هل اكتمل قوس انتكاسة الإسلاميين العرب؟
خليل العناني الحياة - 27/09/07//
لم تتحقق «النبوءة» في المغرب، ولم يحتل حزب «العدالة والتنمية» المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية التي جرت أخيراً، مثلما توقع له كثيرون، من بينهم قيادات في الحزب نفسه، وكانت المفاجأة في عدم تجاوز الحزب لأدنى التوقعات تفاؤلاً، وبدت التقديرات التي أطلقتها مراكز بحث عربية وغربية طيلة العامين الماضيين أقرب لحُلم «مخملي».
دلالات الحدث عديدة وتستدعي قدراً من التأمل. فمن جهة أولى، وبغض النظر عن حجج ضعف المشاركة السياسية وعشوائية النظام الانتخابي وتفتت الأصوات بين إسلاميين شاركوا من أحزاب أخرى مماثلة (النهضة والفضيلة، والبديل الحضاري)، فضلاً عن مقاطعة أكبر جماعة دينية منظمة للانتخابات (جماعة العدل والإحسان)، فإن ما حدث للعدالة والتنمية، يكشف مدى هشاشة الأطروحة «التقليدية» بإمكانية هيمنة الإسلاميين على الشارع العربي، وقدرتهم علي اقتناص السلطة، مع أية مناسبة انتخابية. وتبدو هذه الأطروحة في حاجة إلى مراجعة وتدقيق، أقلّه لجهة تعرية خطاب «التفزيع» والترهيب من إتمام عملية تحول ديموقراطي ناجزة في العالم العربي، طال انتظارها، وأيضا لجهة تخفيف نزعة «الفوبيا» التي يجري تصديرها للخارج كلما اشتد عود الإسلاميين وزاد تأييدهم.
ومن جهة ثانية، تثير التجربة المغربية أسئلة كثيرة حول مدى نضوج «الفكرة» الديموقراطية في المخيّلة الشعبية العربية، ذلك أن تدرج المشاركة السياسية في المغرب نحو الأسوأ (بلغت هذه المرة 37 في المئة، مقارنة بـ52 في المئة عام 2002، و58 في المئة عام 1997)، وذلك رغم تحسن المناخ السياسي وتوافر النيات لتحقيق نقلة سياسية في ظل ضمانات للشفافية والنزاهة، إنما يؤكد انعدام وجود ثقافة جماهيرية تؤمن بقدرة صناديق الاقتراع على تغيير الأوضاع.
ولعل أفضل ما في التجربة المغربية أنها قد تبطل، ولعقود قادمة، حجج المجادلين بإمكانية المقارنة بين «العدالة والتنمية» المغربي، ونظيره التركي، وهي بحد ذاتها درس معتبر لمن يريد التأمل في عمق الفوارق السوسيولوجية والثقافية بين ضفتي المتوسط.
ومن جهة ثالثة، وهذه موضوع المقال، فإن تجربة «العدالة والتنمية» المغربي إنما تطرح سؤالاً كبيراً، يفرض على الكثيرين ضرورة الاشتغال به والبحث عن إجابات وافية له، وهو: هل انتهى ربيع الإسلاميين العرب؟ ذلك أن انتكاسة «العدالة والتنمية» المغربي، وهي منعوتة بذلك، على الأقل من وجهة نظر المراهنين والمراقبين داخلياً وخارجياً، تكمل بدورها قوساً للانتكاس بدأت ملامحه في أقصى المشرق العربي، حين تخطت العلاقة بين الحكومة الأردنية وجماعة «الإخوان المسلمين» نسقها المعهود، مروراً بتجربة «حماس» في الأراضي الفلسطينية، وانعطافة الوضع بين النظام المصري وجماعة «الإخوان المسلمين»، كي يكتمل طرف القوس الآخر في أقصى المغرب العربي وعلى ضفاف الأطلسي.
