:التجديد الأخير 14:47 GMT - 2008/10/07


حال الطقس في 101 مدينة





فجوة العقل الإعلامي

عواطف عبدالرحمن      الحياة     2004/12/2

تعني فجوة العقل الاعلامي وجود رؤى نظرية عدة ومستويات أدائية تتباين أسبابها وتتفاوت تجلياتها وتداعياتها لدى كل من المنظرين وعلماء الاتصال والممارسين الاعلاميين وجمهور المتلقين. وعلى الصعيد النظري تحفل الساحة الغربية (الأوروبية والاميركية) بالكثير من التيارات والرؤى النظرية في بحوث الإعلام والاتصال. فهناك الرؤية الوظيفية البراغماتية التي سادت في الولايات المتحدة خلال أربعة عقود وما زالت مسيطرة على معظم الباحثين ودارسي الإعلام في دول الجنوب, خصوصاً العالم العربي, وتعتمد على المنظور الامبريقي المعزول عن سياقاته الاجتماعية والثقافية, وترى ان الاعلام هو أداة التحديث في المجتمعات النامية.

وتتعرض بحوث الاتصال في دول الجنوب وفي قلبها العالم العربي لأزمة مركبة تتمثل في النقل والاقتباس والتبعية للتيارات الامبريقية والوظيفية في دول الشمال المتقدم تكنولوجياً استناداً الى رؤية خاطئة فحواها ان العلم لا وطن له. وهذه الرؤية قد تنطبق جزئياً على العلوم الطبيعية ولكنها بالقطع لا تنطبق على العلم الاجتماعي الذي يتأثر بالخصوصية الثقافية لكل مجتمع فضلاً عن اختلاف معدلات التطور الاجتماعي والاقتصادي والبيئي, علاوة على الأحداث التي حكمت السيطرة التاريخية لكل مجتمع وحددت خلفياته الثقافية ومنظومة القيم والأنماط السلوكية لشعوبه وجماعاته. وهذا الوضع يطرح تحدياً أساسياً لمعظم المسلّمات النظرية التي تنطلق منها البحوث الإعلامية العربية ذات الطابع الامبريقي التجزيئي والتفتيتي للظواهر الاعلامية والتي اعتاد معظم الباحثين الاعلاميين العرب على تناولها بمعزل عن السياق المجتمعي الذي انتجها وأثر فيها كما تأثر بها, فضلاً عن افتقار هذه البحوث الى الأطر النظرية التي تفسر المعطيات الامبريقية وتكشف عن التوجهات الايديولوجية للباحثين.

وهنا تثار قضية المسؤولية العلمية والاخلاقية للباحثين الاعلاميين العرب لتجاوز هذه الفجوة من خلال التصدي لتناول التراث العالمي في بحوث الاتصال بمنظور نقدي, فضلاً عن ضرورة اعادة النظر في رصد مفردات أو إشكاليات بيئتنا الاتصالية والثقافية والتمييز بين ايجابيات التراث الغربي وسلبيات تعميمه, خصوصاً في مجال العلوم الاجتماعية وعلى الأخص حقل الاتصال والصحافة. ويستلزم ذلك اجراء مراجعة نقدية للتراث العلمي في بحوث الاتصال التي أجريت في إطار المدرسة المصرية والعربية ومحاولة استشكاف أسباب تكرار مواضيع معينة وتجاهل مواضيع أخرى أكثر أهمية وأعمق التصاقاً بواقع الاعلام العربي. وذلك سعياً لاكتشاف الاسئلة الجوهرية التي يطرحها هذا الواقع وصولاً الى الأطر النظرية الملائمة والقادرة على تفسير الكثير من الظواهر الاعلامية التي يزخر بها العالم العربي, ومن ثم طرح الاجابات الصحيحة مع عدم إغفال الاهتمام بدراسة تاريخ الاعلام العربي. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح لنا إمكان التوصل الى بناء نسق نظري عام يفسر الواقع الاعلامي العربي المعاصر في إطار استمراريته التاريخية.

