www.daralhayat.com     2008/09/08     04:31 GMT

ابحث عن

بحث متقدم

?????? ?? ???PDF
TheDaleel.com

مقاتل من الصحراء
موسوعه
"مقاتل من الصحراء"





برنامج "مدرسة الحياة"

old.alhayat.com

 

قراءة في الأهداف البعيدة للاحتلال الأميركي للعراق

محمد الرميحي     الحياة     2003/11/12

نستطيع أن نشجب كيفما نريد، وبالطريقة التي نريدها، هذا الاحتلال الأميركي للعراق. ونستطيع أن نصرخ كثيراً، ونثير الكثير من الضجيج على ما يدور حولنا في هذه المنطقة العربية. ولكننا لا نستطيع أن نتجاهل أن هناك دروساً وجب علينا أن نأخذها في الاعتبار بالنسبة الى اقليمنا العربي المضطرب. ولا تظهر هذه الدروس لضعيفي البصيرة السياسية ولا لأولئك الذين يضبطون توقيتهم على الغد وبعده، بل هي دروس للأمدين المتوسط والطويل.

وإذا صح ما تداولته وسائل الأعلام أخيراً من ان النظام العراقي السابق قد فتح قُبيل السقوط بشهور قنوات سرية مع الولايات المتحدة، من اجل التفاوض للتوصل الى "تسوية" وقدم الكثير من التنازلات، إلا أن الإدارة الأميركية رفضت كل هذه التنازلات، فيصبح لدينا ما يشبه اليقين بأن هناك أهدافاً بعيدة المدى ترغب الولايات المتحدة في تحقيقها في عالمنا، وبعيداً عن تطمين النفس، فإن الإشارات الى هذه الأهداف قد ظهرت في الخطاب الأخير للرئيس بوش.

هناك ثلاثة أهداف على الأقل، يمكن رصدها، وهي أهداف متداخلة، ومرتبط بعضها ببعض في سلسلة تكاد أن لا تنفك.

ليس من المستحب أن نُعيد هنا ما يعرفه الجميع، بأن دولة كبرى قررت أن طريقة الحكم التي يحكم بها العراق، وتصرف قادته السياسي تجاه سلسلة من القضايا الإقليمية و الدولية لم يعد يناسب العصر، لذا فقد تم احتلاله بالقوة، وتم التخلص نهائياً من طاقم الحكم السابق، وبصرف النظر عن الخلفيات والأهداف المتغيرة، بين تحليل واجتهاد وآخر مضاد، فإن نهاية المطاف هي احتلال.

إلا أن الحديث عن اليوم التالي كان قليلاً ومتقطعاً في منطقتنا، على رغم أن بعضنا قد أشار إليه مبكراً، فقد نشر كاتب هذه السطور في هذا المكان مقالاً بعنوان "اليوم التالي" وذكر في ذلك المقال بالحرف أن "النقلة الموعودة من "الجحيم" إلى "النعيم" في العراق هي فقط في مخيلة الشعراء والحالمين، كما أن الفردوس العربي الموعود لن يتحقق من نفحة من "الجندي" الأميركي، مهما حسنت النيات وصفت القلوب، الفردوس يحققه الناس على الأرض بجهدهم وجهادهم". كان ذلك تحليلاً سابقاً ومبكراً لما نشهده اليوم، وقد تبين أن غياب الرؤية العربية الشاملة أو الوطنية، هي التي أوصلتنا الى ضعف القدرة بعد ضعف البصيرة في التحليل، واليوم ننظر الى اليوم التالي لنرى ما يمكن أن يستجد من أمر.

لم يرث النظام العراقي السابق الثروة التي أهدرها، عن جيل سبقه، هو في الحقيقة سرقها من جيل بعده، فالأعباء على الجيل العراقي الحالي والقادم أعباء باهظة، والعراق اليوم يرزح تحت ديون هائلة يريد المجتمع الدولي، ليس فقط أن يشطبُها، بل يُطلب أيضاً من الدول في العالم وفي الإقليم أن تقدم مالاً وفيراً من اجل بناء العراق الجديد، اذ أن عدم بنائه على أسس جديدة وصحيحة وبمال وافر قد يُعيده الى سيرته الأولى، فتحت مظلة الفقر والفاقة والحرمان يتولد ظلم آخر، يتشكل حسب الظروف بإيديولوجية مختلفة متوفر كثير منها في عالمنا، ولكنه في النهاية يقود الى ما وصل إليه من سبقه، في البطش الداخلي، وعدم الاستقرار الخارجي.

الدرس الأول من الدروس الثلاث الممكن استخلاصها من احتلال العراق هو انه لا تستطيع دولة أو مجموعة دول أن تعيش مرفهة نسبياً، وتترك جيرانها في قاع الفقر. فمثل أمراض الفقر بين الدول، أمراض الفقر المدقع والغنى الفاحش في المجتمع نفسه، يولد غالباً العنف والصراع وتختل معه أسس الدولة. مساوئ الفقر في المجتمع الواحد مثل مساوئ الفقر بين الجيران، ومفهوم الجيران اتسع اليوم، فلم يعد الجيران هم المشاركون لحدود الدولة، بل أصبح العالم كله تقريباً "جيران" بشكل ما وبطريقة ما، وهي جيرة كبيرة واجبة التساند.

تقديم الولايات المتحدة كل هذه الأموال الضخمة لمساعدة العراق يعني أن يقدم غيرها من الجيران الأقربين و القادرين على المساهمة بعضاً من المال، وهو واجب لاتقاء الضرر لا منة من أحد، ويعني أيضاً أن التنمية هي الاهتمام بالمجتمع قبل أن تستفحل أمراض الفقر مع أمراض الجهل، فهي في الغالب تنتج الإرهاب.