من المنطقي أن يميل البعض الى صفة التعميم و «التصفيف» بين هذه التجارب جميعاً، إما لجهة تباين الظروف والسياق، وإما لاختلاف مسببات الانتكاس ومسؤولية أطرافه، وما إذا كان «انتكاساً» قسرياً أم طوعياً. بيد أن ذلك كله لا يسقط حقيقة ساطعة مفادها أن جميع هذه التجارب إنما تعاني الآن أزمة حقيقية، سواء في علاقتها بأنظمتها وشركائها السياسيين، كحالتي الأردن ومصر، أو في رؤيتها السياسية وخططها الحركية، كما هي الحال مع «حماس» في فلسطين، وإن في علاقتها بمجتمعها ومحيطها الشعبي كما هي الحال في التجربة المغربية. وابتداءً، فلا تعني مثل هذه الأزمة نهاية هذه التجارب وسقوطها، أو بالأحرى انعدام جاذبيتها لدى شرائح واسعة من المجتمعات العربية، فتلك حقيقة قائمة ما بقي «الثوران الإسلامي» حيّاً، بقدر ما تلفت النظر باتجاه مواطن للخلل تسم أداء هذه الحركات، وتؤكد حاجتها المركزية لتطوير رؤاها السياسية، وتجديد أدواتها الحركية كي تتلاءم مع تبدل الظروف والتوقعات.
ومع التسليم بسطوة الإجراءات والسياسات الحكومية المتبعة إزاء هذه التيارات، وتلك حقيقة أزليّة تشارك فيها جميع التيارات السياسية والإيديولوجية العربية في حقبة ما بعد الاستقلال، فإن مسؤولية هذه الحركات عن وضعها المتأزم يصعب إنكارها.
ففي الأردن، وعلى رغم كلاسيكية العلاقة بين «الإخوان المسلمين» والحكومة الأردنية، والتي تراوحت لعقود طويلة بين الدمج والتوظيف والتعنيف، إلا أن التوتر «الوافد» حالياً على العلاقة بين الطرفين لعبت فيه الجماعة دوراً مركزياً، وذلك إما لإصرار بعض أجنحتها على التعاطي مع تحولات البيئة الداخلية والإقليمية بالطريقة القديمة نفسها، تلك التي تستمرئ التعاطف الحكومي من دون تطوير خطابها السياسي، وإما لاقتناع البعض بأن الجماعة ستظل تحظى بمزيّة «الجماعة الأولى بالرعاية» على غرار ما تعودت عليه طيلة أكثر من نصف قرن.
وقد كشفت تجربة الانتخابات البلدية التي أجريت أخيراً أن الجماعة ربما فقدت قدراً من رشدها السياسي، وانقلبت على إرثها المتزن الذي وسم تحركاتها طيلة عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم. فكان أن شنت هجوماً لاذعاً على الحكومة الأردنية طال بعض القوى المتنفذة في النظام وكتلته الصلبة (الجيش)، وكأنما تقدم بيديها هدية للمتربصين الذين لم يفوّتوا الفرصة للتحريض وسد باب الذرائع في وجه الجماعة لإعادة العلاقة مع النظام إلى مجاريها. أما إقليمياً، فلم تحتفظ الجماعة لنفسها بمسافة واضحة تميزها عن حركة «حماس»، تلك التي تواجه واقعاً ملتبساً يصعب التبرؤ من تبعاته. في حين وقعت الجماعة في خطأ باهظ الثمن حين لم يفرق بعض نوابها بين انتمائهم السياسي، وعاطفتهم العشائرية والقبلية عند تأبين «أبو مصعب» الزرقاوي، وهي في ذلك بدت كمن يسلّم «العصا» لجلاديه.
أما في مصر، وعلى الرغم مما تتعرضت له جماعة «الإخوان المسلمين» من قمع لم يحدث منذ ستينات القرن المنصرم، إلا أن تجربة العامين الماضيين أثبتت أن قدرة الجماعة على إعادة إنتاج مشروعها الفكري، وتطوير بنيتها التنظيمية، لا يزاانل محدودين للغاية، وذلك على رغم الفرصة التاريخية التي أتيحت للجماعة بعد فوزها الكبير في انتخابات مجلس الشعب 2005. وكان يفترض بجماعة تعاني التربص والإقصاء «المتعمد»، أن تبادر إلى بناء شراكة سياسية مع بقية أطراف اللعبة، ليس فقط بغية الاحتماء من «غدر» بعض المتنفذين داخل النظام، وإنما أيضا لوضع برنامج «توافقي» يمكن أن يسهم في إنجاز تحول ديموقراطي حقيقي طال أمده.
