موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 08:23 GMT - 2008/07/25

حال الطقس في 101 مدينة










بعد نفي المحرقة اليهودية.. ماذا عن مثقفينا الذين ينفون المجازر الجماعية؟

غالية قباني     الحياة     - 14/01/07//

قرار النمسا ترحيل المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفنغ المحكوم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة انكار المحرقة النازية لليهود ليقضي بقية المدة تحت المراقبة في بريطانيا، أعاد قضيته الى الواجهة الاعلامية، وهي القضية التي وضعت أوروبا قبل تسعة اشهر تقريباً في موقف الحيرة ما بين حرية الرأي والتعبير التي يجلها الاوروبيون، وبين عدم التسامح مع اتجاهات يمينية متعصبة تدافع عن سلوك عدائي نحو البشرية، لأن التساهل مع هذه الاتجاهات يعني امكانية تكرار جانب مخز من تاريخ النازية والفاشية في هذه القارة.

واذا وجد ايرفنغ من يدينه ويحاكم مواقفه التي هي على حساب ارواح ضحايا وذاكرة مجروحة لا يزال يحملها من عاش ليروي، فمن يحاكم مثقفينا وبعض من يعدّون أنفسهم مفكرين ورجال دين مسؤولين، على انكار جرائم انسانية فردية وجماعية تمت وتتم، في المنطقة العربية هذه المرة، لا في معسكرات هتلر، بحجج قومية وطائفية مختلفة؟

أثارت محاكمة ايرفنغ بصورة عامة معضلة موقف المثقف من أي سلطة طاغية في العالم، عندما يجافي الموضوعية ويطلق الأحكام منطلقاً من موقف سياسي متعصب لا من موقف الباحث الاكاديمي الذي يمحص ويدقق. لهذا، بدا ايرفنغ ضعيفاً في دفاعه عن نفسه امام المحكمة، ولم يجد تراجعه أمام القضاة بقوله انه أعاد التفكير بذلك التاريخ النازي بعد ان وقعت في يديه اوراق ومستندات جديدة خلال السنوات الماضية! فهو في طرحه الذي حوكم عليه، لم يتحدث عن مجرد مبالغات، او اساءة استخدام قضية المحرقة من قبل اليهود لابتزاز ضمير العالم، او ان ضحايا آخرين من قوميات واعراق اخرى في اوروبا دفعوا الثمن ايضا، بل انه نفى بالمطلق حدوث المحرقة وأي مجزرة جماعية للنازية. وبرأ هتلر وأعوانه بقوله «انهم لم يكونوا على علم بها»! وأحال الفعل الى جماعة اخرى «غير معروفة» واصفاً كل ما يرويه اليهود من مآس في تلك الفترة بأنه «حكاية خيالية».

وبماذا يمكن وصف دحضه اذن لتلك المجازر بغير «الخيال» وهو المؤرخ الاكاديمي الذي لم يقدم اثباتا دقيقا واحدا يؤيد ادعاءاته التي صدف ان روج لها قبل ثماني عشرة سنة في ندوات بالنمسا، البلد الذي لا يتسامح مع تاريخه النازي وما يشكله من وصمة عار على المستويين السياسي والاجتماعي. ولولا القوانين المتشددة في مجتمعات مثل النمسا والمانيا، بحسب افتتاحية صحيفة «ذي تايمز» البريطانية اثناء المحاكمة، لما تراجع ايرفنغ عن موقفه معترفاً بخطئه الاكاديمي. وفي هذا الرأي دعوة الى تقييد تلك الحريات بحدود خطوط حمراء.

ليست اوروبا وحدها حائرة أمام الحكم الصادر على ايرفنغ، فكثيرون وجدوا انفسهم موزعين بين موقفين، من جهة مع حرية التعبير المطلقة، ومن جهة اخرى يرون انها تفسح في المجال لاعادة الاعتبار لافكار تؤيد القتل والابادة الجماعية الاثنية، او على اقل تقدير ترفض الثقافات الاخرى بكل حمولاتها. لذا، أقول لاصدقائي العرب المتحمسين لهذا الرجل نكاية باسرائيل: لا تدافعوا عن اصحاب تلك المواقف ولا تؤيدوهم، فالمطلوب من وجهة نظرهم لا رؤوس اليهود فقط بل رؤوس «الاجانب» عامة وكل من هو «آخر» لا يشبههم في العرق والدين والثقافة. والمؤرخ ايرفنغ كمثل أصحاب الفكر اليميني المتعصب في اوروبا، لم ينتقد سياسات اسرائيل الهمجية نحو الفلسطينيين، ولا ادان قيام تلك الدولة على اساس عنصري او توسعها على حساب اراضي الدول العربية المجاورة.