تلك حقيقة سوف تسري على المنطقة ككل، فليست هناك بعد الآن إمكانية لأن تعيش دولة في حدودها آمنة فيما تعشش بالقرب منها الفاقة والفقر، وليست هناك إمكانية لأن تعيش شريحة في المجتمع مستولية على كل الفرص وتحرم غيرها، فسرعان ما تصيب أمراض ذلك الفقر صلب كيان الدولة الجارة، بشكل مباشر أو غير مباشر بمثل ما تصيب الدولة مختلة التوزيع في السلطة والثروة، وتظهر منازعات على شكل حروب أو على شكل تدفق للهجرات الكثيفة المختلفة للخارج، أو على شكل تصدير ايدولوجيا تقضّ مضجع الآمنين، أو على شكل إرهاب من نوع ما، كما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001.

إذاً فهناك توجه عالمي سوف يسري إقليمياً، مفاده أن المنطقة يجب أن تعمل بمثل ما تعمل به الأواني المستطرقة، الفائض من هنا يذهب الى المنخفض من هناك، والفائض هنا ليس مالياً فقط، بل هو قيمي أيضاً يفحص طريقة إدارة المجتمع ويحاكمها.

اذا كانت تلك الحقيقة الأولى لا جدال فيها، فإن الحقيقة الثانية المرتبطة بها، هي أن ذلك الغنى وذلك الفائض، يجب أن يدير الموارد القديمة أو الجديدة إدارة إنسانية حديثة، بمعنى أن يُعرف على وجه الدقة ومن خلال مؤسسات أهلية كل دولار يصرف، والى أي هدف سوف يذهب، ومن سوف يستفيد من هذا الدولار، وفي أي برامج نافعة يوظف، أو ما يطلق عليه اليوم اختصاراً بـ "الشفافية" وهو أمر يخص الجميع، ليس المتلقي في بلاد الحاجة، ولكن المانح أيضاً بين جدران بلاد الوفرة النسبية.

فالشفافية هي التي تقرر قدرة الدولة والمجتمع على توزيع المنافع توزيعاً عادلاً واستخدام الموارد استخداماً رشيداً لتحقيق الأهداف، وألا فما فائدة المساعدات، سواء المالية أو المساعدة في استتباب الأمن التي تتحمل الدول الديمقراطية الكبيرة جل عبئها، أن لم تؤدِ في نهاية المطاف الى استتباب الأمن الاجتماعي، وتكوين الرفاه النسبي الذي يؤدي بدوره الى الانسجام و الطمأنينة.

إذا اعتبرنا أن الحقيقتين السابقتين، وهما المشاركة في الثروة محلياً و إقليمياً والشفافية في استخدامها، هما من مبادئ النظام الدولي الذي يتشكل أو من الأهداف التي تريد الولايات المتحدة تحقيقها، فكلاهما يقودان تلقائياً الى العنصر الثالث أو الحقيقة الثالثة واجبة التحقيق، وهي أن المُساءلة العامة المقننة، وفي بعض الأحيان تدعى باسم عام هو الديموقراطية أو المشاركة الشعبية الواسعة، وهي موضوع مكمل لإطراف الهرم الثلاثي، فبدونها لا تكتمل الأضلاع التي يرتكز اليها النظام الدولي الجديد، الآخذ في الظهور.

والمساءلة الأخيرة، أو تحقيق الديموقراطية، ليست وصفة تكميلية ومظهرية تسد ثغرات النقد الدولي المحتمل، بمعنى أنها ليست انتخابات دورية، وصناديق انتخاب، ووجاهة شخصية، بل هي أساساً في مجملها مساواة المواطنين جميعاً تحت ظل القانون، ذلك القانون النابع من توافق المجتمع لتحقيق مصلحة المجموع، أي من مؤسسات شعبية ومتوافق مع ما اتفق عليه عالمياً من قواعد عامة وجوهرية، تعني بحياة كريمة للانسان، وهي أيضاً المراقبة الرشيدة على الموارد، وهي فوق ذلك كله الخطة أو الخطط التي تقود المجتمع الى التنمية عن طريق العدالة.

بمعنى آخر أن الديموقراطية منظومة كاملة ومتساندة من المبادئ والمؤسسات والآليات تتداول فيها السلطة حسب رأي الجمهور العام، وتقوم فيها السلطة بواجب تنفيذ القرارات المتخذة.

لا تتوافق الديموقراطية مع الإقصاء و التمييز، خارج شروط التوافق المجتمعي، ولا تتوافق مع السيطرة على كل المؤسسات، بل لا تتوافق مع إشاعة الرأي الأوحد.

على هذه القواعد الثلاث يبنى اليوم المجتمع الدولي ذو القطبية الواحدة، وهي قيم قد لا تتناسب مع بعض ما يرغب به أولي السلطة، أو ما يشتهيه أولي السلطان من ذوي المصالح الخاصة والضيقة أو التقليدية.

فدروس احتلال العراق ليست دروساً آنية وموقتة، هي محاولة إحلال نظام كامل بنظام آخر عصري ومنسجم مع المسيرة العالمية التي تحقق بعضها في بعض المجتمعات من الداخل وأخرى من الخارج.

مثل هذه الأهداف في مثل بيئتنا العربية تحقيقها صعب، ومقاومتها طبيعية، ومن دون أن تكون للغالبية الرشيدة في العراق وخارجه رؤية لكيفية اجتياز الحواجز الصعبة، سيسهل تعطيل تحقيق تلك الأهداف، إلا أنه تعطيل موقت فقد تحرك القطار من محطة الانطلاق.

* كاتب كويتي.