www.daralhayat.com     2008/12/01     22:32 GMT

ابحث عن

بحث متقدم

?????? ?? ???PDF
TheDaleel.com

مقاتل من الصحراء
موسوعه
"مقاتل من الصحراء"





برنامج "مدرسة الحياة"

old.alhayat.com

 

العراق... لإدارة بوش الجمهورية "كعب أخيل" أم "حصان طروادة"؟

محمد مشموشي      الحياة     2003/11/27

لم تتغير, على رغم شبه الحرب الفعلية على قوات الاحتلال في العراق وعلى رغم القراءة البراغماتية للمرحلة من جانب النظام العربي عموماً وفي سورية وإيران المستهدفتين خصوصاً, "أولويات" الإدارة اليمينية المحافظة بامتياز في الولايات المتحدة في نظرتها للمستقبل السياسي والاقتصادي والعسكري, وحتى الثقافي للمنطقة, بهدف اخضاعها دفعة واحدة او بالتدريج للسيطرة المباشرة. على العكس تماماً, اذ بات تسريع العمل على جبهة هذه "الأولويات" هو الهدف الأميركي الآني إن لم يكن تأكيداً للخطة الموضوعة للحرب على افغانستان ثم على العراق, فلمحاولة الخروج من مأزق احتلال العراق. والمأزق الأميركي هنا ثلاثي: تصاعد الخسائر البشرية بين قواته من ناحية, وانكشاف الكذب حول اسلحة الدمار الشامل العراقية ومخاطرها من ناحية ثانية, وبدء حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية من ناحية ثالثة.

هذا ما يقوله الآن اكثر من مسؤول اميركي, وأن بلهجات متعددة وبلغات مختلفة احياناً. وهذا ما قاله الرئيس جورج دبليو بوش شخصياً عندما وصف حربه على المنطقة بأنها "ثورة ديموقراطية" ينبغي ان تجتاح المنطقة من اقصاها الى اقصاها, بل عندما اسبغ على نفسه صفة تاريخية بانتقاده العلني لرؤساء الولايات المتحدة على امتداد السنوات الستين الماضية "لأنهم فشلوا في اشاعة الحرية والديموقراطية" لدى الأنظمة الحاكمة في المنطقة وبين شعوبها.

"دول الجوار" العراقي, وبخاصة منها سورية وإيران مدعومة من الدول الخمس الأخرى, قرأت المرحلة بوعي كامل في اجتماعها الأخير في دمشق انطلاقاً من فهمها لحقيقة الأهداف الأميركية اولاً, ولإدراكها ثانياً لما قد تكون عليه ردود فعل "الأسد الجريح" (راعي امبراطورية الكون المفترضة) نتيجة تداعيات هذه الجراح على اوضاعه الداخلية والخارجية. والواقع انه في ما عدا تركيا, التي لها حساباتها الخاصة في العراق ومع الولايات المتحدة, فالموقف الذي اتخذته "دول الجوار" سواء بالنسبة لـ"مجلس الحكم" ودعمها الصريح له كأداة انتقالية "لتحمل مسؤولياته الى حين قيام حكومة عراقية" او بالنسبة الى ادانة "الأعمال الإرهابية التي تستهدف المدنيين والمؤسسات الدولية" او بالنسبة لتأكيد "احترام سيادة العراق واستقلاله ووحدة اراضيه والالتزام بمبدأ عدم التدخل في شؤونه", كان رسالة مزدوجة وعلى خطين في وقت واحد:

اولهما يخاطب الشعب العراقي اساساً, و"مجلس الحكم" استطراداً, للتعامل مع مرحلة الاحتلال باعتبارها مرحلة طارئة ستنتهي في كل حال, طال امدها او قصر, وأن ما يبقى في النهاية هو الجغرافيا والتاريخ اللذان شهدا موجات وصنوفاً من الاحتلالات لاتي جاءت وذهبت من دون ان تمنع عودة حقائق الطبيعة الى ما كانت عليه قبل ذلك. ومن بين اشياء اخرى, فالرسالة تخاطب "مجلس الحكم", الذي يأخذ عليه توماس فريدمان ان 17 من اعضائه الـ24 موجودون في الغالب خارج العراق ويدعو الحاكم المدني الأميركي بول بريمر لوضعهم في غرفة مقفلة من اجل ان يقوموا بمهماتهم, بأن عليهم العمل بجد على تسريع انهاء الاحتلال وليس القعود اعتماداً على "التفويض" الصوري المعطى لهم منه.

وثانيهما يخاطب العالم, بما فيه "الأسد الجريح" في الولايات المتحدة, بأنه اذا كان مستحيلاً كسر التحالف القائم منذ سنوات بين اقصى اليمين السياسي والعسكري والاقتصادي والديني في الولايات المتحدة وإسرائيل, ولا مفر تالياً من "التعامل" مع غرورهما الزائد بالقوة وبإمكان اجبار الآخرين (العالم كله) على الاستسلام, فليس مما يضير اعتماد حد من "الليونة" مع العاصفة, بل ربما يكون من الأسلم - كما تفعل بعض دول اوروبا مثلاً - ترك العاصفة تمر بأقل خسائر ممكنة.

ليونة ايران في التعامل مع الملف النووي يصب في هذا السياق, على رغم التشكيك الأميركي بذلك وتنكر اسرائيل كما بينت تهديدات رئيس اركانها موشي يعالون ومطالبة رئيس وزرائها آرييل شارون موسكو بوقف التعاون معها. كما تصب فيه ايضاً استضافة دمشق لاجتماع "دول الجوار" ودعوة وزير خارجية العراق لحضوره على رغم الالتباس الذي رافق الدعوة وتالياً اعتذاره عن عدم تلبيتها. وهما معاَ يضيفان معاني اخرى الى حدث اوروبي لا يقل اهمية عنهما: استطلاع الرأي الذي اجرته المفوضية الأوروبية في الدول الأعضاء في الاتحاد حول الأخطار على السلام العالمي.