وتتجلى فجوة العقل الاعلامي على الصعيد الادائي في مجالي السياسات والممارسات الاعلامية عالمياً ومحلياً, وتعزى أساساً الى أسباب عدة ابرزها عدم التوازن في انسياب المعلومات من الشمال الى الجنوب ورسوخ الاتجاه الرأسي الأحادي الجانب للإعلام من أعلى الى أسفل من المراكز الدولية في الشمال المهيمنة على التكنولوجيا المتقدمة والمعرفة والتراث الإعلامي الى الأطراف الأفقر في الجنوب ومن الحكومات الى الافراد والشعوب ومن الثقافة الغربية المسيطرة الى الثقافات التابعة. ففي ظل الثورة العلمية والتكنولوجية وفي إطار المحاولات الدؤوبة التي تقودها القوى المتحكمة في السوق العالمية من أجل عولمة الثقافة والتعليم والدين وسائر مكونات المنظومة الحضارية التي كانت تحتفظ باستقلال نسبي خارج دوائر السوق العالمية وقيمها وفي ظل الهيمنة السياسية والاقتصادية للمؤسسات المالية الدولية والشركات المتعددة الجنسية والدول الثماني الكبار بزعامة الولايات المتحدة, وفي ظل الصراع الثقافي والتحديات الحضارية, تبرز فجوة العقل الإعلامي. إذ لم تعد تكنولوجيا الاتصال والمعلومات تشغل موقعاً مركزياً فحسب في شبكة الانتاج, بل اصبحت تشغل موقع القلب في استراتيجية اعادة تشكيل منظومة العلاقات الدولية على المستوى السياسي بين الحكومات وذلك بالترويج لما يسمى بـ"الشرعية الدولية" ومعاييرها المزدوجة, وعلى المستوى الثقافي بين الثقافات المختلفة بإعلاء شأن الثقافة الغربية, خصوصاً الطبعة الأميركية منها وتهميش ثقافات الجنوب. وعلى المستوى الاتصالي بالترويج لما يسمى بـ"القرية الاتصالية العالمية" متساهلاً عن عمد حيال التفاوت الحاد بين معدلات التطور الاعلامي والاتصالي بين اجزاء العالم شمالاً وجنوباً سواء تمثل ذلك في تكنولوجيا الاتصال أو في الإشباع الإعلامي. أما على الصعيد العربي فتتمحور أسباب فجوة العقل الاعلامي إجمالاً حول السيطرة التي تمارسها الحكومات العربية في مجال تنظيم أو توجيه أنشطة الاتصال والإعلام سواء في المجالات الاقتصادية (ملكية وسائل الاعلام - توفير موارد الاتصال) أو في المجالات التشريعية (قوانين المطبوعات والتشريعات الاعلامية) فضلاً عن تحكمها في المضامين والممارسات الاعلامية في إطار السياسات الاعلامية والاتصالية المعلنة والمستترة ومعاداتها للتعددية الفكرية والسياسية وابتكارها مصادر المعلومات وإصرارها على مصادرة الآراء المخالفة من خلال أجهزة الرقابة المتباينة الأشكال. وهناك, الى جانب الضغوط والقيود التي تبالغ الحكومات العربية في استخدامها لتحجيم الأدوار التي يقوم بها الإعلاميون العرب, تبرز الضغوط المهنية والإدارية داخل المؤسسات الإعلامية والصحافية والتي تؤثر بصورة سلبية في بيئة العمل الإعلامي ككل, سواء من ناحية مدى مشاركة الاعلاميين في صنع القرارات ووضع السياسات الإعلامية أو مستوى الأداء المهني وعلاقات العمل (علاقة الإعلاميين بالمصادر وبالجمهور وبالزملاء والرؤساء). وتشير الدراسات الى غياب المعايير الموضوعية لقياس الأداء المهني للإعلاميين والصحافيين في معظم المؤسسات الإعلامية والصحافية في العالم العربي فضلاً عن عدم توافر ضمانات ممارسة المهنة من خلال تفعيل التشريعات التي تحقق الحماية المهنية للإعلاميين الصحافيين.

ومن أبرز صور الفجوة الأدائية عجز الإعلاميين العرب عن مواكبة عصر المعلومات في ممارساتهم الصحافية والإعلامية والتي تتمثل في غلبة الطابع الدعائي الاقناعي التقليدي على اسلوب الخطاب الاعلامي الذي لا يزال يدور في فلك الحكام وتأكيد روح الانبهار بالثقافة الوافدة واغفال الحاجات الاتصالية لجمهور المتلقين الذين تتعامل معهم وسائل الإعلام العربية باعتبارهم مستهلكين وليسوا مشاركين استناداً الى الرؤية التقليدية للإعلام.

استاذة الصحافة في جامعة القاهرة.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group