موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 01:50 GMT - 2008/05/10

حال الطقس في 101 مدينة







سحابة سوداء

محمد صلاح     الحياة     - 17/10/07//

يعاني المصريون ومنذ سنوات تلوثاً بيئياً هوائياً يأتيهم في فصل الخريف، أطلقوا عليه اسم «السحابة السوداء» إذ تغطي أدخنة قاتمة سماء العاصمة المصرية وبعض المدن الأخرى، ويجد الناس صعوبات بالغة في التنفس، ويواجه مرضى القلب والصدر مخاطر الوفاة، إذ لا يجدون فكاكاً من استنشاق هواء ملوث يخنقهم. احتار المصريون على كل المستويات في تفسير أسباب «السحابة السوداء»، واتخذت أجهزة الحكومة إجراءات تلو أخرى لمواجهتها والسيطرة عليها ومحاولة منعها، لكن من دون فائدة، فالسحابة تهل في بداية كل خريف ولا تبددها إلا رياح الشتاء عندما تحملها لتفرقها على أنحاء المعمورة، فيبدأ الناس في مصر في التنفس الطبيعي وهم على يقين بأن «السحابة» ستحل عليهم في الموعد المقرر في العام التالي.

ورغم أن زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس للقاهرة أمس جرت في الصباح حيث لا يشعر المصريون عادة بأجواء «السحابة السوداء» التي تغطي سماءهم مع قدوم الليل، إلا أن المصريين شعروا بـ «خنقة» من نوع آخر أثّرت على قدرتهم على «التنفس السياسي».

في لغة الخطاب بين المصريين هم يطلقون على أي أزمة عابرة لفظ «سحابة صيف»، لكن العلاقات المصرية - الأميركية تظللها ومنذ سنوات سحابة سوداء لا علاقة لها بفصول السنة، وإن ارتبطت بملفات سياسية مهمة سواء على الصعيد المصري الداخلي أو القضايا ذات الاهتمام الأميركي. فالمصريون رسمياً وشعبياً مستاؤون من تناول البيت الأبيض والكونغرس والجمعيات الحقوقية والشخصيات اليهودية المتشددة للأوضاع الداخلية المصرية، ويرفضون ردود الفعل الأميركية على الإجراءات التي تتخذها الحكومة أو القضاء في مصر لأسباب مختلفة، في حق معارضين مصريين، كما لا يخفي بعض السياسيين المصريين شعوراً بالغضب تجاه محاولات أميركية لـ «تحييد» مصر أو تجاوزها عند بحث بعض قضايا المنطقة إذا فشل الأميركيون في كسب موقف مصري داعم لهم في تلك القضايا. وفي المقابل يعمد مسؤولون أميركيون بينهم الرئيس بوش نفسه كل فترة إلى التعبير عن رفضهم الأوضاع الداخلية في مصر وبينها بالطبع اعتقال بعض الناشطين السياسيين ومحاكمتهم، كما الحال في قضيتي الدكتور أيمن نور في المرحلة الحالية، والدكتور سعد الدين إبراهيم في مرحلة سابقة.

ورغم أن قناعة تسود لدى المصريين بأن المشاريع الأميركية الإصلاحية تبخرت وأن الضغوط التي كان يمكن للإدارة الاميركية أن تمارسها لتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية في دول الشرق الأوسط وعلى رأسها مصر لم تعد حاصلة ويستبعد أن تحصل في المستقبل، إلا أن القاهرة ترى أن الاميركيين يستخدمون بعض قضايا مصر الداخلية لابتزاز سياستها الخارجية وتوجيهها في مسارات ترضى عنها واشنطن، كما الحال في ملفات فلسطين والعراق والسودان وإيران.

ورغم أن زيارة رايس إلى دول المنطقة وبينها مصر تركزت على «مؤتمر الخريف» للسلام والسعي إلى بلورة وثيقة إسرائيلية - فلسطينية مشتركة لا تواجه بمعارضة عربية، إضافة إلى الطلب من أطراف عربية بينها مصر تخفيف حدة انتقادها للمؤتمر والسعي إلى إنجاحه، إلا أن أجواء «السحابة السوداء» التي تغطي سماء العلاقات المصرية - الأميركية لم يكن من السهل إخفاؤها. وزاد من ذلك الشعور الموقف الرسمي المصري من مؤتمر السلام الأميركي والانتقادات التي صدرت عن المسؤولين المصريين وعلى رأسهم الرئيس حسني مبارك الذي كان استغرب غياب أجندة واضحة لمؤتمر كهذا. وإذا كان الأميركيون مهتمين ومنشغلين بالإعداد للمؤتمر فإن الوزيرة الأميركية تفادت الخوض في نقاش قد يثير غضب المصريين فنأت بنفسها عن فتح ملفات أيمن نور أو مطالب المعارضة المصرية، لكنها لم تمنع نفسها من التعبير عن رفضها ذلك الجهد المصري - السوداني المشترك لترتيب حوار في القاهرة بين حركتي «فتح» و «حماس» لعلاج الأوضاع المتردية في غزة وتحقيق مصالحة بين الفلسطينيين.

وهكذا أتت «سحابة سوداء» أخرى لتخيّم على أجواء الزيارة وما جرى فيها. فالأميركيون الذين رفضوا وما زالوا أي حوار مع «حماس» أو دور للحركة في المستقبل ساووا بين موقفهم من الإسلاميين الفلسطينيين وموقف القاهرة من الإسلاميين المصريين. ورأوا أن القاهرة التي ترفض أي حوار مع جماعة «الإخوان المسلمين» تطلب من الأميركيين القبول بحركة «حماس» كشريك في الحكم في فلسطين. أما مصر فترى في الربط محاولة ابتزاز أميركية جديدة وغياباً لرؤى واقعية للأوضاع على الأرض في فلسطين. وعلى ذلك فإن رايس زارت القاهرة وغادرتها، لكن يبدو أن «السحابة السوداء» ما زالت باقية.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group