قضية ايرفنغ وضعتنا أمام التساؤل حول ما يجنيه المثقف من انكار المجازر التي تجري بحق البشرية في أي مكان في العالم، وان ينطق باسم السلطات الفاشية ليبرر ويبرئ تاريخها الدموي، ماضياً وحاضراً؟ واذا ضيقنا السؤال اكثر جغرافياً، نقول ماذا يعني ان ينفي المثقف العربي (وهذا يشمل المحامين والاطباء والمهندسين وكل المنتمين الى نقابات مهنية قوية) حدوث مجازر في حلبجة ودارفور وحماه والدجيل، وغيرها الكثير؟ هل يبقى مثقفنا عشائري التفكير يتعصب لنظام ما، فقط لانه عربي؟ هل تبقى منظومة تفكيره مبرمجة بالعداء للسياسة الاميركية فيدافع عن النظام الذي تعاديه او يعادي النظام الذي تمتدحه نكاية بها، متوهما انه يحاربها بهذا الشكل؟ أليس بامكانه ان ينطلق من أسس ثابتة فينتقد السياسات المحلية ويقف في الوقت نفسه بمواجهة استغلال الادارة الاميركية او الغرب عموماً لتلك السياسات، خدمة لأجندة خاصة؟ ولماذا يتم الدفاع عن اي نظام عربي او جهة طائفية او مذهبية، على حساب دماء بشر آخرين أبيدوا او عذبوا قبل ان تتاح لهم فرصة الدفاع عن انفسهم وقبل ان يعيشوا حياتهم حتى الرمق الاخير، كما عاشها ويعيشها مجرمو السياسة والعسكر، والمدافعون عنهم؟

وبمناسبة الحديث عن المحرقة والمؤتمر الايراني الذي عقد لانكارها، اسأل من تحمس لتلك الفعالية: ما الذي سيكسبه العرب ان هم انكروا المحرقة اليهودية او أيدوا من ينكرها؟ فالانكار لن يعود على عدالة قضية الشعب الفلسطيني بأي فائدة. بل انه من الافضل للعرب مساندة مواقف اشخاص لا ينكرون المحرقة، إلا انهم يدينون في الوقت نفسه سياسات اسرائيل ويتهمونها بتكرار (المحرقة) مع الشعب الفلسطيني، كما يفعل البروفيسور ستيفن روز رئيس الجامعة المفتوحة في بريطانيا (اليهودي الاصل) الذي يقود منذ سنوات حملة مقاطعة ثقافية واكاديمية بريطانية لأي تعاون مع الجامعات العبرية. وكذلك يفعل القس بول اويسترايشر رئيس المركز العالمي للتفاهم وعضو مجمع الكنيسة الانغليكانية في بريطانيا الذي أطلق تصريحات العام الماضي تنتقد اليهود البريطانيين الذين يخلطون بين انتقاد اسرائيل والعداء للسامية، والذي لم يتوان عن مهاجمة سياسة اسرائيل العنصرية حيال الفلسطينيين، كما نبه الى موقف العالم الغربي الان من المسلمين ووصفهم بـ «يهود هذا العصر»، أي الهدف العنصري الجديد في القرن الحادي والعشرين. وللعلم فان اويسترايشر ألماني الاصل وكان لاجئا كطفل فترة حكم هتلر، وله جذور يهودية وماتت جدته في المحرقة. ولم يمنعه ماضيه القاسي من ان يلتزم الموضوعية في التعامل مع الحاضر، وفي ذهنه آفاق مستقبل خال من الجرائم الانسانية التي عايشها في طفولته. هذا هو نموذج المثقف الذي يعتمد عليه في التقدم بمجتمعاته، لا المثقف الذي يهيج مشاعر العامة منطلقا من الظاهرة الصوتية. انه النموذج الايجابي الذي يكف عن التفكير بأنه وشعبه مجرد «ضحايا للعالم» ويواجه العالم بتفكير منطقي حكيم يبحث عن مكامن الخلل في هذه المجتمعات.

اذا كان لدى اوروبا من التاريخ الراسخ في الحريات ما يجعلها تقيم المحاكم وتعيد النظر في حدود حرياتها بخطوطها الحمراء والخضراء، فان مجتمعاتنا العربية لا تزال بعيدة عن أي تقليد من هذا النوع، واصوات القلة الحكيمة تضيع وسط ضجيج نخبة، منابرها «الفضائية» هي المقياس لانجازها وقدرتها على التأثير في الآخرين ودفعهم مثل قطيع ماشية نحو حتف لا يدركون انه على بعد خطوات قليلة.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group