www.daralhayat.com     2008/09/06     20:48 GMT

ابحث عن

بحث متقدم

?????? ?? ???PDF
TheDaleel.com

مقاتل من الصحراء
موسوعه
"مقاتل من الصحراء"





برنامج "مدرسة الحياة"

old.alhayat.com

 

الزعيم المفقود!

عبدالوهاب بدرخان     الحياة     2003/11/20

نقل عن جميع أعضاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق أنهم شعروا بالزعل والغضب والاستنكار بعد سماعهم تصريحات كولن باول. والسبب انه قال بكلمات مكشوفة ان سلطة الاحتلال لم تعثر على "زعيم" بين أعضاء المجلس, بل انه خلع كل ديبلوماسية ليقول انه تعذر ايجاد "كارزاي" عراقي, على غرار ذلك الأفغاني الذي تعتقد واشنطن انه شكل لها حلاً لمعضلة "الزعامة" في افغانستان, علماً أن هذا الحل لا يزال تحت الاختبار. وقد يكون الرجل معقولاً إلا أن صفته الرئيسية كـ"رجل أميركا" لم تسعفه كثيراً في مهمته, لا في الداخل ولا في الخارج, بل جعلت من اسمه نعتاً سلبياً مسبقاً لأي "زعيم" في أي مكان آخر.

كان الأميركيون يعتقدون ان لديهم "كارزاي" عراقياً جاهزاً, وما لبثوا أن أدركوا خطأهم, ثم اعتقدوا بأنهم على العكس أمام عدد من "الكارزاوات" المفترضين وليس عليهم سوى ان يختاروا, لكنهم فوجئوا بأن الأمر أكثر تعقيداً مما تصوروه. وفيما هم يتعرفون الى العراق ويدفعون ثمناً دموياً يومياً اضطروا الى استهلاك سبعة شهور كي يبدأوا باصدار تقويمات يظنون انها دقيقة, ومنها ذلك "الزعيم المفقود" بحسب باول. لذلك لم يكن مستغرباً أن تُسمع تعليقات من قبيل "إيش يفتهم باول بالعراق حتى يحشي ويقول ماكو زعيم, هو اللي يكون عنده رئيس مثل بوش ايش يعرف عن الزعامة"! الأغرب ان باول نفسه ورئيسه توليا التنظير لـ"النموذج العراقي" الديموقراطي, ومع ذلك فهو يبحث عن زعيم جاهز. هنا أيضاً لم يكن مستغرباً سماع تعليقات من قبيل "الحمد لله اني مو انا كارزاي مالتهم"...

واقع الأمر ان الروزنامة التي اعلنت لنقل السلطة في العراق شكلت انقلاباً على مجلس الحكم, فبات كأنه سحب البساط من تحته ورفع الغطاء من فوقه فوجد نفسه في وضع مائع ان لم يكن في ما يشبه الرمال المتحركة. لم يكد يبدأ بتثبيت نفسه والاستفادة من "المقبولية" الدولية التي تأمنت له حتى جاء ما يعيده الى المربع الرقم واحد. فالأميركيون قالوا صراحة انهم يبحثون عن "بدائل" من مجلس الحكم, ثم قالوا ان لديهم تغييراً في الاستراتيجية, ثم جاؤوا ببرنامج زمني تحول الى "اتفاق" بين "الإدارة المدنية" ومجلس الحكم, لكنه اتفاق لا يعني "الإدارة العسكرية" كما اوضح البنتاغون. وعلى رغم ان مثل هذا التطور كان متوقعاً إلا أنه برهن على جملة معطيات, أهمها ان الأميركيين كانوا ولا يزالون صانعي القرار, ولا شيء يوحي بأي تبديل في الفترة المقبلة. أكثر من ذلك, يراد الايحاء بأن ما يحصل انما هو تنفيذ للقرار الأخير لمجلس الأمن, بل يراد قرار جديد لمباركة "التجربة" المزمعة. ولكن "أين الأمم المتحدة؟", سألت فرنسا وروسيا والمانيا, والسؤال مشروع.

في الوقت الذي يحتاج العراقيون بشدة الى شيء من "العلاقات العامة" الدولية لتسهيل أمور الدولة التي لم تنشأ بعد, يبدو ترك المهمة للولايات المتحدة خياراً غير مضمون النتائج. فالرئيس جورج بوش (ومعه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير) لا يزال مضطراً للدفاع عن حربه, ولا تزال هناك مشكلة عميقة بينه وبين الرأي العام الغربي, والاحتجاجات التي ترافق زيارته لبريطانيا أبلغ دليل. هذا عبء لم يحسب العراقيون أي حساب له. وعلى رغم ان بوش حاول أمس الايحاء بأن "الحليفين" توصلا أخيراً الى تصور واضح لمستقبل العراق, إلا أنه حافظ على اللغة والذرائع ذاتها التي سبق أن استفزت الرأي العام وشحذت نقمته. هذا ايضاً عبء يظن العراقيون المعنيون بمجريات قضيتهم انه لا يعنيهم. لكن من شأنهم ان يعرفوا أن الهم الرئيسي عند بوش أو بلير هو الآن انقاذ رأسيهما وكيفية استخدام العراق لتقوية زعامتهما.

من اللافتات التي تشاهد في لندن هذه الأيام واحدة تقول: "عد الى بلادك يا بوش وخذ بلير معك", بالاضافة الى عشرات من الأوصاف الشنيعة التي تعبر عن الرفض القاطع والعميق للسياسات البوشية. بالطبع, هذا لن يوقف شيئاً لكنه يشير الى هوة غير متوقعة بين التطلعات الشعبية وتوجهات الحكومات. فهذه تفعل في النهاية ما تشاء مهما علت صرخات الشارع, لكن السؤال يطرح: الى أي حد تعتمد الحكومات السياسات الصحيحة؟