثم السؤال عن وسيلة تنفيذ هذا التغيير، هل بيدنا أو بيد عمرو؟ وهو في تصوري سؤال وجيه خصوصاً في ضوء تداعيات نعيشها منذ وقعت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 وما تلاها من واقعات أهمها إسقاط حكومة النظام البعثي برئاسة صدام حسين في بغداد ووقوع الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق. والملف برمته شائك للغاية تضطرب حوله "خواطر الأكثرية الخائفة أو المترددة أو المكتفية بالانتظار" بحسب ما وصفته ذرغام. لكن العقدة لا تكمن في مجرد "الاسترسال فى شتم التغيير الآتي من الخارج"، وإنما في مدى استعداد الشارع العربي والإسلامي، بثقافته وتراثه المتدرج عبر أجيال طويلة، لقبول طرح الوجود الأجنبي بعد أن عبرنا بوابة الألفية الثالثة. ويجدر بحلبة النقاش أن تتدارس بعمق كيفية تحريك النخب الثقافية والفكرية، بل والسياسية من أجل طرح حلول أصيلة "للقضايا الأساسية في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية" والاندفاع نحو تحريك الجماهير "القابلة" فعلاً للتغيير. إن حركة الشعوب عبر حلقات التاريخ المتصلة تتأثر سلباً وإيجاباً برموز الحركة الوطنية داخلها، وقابلية الشعوب لإحداث التغيير بكلفة كبيرة رهن بقابلية تلك النخب لدفع الكلفة نفسها في آن واحد. والمشكلة الحقيقية ليست في أن وطأة الحكومات الاستبدادية على أهل الفكر والثقافة السياسية قاسية وإنما في "خناعة" النخب واستسلامها للواقع المضروب حولها واستقبالها لتلك الضغوط برضى، وتحول بعضها الى تروس تدور في عجلة تلك الحكومات بطريقة أو أخرى. صحيح أن كثيرين منهم لا تتوافر لهم وسائل الحماية التي تتوافر للدكتور سعد الدين إبراهيم من اهتمامات دولية، لكن الأمانة تقتضي أيضاً القول إنه لا تتوافر لديهم في الوقت نفسه الشجاعة المتوافرة عند الرجل في النقد وإبداء الرأي وطرح المعالجات التي يراها ملائمة لأزمات المنطقة. إن التغيير لن يكون طبيعياً أبداً إذا وفد من الخارج عبر دبابات أميركية مهما تعددت الأسباب أو تباينت الظروف والملابسات، وإن التمحك في صعوبة التملص من الحكام المستبدين كصدام حسين ومن على شاكلته هو استسلام لحال "العجز" التي تصاحب حال "الثقافة المكذوبة" المتفشية وتسويغ مرفوض لبوابة "الاستعمار الحديث" لأنه من غير المعقول أن نفشل أو تفشل طبقة المثقفين في علاج آثار الاستبداد في بعض البلدان التي تعاني من ذلك ويتصور أن تنجح في مقاومة الاحتلال الأجنبي. يحسن بنا أن نولي هذا الملف الحيوي قدراً مناسباً من الاهتمام بدلاً من تشتيت الانتباه بتسويغ التغيير من الخارج وحل إشكالية جمهور المثقفين العرب بتخليصهم من أسر الديماغوجية. إلا أن ذلك لا يبرر أيضاً وفي الوقت نفسه اعتبار مقاومة التغيير الآتي من الخارج على محض دبابة أميركية أو بريطانية "دروشة دينية". فأهم الثوابت التي تؤكد صحة طرق التغيير وسلامتها هي في تأكيد هوية الأمة الثقافية والروحية والدينية بحيث لا تختلط المفاهيم وسط الرغبة الجامحة نحو التغيير لحال التماس مع رغبات أميركية قوية في تغيير البرامج والمقررات الدينية في المدارس ودور العلم بما يحقق "المسخ" للهوية