:التجديد الأخير 04:26 GMT - 2008/09/08



حال الطقس في 101 مدينة





الجاسوس والطلاب

عبدالوهاب بدرخان     الحياة     2004/12/7

اتخذت مصر قراراً «سيادياً» بتبادل سجناء مع اسرائيل، فأفرجت عن جاسوس لم تقل اسرائيل يوماً انه مجرد سائح مفترى عليه. وأطلقت السلطات الاسرائيلية ستة طلاب مصريين كانت اعتقلتهم في ظروف غامضة ووجهت اليهم اتهامات عشوائية من نمط ما يتهم به آلاف من الفلسطينيين المرتهنين في السجون الاسرائيلية من دون محاكمة وأحياناً من دون استجوابات.

وفي حدود المعلومات المتوافرة كان يمكن اعتناق السذاجة والقول ان خبر التبادل عادي بين دولتين، لكن قراءة عناوين «الأهرام» أمس زرعت الشكوك في حين أنها تقصّدت العكس تماماً. إذ جاء العنوان الرئيسي الآتي: «الافراج عن الطلاب المصريين الستة المحتجزين لدى اسرائيل». وهو يوحي بأن انجازاً مهماً قد حدث. ولِمَ لا، فهؤلاء الطلاب لم يرتكبوا أي عمل. يأتي العنوان الثانوي: «مصر افرجت عن عزام في اكتوبر الماضي وارجأت تسليمه الى حين اطلاق سراح الطلاب». لماذا اطلق عزام مع انه محكوم 15 عاماً سجناً بعد ادانته بالتجسس. اما العنوانان الآخران فأشارا الى «تزامن» الافراج عن الجاسوس والطلاب، لكن احدهما كان أكثر وضوحاً في التلميح الى الحرج، إذ قال: «الطلبة دخلوا الأراضي المصرية قبل أن يخطو عزام أي خطوة داخل اسرائيل»! ماذا يمكن أن يعني ذلك سوى الحرص الشديد على تسجيل انجاز لا يحمل ملامح الانجاز.

لعل المراد تسويق الصفقة داخلياً على أنها متوازنة، وكان يمكن أن تكون كذلك لولا ان حدثين لحقا بالتبادل. الأول ان رئيس وزراء اسرائيل استقبل الجاسوس عزام لتهنئته كبطل قومي وبالتالي للاستفادة داخلياً من اطلاقه، كما أتيح فوراً لذوي الجاسوس ان يستقبلوه ويحتفلوا بعودته. أما الطلاب المصريون فلم يتح لأحد ان يراهم، وحتى أمس كان ذووهم ينتظرون خروجهم من الاستجواب، وبالتالي اضطروا لتأجيل الأفراح بعودتهم... إذاً، الفارق واضح. طبعاً يحق لمصر ان تلجأ الى أي اجراء للافراج عن مواطنيها، وكل اتفاق من هذا النوع لا بد أن ينطوي على صفقة، لكن عدم الافصاح عن كل بنودها أظهرها رخيصة وغير متكافئة في نظر المصريين قبل سواهم من العرب. لذا كانت ردود فعلهم الأولى ان الطلاب الستة كان يفترض ان يطلقوا في اطار «الاعتذار» الاسرائيلي عن اغتيال الشرطيين الثلاثة في سيناء من دون أي سبب أو مبرر. لكن يبدو ان القاهرة أخذت في الاعتبار تفجيرات طابا والعدد الكبير من الضحايا الاسرائيليين فيها، لتقرر أن الصفقة باتت ممكنة الآن.

لا شك ان التبادل غدا المؤشر الأول الى ما بات يسمى «مرحلة جديدة» في الشرق الأوسط، بعد رحيل ياسر عرفات ومؤتمر شرم الشيخ، واستطراداً الى دور مصري محوري في هذه «المرحلة الجديدة». لكن، قياساً الى تفاصيل الصفقة، لا يمكن الاطمئنان الى مضامين هذه «المرحلة» وما يخطط لها، خصوصاً بسبب ضآلة المؤشرات الأميركية والاسرائيلية عن تغييرات جوهرية في السياسات والتوجهات. هذا لا يعني انقلاباً في السياسات المصرية، لكنه يشي بوجود ضغوط عليها، بل قد تكون هذه المرة الأولى التي تعتبر فيها الولايات المتحدة واسرائيل ان تورط مصر عنصر ضروري وحاسم لتنشيط «عملية السلام» بالمفهوم الذي تعتمده عصابة «المحافظين الجدد» في واشنطن. ومن المؤكد ان الدور المصري سيكون بالغ الايجابية إذا اتيح له ان يبقى منسجماً مع الثوابت المصرية وصورة مصر عربياً واسلامياً ودولياً.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن وزير العدل اللبناني لمح أمس في رده على تصريحات للزعيم اللبناني وليد جنبلاط الى «دور لقيادي لبناني أثناء زيارته لدولة أجنبية في التوسط لتأمين صفقة الافراج» عن الجاسوس عزام عزام. لم يذكر الوزير اسم جنبلاط ولا اسم فرنسا التي زارها الأخير قبل أيام، لكن الصفقة البائسة بدت للوزير مناسبة للتشهير بجنبلاط، ناسياً انه وزير للعدل وأنه كان - ولا يزال! - محتفظاً بمنصبه كمدع عام تمييزي، وبالتالي فهو آخر من يجوز له اطلاق اتهامات بناء على تخيّلات بائسة.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group