قطعاً، لا يمكن لأحد استمراء النهج التعسفي «الاستباحي» الذي تمارسه السلطات والأجهزة الأمنية ضد قيادات الجماعة، ولا يمكن لأحد أن يدافع عن إقصاء فصيل بحجم وتأثير جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، بيد أن هذه الأخيرة لا تزال تقع في أخطاء «ساذجة» تجير المجتمع وقواه المدنية ضد مشروعها السياسي ورؤاها الفكرية، على غرار حادثة الأزهر التي وقعت أواخر العام الماضي ولا تزال تجتّر جروحاً للجماعة.
أما في فلسطين، فلا تبدو حركة «حماس» على وعي بحقيقة وضعها الراهن في قطاع غزة، ومن دون التنكر لمساعي أطراف داخلية وخارجية لإحكام الحصار على الحركة، ومحاولة خنقها داخل «محبسها» الطوعي في غزة، إلا أن بعض قيادات الحركة تبدو «متلذذة» بممارسة نوع من جلد الذات وتعذيبها، وترفض الاعتراف بكارثيّة ما حدث منتصف حزيران (يونيو) الماضي. في حين يسبح جناح «المضطرين»، الذي يفسر استيلاءه على غزة بأنه « وضع مكروه اضطررنا إليه»، باتجاه طوباوية خالصة، ربما تنزع في النهاية نحو خيار «الانتحار» الذاتي وقلب الأوضاع رأساً على عقب.
وتبدو الحركة حالياً في أمس الحاجة لتقييم «صحوتها» السياسية بشكل موضوعي، ولا يضيرها في ذلك أن تراجع ما خطّه الشيخ يوسف القرضاوي قبل خمسة أعوام عن الأخطاء العشرة للصحوة الإسلامية (الصحوة الإسلامية.. من المراهقة إلى الرشد، دار الشروق، 2002) علّها تجد فيه مخرجاً لوضعها المتأزم.
وإذا كانت الحالات الثلاث الماضية تحمل جميعاً عنصراً مشتركاً فيما آلت إليه أوضاعها، ممثلاً في نزوع السلطات القائمة نحو ممارسة قدر من الضغط المادي والمعنوي على بنيتها التنظيمية والسياسية، فإن حالة «العدالة والتنمية» المغربي، تفتقد لهذا المشترك «القسري» في تفسير التراجع والانتكاس، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات كثيرة حول مدى قناعة الشعوب العربية بنجاعة «الحل الإسلامي» على نحو ما يطرحه إسلاميّونا.
علي أنه من التبسيط المخلّ النظر الى مرحلة «الانتكاس» التي تمر بها حالياً تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، كما لو كانت دليلاً على فشل هذه التيارات في تجذير نفسها، بديلاً محتملاً للأوضاع القائمة، بقدر ما تعبر عن انعدام قدرة المجتمعات العربية على إنتاج بدائل أخرى يمكن أن تنازع «السلطوّيين» والإسلاميين، على حد سواء، على قوتهم وجبروتهم.
وإذا كانت مجتمعاتنا تقف على أعتاب حقبة جديدة نعتها البعض بـ «الزمن السلفي»، فالخطر أن تنصرف الكتل «التقليدية» المؤيدة للتيارات الإسلامية المعتدلة، الى الانضواء تحت العباءة «الفضفاضة» لتيارات السلفية الجهادية، وحينئذ سيصبح الترحم على هذه التيارات أمراً واجباً.
ربما لم يستمر «ربيع» الإسلاميين العرب طويلاً، شأنه في ذلك شأن «ربائع» الديموقراطيين والليبراليين والعلمانيين. بيد أن من الإجحاف اعتبار ذلك دليل نصر لما هو قائم، وتعزيزاً لاستمراره، فـ «نطفة» التغيير، التي ألقيت في رحم المجتمعات العربية، طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، لا تزال فاعلة، ولربما تنتج جيلاً عربياً يؤمن بحتمية «الحل» الديموقراطي، ويقدر على تحقيقه.
كاتب مصري
|