المميزة للأمة العربية أو بتقليص الفوارق الثقافية مع المجتمعات الغربية ولا يمكن تصور أن غياب المساواة "الغربية" بين الجنسين يمكن أن تكون من النواقص التي لا يمكن الاعتماد عليها في المعطيات التي تؤدى إلى نتيجة مفادها تأخر العرب. ومن ثم لا يمكن تصور أنها تكسب أي صدقيه للإدارة الأميركية أو توفر لها أي غطاء مشروع - ولعل هذه إحدى علامات القلق الكبيرة تجاه المتحمسين لتغريب مجتمعاتنا العربية وإفقادها ملامح تميزها، إن أمة غير قادرة على حماية هويتها غير جديرة بالبقاء وسط الحضارات. أما غياب الحرية والديموقراطية فهو اختلال حقيقي وليس وهمياً لكن الإشكالية الحقيقية التي تصادف بحث وتقصي علاجها تكمن في الازدواجية التي تتعاطى بها الإدارة الأميركية معها من حيث أنها تدعم فعلاً أنظمة عربية يتم تصنيفها تحت هذا البند. حتى في حال صدام حسين، لا يكاد يخفى شيء من تلك العلاقة الغامضة بينهما حتى قررت ووفقاً لأولوياتها ومصالحها أن تتخلص منه. إن الإدارة الأميركية قلقة من أن تؤدي السحب المعبأة بأجنة التغيير في منطقتنا إلى وصول تيارات إسلامية إلى الحكم مما يدفعها إلى مساندة أنظمة مستبدة ودعم حكومات ديكتاتورية ومن ثم يفقدها ذلك ميزة النزاهة أو الحيادية عند التعرض لوسائل وآليات التغيير في الوطن العربي. أعتقد أننا في حاجة ملحة إلى تحرير الخلاف أو الحوار من تعقيداته، ونحن نواجه تحديات حقيقية تحكم إيقاع الحياة السياسية والاجتماعية في بلادنا وتحتاج الى تضافر الجهود من أجل الوصول الى صيغة مشتركة تساعد في الإحلال والتبديل في شكل حضاري، ونسق ملائم لمتطلباتنا ومعطياتنا بحسب ما أسلفنا. وذلك يقتضي كذلك الاتفاق على أجندة وطنية للبحث في محاور مهمة تختص بتوسيع دائرة الحريات العامة وانتزاع الحقوق الدستورية في هذا الخصوص لقطاعات عريضة من الشارع العربي. ويرتبط بهذا بشكل رئيس، كيفية إدخال قوى محجوبة عن الشرعية إلى دائرة العمل المشروع ومنحها الحقوق العامة عينها في الوقت الذي نسألها فيه عن واجباتها تجاه المجتمعات وفق أطر وضوابط سليمة وتحطيم "تابوهات" مكذوبة داخل النظام الرسمي العربي تحول دون ضمان المشاركة الشعبية الكاملة تحت مبررات واهية. ومن الضروري العمل على إلزام الحكومات تطبيق قواعد موضوعية تفتح الباب واسعاً للمشاركة الشعبية لكل القوى في العمل السياسي، والنظر بعين الاعتبار إلى خصوصية الثقافة العربية والإسلامية عند درس تطوير برامجها التعليمية الدينية. ويحسن البحث في أسباب الاختلال التي أودت لمثل الأحداث التي جرت في نيويورك وواشنطن أو غيرها بصورة سياسية وقراءة الأحداث بنمطية مجردة ومحايدة. لسنا بالتأكيد مع نقل المعركة التي يخوضها فصيل أو تنظيم أو جماعة مع الولايات المتحدة إلى داخل بلادنا من دون وعي أو تنبه لكل الأبعاد التي تحكم الأمور، لكننا في الوقت نفسه لسنا مع تبديل العمائم أو تبديل العقاقير لعلاج الأمراض أو انتهاز الفرص لتدابير بعينها ربما تفرز تعقيداً أكثر مما تفرج أزمة. * محام مصري وكاتب إسلامي. |
||||||||||||||||||
| ©2007 Media Communications Group مجموعة الاتصالات الإعلامية | |||||||||||||||||||