فأن تحل اسرائيل في رأس قائمة الدول التي تهدد السلام العالمي بنسبة 59 في المئة, وتحل بعدها مباشرة ثلاث دول معاً وعلى قدم المساواة هي الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وإيران بنسبة 53 في المئة, ليس مما يجوز تجاهله او التقليل من اهميته على رغم مسارعة المفوضية الأوروبية - كمؤسسة دولية رسمية - الى نفض يدها من النتـيجة وتالياً من التهمة الإسرائيلية المعدة سلفاً لكل من ينتقد اسرائيل وممارساتها بـ"معاداة السامية".

لم يعد سراً, على رغم الحديث الأميركي عن خطة لنقل السلطة الى العراقيين في حزيران - تموز (يونيو - يوليو) العام 2004, ان الهروب الأميركي من المأزق العراقي يتجه الى ان يكون هروباً الى الأمام, بمعنى فعل المزيد من الشيء نفسه في العراق وفي غيره من دول المنطقة, وأن واشنطن تعمل على استبعاد ان يتحول العراق الى "كعب اخيل سياسي" لها ولرئيسها, بحسب تعبير "الإيكونوميست", بقدر ما تعمل على جعله "حصان طروادة" تقفز منه الى دول اخرى ترى فيها مصدر تهديد لمصالحها وأهدافها الآنية والبعيدة المدى في المنطقة وفي العالم.

"لن نهرب", قالها بوش اكثر من مرة و"لن نكرر تجربة الخروج من لبنان والصومال", قالها ايضاً وزيرا الدفاع والخارجية دونالد رامسفيلد وكولن باول, و"نحن هنا لننتصر", قال نائب وزير الدفاع بول وولفوفيتز الذي نجا بأعجوبة من قصف تعرضت له غرفة فندقه في بغداد.

اما كيف, فبالمزيد من التورط المباشر - او توريط العراقيين بجعلهم يقاتلون بعضهم بحسب الخطة الجديدة, او توريط دول اخرى للتضحية بالمزيد من القوات - على مذبح المهمة التي فشلت قواتها فيها للآن. ولعل ما شهدته اخيراً علاقة الشد والجذب بين الولايات المتحدة وتركيا لهذه الجهة يروي جانباً من القصة. فقد طلبت واشنطن من انقرة مساعدتها بإرسال قوات, وقررت انقرة تلبية الطلب بنشر عشرة آلاف جندي في العراق, وفي الشمال تحديداً من وجهة نظرها ولأهدافها الخاصة. لكن الحساسية الكردية للقرار من جهة, ورفض تركيا نشر قواتها على الحدود السورية او الإيرانية كما اقترحت واشنطن كتسوية من جهة ثانية, اوقعا الولايات المتحدة في "مأزق" جديد يضاف الى مأزقها المقيم. المخرج؟!, عملية هروب جديدة الى الأمام: دعوة تركيا الى التراجع, وهو ما استجابت له أنقرة, ودعوة دول اخرى لإرسال قوات من جنسيات ليست لها مثل هذه الحساسية.

في المقابل, وإلى جانب خطة "العرقنة" السياسية في العام 2004, يسيل حبر كثير في الإعلام الأميركي حالياً عن ضرورة منع تدهور الوضع في العراق الى ما كان عليه في فييتنام قبل الهزيمة المدوية ثم الانسحاب. كيف؟! باستعجال "العرقنة" العسكرية وسحب القوات الأميركية الى قواعد يتفق عليها مع "مجلس الحكم" او مع الحكومة الحالية او مع الحكومة الانتقالية المقبلة وتكون بعيدة من المدن... لا لشيء, إلا لاستبعاد "فتنمة" الوضع السياسي في داخل الولايات المتحدة في عام الانتخابات الرئاسية, وارتفاع الأصوات الأميركية كما في الستينات والسبعينات ان "أعيدوا ابناءنا الى الوطن".

الحديث عن اعادة احياء بعض قطاعات الجيش وقوات الأمن العراقية مؤشر الى ذلك. الحديث عن "تعامل جديد ومن نوع آخر" مع السنة - والمقصود على حساب الشيعة والأكراد - مؤشر ثان. الحديث عن ضرورة وضع دستور عراقي "يحمل قيماً اميركية" - اي غير اسلامية وغير عربية, إن لم تكن مناقضة لها - دليل ثالث.

مأزق اميركي في العراق؟! نعم, إلا انه مأزق متعدد الوجوه داخلياً وخارجياً ايضاً. إنه مأزق ما بات الجميع يصفه بأنه "الدولة الأعظم والأقوى والأوحد... والأكثر عنجهية" في العالم, وهي تتعرض لامتحان قاس لم تكن - باعتراف كبار مسؤوليها - تتوقعه لا في العراق ولا قبله في افغانستان, ولا بخاصة على صعيد هيبتها لدى الأصدقاء فضلاً طبعاً عن الأعداء.

والمرحلة, لهذه الأسباب, بالغة التعقيد وبالغة الخطورة في آن واحد. وعلى تطوراتها, يتوقف ما اذا كان العراق سيصبح "كعب اخيل" سياسياً لرئيس الإدارة الأكثر محافظة وعنجهية في تاريخ الولايات المتحدة ام سيكون "حصان طروادة".

ففيها, وعلى مدى الشهور المقبلة, سيظهر ما اذا كان العراق سيشكل "حصان طروادة" للسير به على مساحة المنطقة كلها.

* كاتب لبناني.